مجلة شهرية - العدد (519)  | ديسمبر 2019 م- ربيع الثاني 1441 هـ

ناجي العلي.. الرسام الذي لايتكرر

ناجي العلي جعلنا نقول لا معنى للنظر إلى الوراء إلا لمعرفة أين نحن الآن؟ ونحن نحاول، إذ نحاول قراءة الماضي الذي لم يمضِ بعد، نحاول أن نتجاوز سؤال الحياة إلى سؤال الوجود الحر الذي تحقق فيه الذات حرية محاكمة الذات نفسها.
ناجي العلي وتجاوز الهويات الضيقة
مرّ اثنان وثلاثون عاماً على اغتيال رسام الكاريكاتير العربي الفلسطيني ناجي العلي، ويبقى السؤال حاضراً بقوة، هل جاء أحد من بعد غيابه ليثري هذه التجربة الإبداعية؟
هنا لا نبحث عن إجابة تقليدية أو منتقاة، بل السعي لإجابة تكشف تجربة هذا المبدع العالمي التي أصبحت تتجاوز الجغرافيا والهويات الضيقة لتنطلق نحو رحاب الإنسانية.
ناجي العلي الذي عاش حياته وهو يحمل ريشته ينقل أحداثاً كبرى حصلت في عالمنا العربي، وقضيته الفلسطينية كانت صندوق بريد يتم من خلاله إيصال صوره إلى العالم، وكانت شخصيته (حنظلة) الساعي الذي يحمل رسائله.
وهذا ما لم يعرفه المتلقي العربي أن شخصية تتكرر يومياً في رسوماته ومع ذلك يمتلك القدرة على الإدهاش على صعيد الفكرة، والمفاجأة لدى المتلقي بصوره التي تعطي أكثر من معني، وصدق الصينيون عندما قالوا إن (الصورة بألف كلمة)، وناجي العلي حقق هذا الرقم القياسي، ولم يستطع أي من مجايليه تحقيق ما فعله العلي.
ناجي العلي الذي علمه السجن فن رسم الكاريكاتير فكانت رسوماته الأولى في سجن (بلح) بلبنان العام 1960، عندما تم اعتقاله على إثر مواقفه السياسية، وانتمائه لحركة القوميين العرب، ما أثار حفيظة السلطات اللبنانية آنذاك، وقررت اعتقاله.
كان هذا الاعتقال بداية انطلاقته إلى العالم، فرسم أول صورة لحنظلة على ظهر علبة السجائر، أي أن حنظلة الطفل ولد في السجن، وهذا لم نعرفه في عالمنا العربي أن يولد رسام في غرفة مغلقة لا تتعدى مساحتها أمتاراً.
تعلم العلي من هذه التجربة الحب، حب الناس، ولم يتعلم فنون الكراهية والحقد، بل تجاوز ذاته وألمه، وبدأت رسوماته تعبر عن مكنونات إنسانيته، وهذه مفارقة، أن يخرج مبدع من معتقل ويبث حبه وفنه للناس، على اعتبار أن الفن رسالة إنسانية وليس وسيلة للحسابات الشخصية، أو أداة لبث الكراهية.
أيقونة فنية
يقول رسام الكاريكاتير ناصر الجعفري: (جيلي من رسامي الكاريكاتير العرب تأثروا بمدرسة الشهيد ناجي العلي، وبعد هذا الغياب الطويل، لم يأت أحد ليحل محله، صحيح أنه لا أحد يحل محل أحد، بالمعني الفني، لأن لكل فنان تجربته وخصوصيته، لكن ما ذهبت إليه أنه لم يأت أحد بنفس مواصفات وقدرات ناجي العلي، الذي جعل المتلقي العربي ينتظر رسوماته كل صباح، وهذا ما لم نعرفه في عالم فن الكاريكاتير، وطبعاً هناك أسباب أخرى، ربما الظروف السياسية والاجتماعية والثقافية التي عاشها ناجي العلي، حالة لم تