مجلة شهرية - العدد (507)  | ربيع الثاني 1440 هـ- ديسمبر 2018 م

ملامح عربية وإسلامية في أعمال بورخيس

كان معروفا على نطاق ضيق أن خورخي لويس بورخيس (بوينوس أيرس 1899-1986), خلال أيامه الأخيرة, في جنيف, قد شرع في أخذ دروس في اللغة العربية. روى هيكتور داميكو هذه الواقعة في مقالة له منشورة في لاناثيون والتي عرفها بدوره عن طريق ماريا كوداما زوجة بورخيس. بورخيس الذي, (اعتزم على ألا يتداخل المرض في حياته) أخذ, مع زوجته, في أسابيعه الأخيرة عدة دروس في العربية. ضربت ماريا كوداما موعداً في الفندق، حيث كانا يقيمان, لمدرس مصري كان يعيش في لوزان, استقبلته كوداما في اللوبي. طبقاً لرواية داميكو, طلبت إليه أن يصعد لأن شخصاً آخر كان سوف يشارك في الدرس. ابتسم المصري عندما فتحت ماريا الباب فإن القادم لتوه تعرف في الحال على العجوز ثم أخذ يبكي. كان قد قرأ الأعمال الكاملة لبورخيس بالفرنسية. عرض أن يعلمهما العربية دون مقابل، لكنهما لم يقبلا.
لم يتمكن الشاعر, وهو الكفيف وفي عقده الثامن, من تقدير الشبح المقتدر للحروف العربية فوق الورقة. كما لم يستطع أن يطمح إلى امتلاك ناصية لغة شديدة التعقيد والتي حتى ذلك الحين كان يجهلها تماماً. أية فتنة سرية حملته على التصدي لدراسة مقدر عليها سلفاً أن تظل غير مكتملة؟
أية أحاسيس عبرت بذهنه عندما سمع من شفاه المصري الأصوات الفخمة للغة الضاد؟ هذا المقال يود أن يكون إجابة عن هذه الأسئلة, طموح مبالغ فيه لا يمكن إنجازه إلا في حدود ضيقة.
عندما يستشهد بورخيس بعمل أو بكلمة, من العربية, فإنه يخضع هنا لدقة مصادره. بتواضع ملتبس وصل إلى قول: (جهلي باليونانية والعربية سمح لي أن أقرأ, لنقل, الأوديسا وألف ليلة وليلة في ترجمات مختلفة), من حسن الحظ أن هذا الفقر حملني أيضاً إلى حظ من الغنى. في العام 1935 كان قد استبق هذه Mardrus وBurton                     وGalland المفارقة بالإشادة بترجمات المميزة بأمانتها Enno Littmann التي لم يعتقد بواقعيتها, في مقابل ترجمة ليس ثمة شيء آخر سوى الأمانة Washington يقول: (ليتمان غير قادر على الكذب مثله مثل واشنطن). الألمانية. إن تسويق الليالي قليل, قليل جداً, ومن ألمانيا كان لابد أن ينتج شيء أكثر.
رغم هذا النموذج من اللذية الذهنية, فإنه من الجلي أن بورخيس كثيراً ما كان لديه الحظ في اختيار الترجمات الأفضل من بين ما كان متاحاً, وهو أمر يفسر دقة مرجعياته واستشهاداته بأعمال كلاسيكية من الأدب العربي أو الإسلامي.. لنعرض الآن بعضاً من هذه المرجعيات, في ترتيب كرونولوجي بشكل تقريبي.
ترجمات لأصوات عربية
لا يحتوي (التاريخ الكوني للعار 1935) إلا على ملخصات, مكتوبة بشكل مدهش, لحكايات رواها آخرون. استعاراته الوفيرة تبرر أن الكاتب نفسه, في مقدمة طبعة 1954، قد نعت بالباروكي الأسلوب الذي كتبت به. حسب بورخيس نفسه, إنها اللعبة غير المسؤولة لشخص خجول لم يتجرأ على كتابة قصص وتسلى بتزييف وتأويل مغرض (أحياناً دون مبرر جمالي) لحكايات تخص آخرين. مرة أخرى, يلجأ الشاعر إلى التواضع المبالغ فيه. يحتوي الكتاب على قصة (الصباغ المقنع حكيم مرو), حكاية عن نبي مزيف من خراسان, يخفي وجهه وراء قناع أو حجاب, زاعماً أن عليه إخفاءه كي يحمي الآخرين من البريق الصاعق لنظراته الخارقة. نجح حكيم في ضم كثير من الأتباع, شكل جيشاً ولفق ديناً باطنياً خالطاً الإسلام بعقائد غنوصية. بعد هزيمته, يتم الكشف أن قناعه لا يخفي إلا ندبات الجذام. تحتوي السطور الأولى من القصة على التسمية العربية لهذا النبي الزائف: (Al Moqanna) والذي يترجمه بورخيس بـ(محجب أو بشكل أدق مقنع). في الحقيقة, يتعلق الأمر بالكلمة العربية مقنع والترجمة التي يقدمها كاتبنا دقيقة.
في طبعة 1954 أضاف إلى (التاريخ الكوني للعار) عدة قصص شديدة القصر, ثلاث منها تتصل بالثقافة الإسلامية: (حكاية الاثنين الذين حلما) والتي تصدر عن ألف ليلة و(مرآة الحبر) التي تدور أحداثها في السودان وكذلك القصة الغريبة (بديل محمد) المقصورة على مقطعين والمستلمهمة من سويدنبورج.
أضافت (قصص خيالية) إلى معرض الصور البورخيسية عناصر عدة موضوعية على علاقة بالثقافة العربية والإسلام. في إحدى حكاياته (الدنو من المعتصم)، يتعرض بورخيس من جديد لمزاولة الخطر في عرض ترجمة لكلمة في لغة مجهولة بالنسبة إليه, مثل العربية, دون احتمال لجوئه إلى قاموس، نظراً لاختلاف الأبجدية. ومع ذلك يتخلص بنجاح من هذه الورطة, بالتأكيد بفضل رجوعه إلى المصادر الموثقة.
Almotasím تعني اشتقاقياً (الباحث عن الحماية) يؤكد في إحدى فقرات القصة. في الواقع, فإن اللفظة العربية معتصم هي اسم الفاعل من الفعل اعتصم والذي يعني توقى وتحامى والتجأ. i`tasama, كذلك تنتمي قصة (المعجزة السرية) إلى مجموعة (قصص خيالية), والتي تدور في براغ إبان الحكم النازي لما كان يسمى حينذاك تشيكوسلوفاكيا, وبطلها كاتب يهودي محكوم عليه بالإعدام من قبل الغازين. في القصة, يمنح الله للضحية تمديداً للوقت: اللحظات القصيرة أمام منصة الإعدام بمثابة عام بالنسبة للمحكوم عليه, في هذه اللحظات يتمكن من إنهاء عمل أدبي داخل رأسه. يصدر النص بآية من القرآن, الآية 259 من سورة البقرة: 
´Y Dios lo hizo morir durante cien años y luego lo animó y le dijo:Cuánto tiempo has estado aquí (فأماته الله مئة عام ثم بعثه قال كم لبثت) بحسب القرآن, فإن الله أخضع هذا الرجل لتجربة حينما مر على مدينة محطمة فقد شك أن أحداً, حتى الله يمكنه أن يحييها. الترجمة, والتي لم يذكر اسم صاحبها, لن تكون موضوعية بسبب كلمة واحدة: هنا aquí بدلا من هكذا así، فالواقع أن الله يسأل المتشكك, كم لبثت هكذا؟ أي كم لبثت من الوقت ميتاً. من المحتمل أن يكون ثمة خطأ طباعي أو نسخي, لتشابه الكلمتين. على أية حال, فالنص القرآني يغض الطرف عن الظرف: (cuánto permaneciste) يمكن أن تكون الترجمة الحرفية من العربية كم لبثت kam labizt.
استعارة الجمل الأعمى
 إن العمل الذي يحتوي على أكثر الموضوعات شيوعاً من هذا النوع الذي نتناوله هو El Zahir الذي يتضمن, بين قطع أخيرة لامعة, بحث ابن رشد, بالإضافة إلى الظاهر, وابن خاقان البخاري, ميت في متاهته وكذلك (الملكان والمتاهتان) (تم إضافة القصتين الأخيرتين في طبعة 1952). في (الظاهر) يستند بورخيس من جديد إلى مصادر مؤكدة كي يلتمس معنى كلمة في لغة يجهل أبجديتها وقواعدها.
يقول الشاعر: zahir في العربية يعني: معلوم، مرئي, بهذا المعنى, هو واحد من أسماء الله التسعة والتسعين. الكلمة التي záhir يعنيها هي النسخ لكلمة ظاهر. الترجمة والنسبة إلى التسعة والتسعين اسماً كلاهما صحيحان.
بحث ابن رشد يتخيل محادثة بين عدد من الحكماء. في خطبته وبعد أن أثنى عبد الملك على الشعر العربي نعت بالقدامى الشعراء الذين تشبثوا, في دمشق أو قرطبة, بالصور الرعوية وبمعجم بدوي قال إنه كان من العبث أن يحفل الشاعر بمياه بئر بينما يتمدد أمام عينيه نهر الوادي الكبير .Guadalquivir
وحث على منفعة تجديد الاستعارات القديمة؛ قال إنه عندما قارن زهير بين القدر والجمل الأعمى, فإن هذه الصورة استطاعت إدهاش الناس, لكن خمسة قرون من الإعجاب كانت قد استهلكتها. وافق الجميع على هذا الرأي, فلقد كانوا سمعوه مرات كثيرة من أفواه عديدة. كان ابن رشد صامتاً. في النهاية تكلم, متوجهاً إلى نفسه بالحديث أكثر من توجهه به إلى الآخرين. في المحادثة المتخيلة يرد ابن رشد: «يقول زهير في معلقته إنه, في انصرام ثمانين عاماً من الألم والمجد, قد رأى لمرات عديدة الأقدار وهي تدهس البشر مثل جمل أعمى.. بيت زهير، عندما قام بنظمه في الجزيرة العربية, فقد أفاد في المقابلة بين صورتين, صورة الجمل العجوز وصورة القدر: معاداً الآن, ينفع في إحياء ذكرى زهير كما ينفع في خلط همنا بهم ذلك العربي الميت.
منذ مدة, عرضت مسألة القصة على مثقف وصديق لبناني مدهش, والذي في الحال تعرف على بيت زهير, وأنشده من الذاكرة وكتبه بناء على طلبي في ورقة, بتشكيل كامل للحركات القصيرة والعلامات المميزة.
كان ثمة خطأ وحيد في السطر الذي خطه صديقي بيده, خطأ يمكن أن يرتكبه شخص عربي أو شخص يجيد العربية بشكل كامل. كانت ورقتي تبدأ هكذا (رأيت الموت...) بينما القصيدة المطبوعة تقول حرفياً (رأيت المنايا)...
رَأَيْتُ المَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
تُمِـتْهُ وَمَنْ تخطئ يُعَمَّـرْ فَيَهْـرَمِ
ترجمة حرفية للقصيدة يمكن أن تكون على هذا النحو:
رأيت الأقدار تنقض كجمل أعمى: من تصدفه تقتله ومن تنب عنه يعش ويعمر
الموت أم الأقدار؟ الكلمة منايا هي جمع تكسير لمنية, المفرد بحسب قاموس كورّينتي يعني الموت أو القدر. لكن بالجمع فإن المعنى المجازي يبدو أكثر قابلية للحياة. يترجم شارح المختارات المحتكم إليها الكلمة إلى الموت بشكل مباشر ويضيف أن عشواء هي: الناقة التي لا تميز في الليل ما يقع أمامها.
الإسلام في صور
تحتوي قصة (ابن خاقان البخاري, ميت في متاهته) على استشهاد قرآني: إنها الآية التي يأتي منها اسم السورة رقم تسعة وعشرين, العنكبوت (كمثل العنكبوت اتخذت بيتاً). على طول القصة, عقدة محبوكة في السودان تجد حلها في كورنوول (محاكم تفتيش أخرى) هي مجموعة من المقالات في عقدي الأربعينيات والخمسينيات والتي تتناول موضوعات شتى. تعجب الإيرانيون دائماً من الشهرة التي حازها عمر الخيام في الغرب وهم يعتبرونه شاعراً ثانوياً بالمقارنة مع حافظ, الأقل ذكراً في نصف كرتنا. يمكن أن تساهم قراءة مقالة (لغز فيتزجيرالد) في إزاحة الدهشة الفارسية. ترجم فيتزجيرالد إلى الإنجليزية رباعيات عمر الخيام بنتيجة مبهرة جعلت ترجمته واحدة من الأعمال الكلاسيكية في اللغة الإنجليزية.
 يتضمن كتابه الشفرة رونده  Ronda قصيدة مجموعة من الصور المتنوعة التي يربطها المؤلف بتصوره عن الإسلام: السيوف والجيوش ووردة الصوفي وعلم الجبر وشارحو أرسطو و(سكون الأفنية العميق). إن ذلك مفيد للكشف عن وجهة النظر التي كان يرى بها الكاتب الإسلام, مفصحاً عن حنوه وكذلك عن أفكاره المسبقة. أو ربما الأفكار المسبقة لمن كانوا الواسطة بين بورخيس وبين الإسلام: أمثال بورتون وجالاند وفيتزجيرالد.. كان على كاتبنا أن يستعين بهم كي يقرأ كلاسيكيات الثقافة الإسلامية. لذلك ورث عنهم المحاسن والعيوب نفسها. هكذا, في (روندا)، نجد هذا البيت (... تيمورلنك وعمر اللذان حطما). أي أن عمر, ابن الخطاب, الخليفة الثاني الملقب بالفاروق لحسه بالعدالة, يظهر باسمه في القصيدة إلى جانب تيمور لنك, زعيم مغول التركستان وقائد النهابين ومشعلي الحرائق والقتلة. ومع ذلك يجب ملاحظة أن قصيدة (رونده) عبارة عن تضاد بين صور مجردة من أية حمولات سياسية أو أيديولوجية, مختارة بشكل حصري لمعانيها الضمنية الجمالية. في هذا السياق, فإن التشويه التاريخي يفقد أهميته أمام القوة الموحية للصور: الإسلام هو السيف والوردة, هو أرسطو مشروحاً والباطنية الصوفية, هو الجبر والحرب و(سكون الأفنية العميق). قمنا بالتعليق على بعض فقرات بورخيس متبعين نظاماً كرونولوجيا وعلينا الآن أن نقترب من السنوات الأخيرة لإنتاجه الأدبي. (المتآمرون) 1985 كان آخر كتاب لبورخيس ولم يفتقر إلى مرجعيات إسلامية. في قصيدة (من الأندلس المتعددة). مثلما نجد في قصيدة (رونده)، المكان المحدد بمجموع الصور التي يستحضرها الكاتب. الأندلس, على ذلك, هي, بين أشياء أخرى كثيرة, المسجد والقوس. إيقاع/مياه الإسلام في ممرات أشجار الحور..
صنع بورخيس في أعمال شديدة القصر (كل مقالاته وقصائده وقصصه لها هذه الكيفية) معرضاً مؤثراً من الصور بقدرة كبيرة على تفجير المعاني. قارئ أعماله المبتدئ سيعقد معه نوعاً من التواطؤ؛ يتآلف مع قوة إيحاء كلمات بعينها تعاود الرجوع : مرآة, نمر, مكتبة, متاهة. سريعاً ما سيكتسب جغرافيا بورخسية, حيث باليرمو وجنيف وأيسلندا واليابان وخراسان ولندن هي عناصر تمتزج بشكل طبيعي.
صور بورخيس شديدة التنوع ومعانيه الضمنية جد مقتدرة إلى درجة أنه عند الانتهاء من عدة كتب يتولد هذا الإحساس أنك تعلمت نوعاً من اللغة وأنك على وشك أن تحرر قواميس بورخسية تفرض شفرة رموزه الغزيرة على التبويب الأبجدي الساذج.
في هذه الشفرة من الأصوات الرمزية, بقدرتها الحادة على الإيحاء, سيدرج بامتياز القرآن وألف ليلة وليلة والجبر وأفنية الأندلس وابن رشد وعمر الخيام. هذه الفقرات التي ألمحنا إليها في هذا المقال, تتوزع على امتداد خمسين عاماً, هي بالكاد نماذج؛ الإحصاء الكامل لكل المرجعيات الإسلامية والثقافة العربية عند بورخيس يتجاوز طموح هذه الورقة.
كان بورخيس متعبداً للأدب, قادراً على تبجيل نص ديني لطبيعته كعمل كلاسيكي أدبي (القرآن والإنجيل) أو مذهب فلسفي لقيمته الأدبية (شوبنهاور وبيركلي وسويدنبرج). كان ورعه الأدبي أشد حدة من كثير من الورع الديني وعواطفه الحيوية الأكثر عمقاً يبدو أنها انبثقت من اتصاله بكلاسيكيات الأدب والفلسفة.
في ذلك الصباح في جنيف 1986، عندما كان يحيا أيامه الأخيرة, سيكون قد حاز الوقت ليتعلم بعض الصوتيات القليلة للغة العربية. أيكون قد استجوب معلمه حول كلمات الظاهر والمقنع والمعتصم؟ أكان لديه الوقت الكافي كي يتعرف على الصوت الرنان للصوامت العربية, هل حاول نطقها؟
تحصل بورخيس على بعض الاتصال بلغة القرآن وابن رشد, رغم قلته. شعر، دون شك, في شبه الظلمة الرهيفة للعمى. بدوار خفيف. على درجة سلم صغيرة, كان يتخطى حاجزاً. كان المسجد والقوس وماء الإسلام والرموز العتيقة أكثر قرباً. ربما شعر بإحساس المؤمن أمام معبود المثقف.
ليغفر لي القارئ هذه التخمينات المفترضة.
ذو صلة
التعليقات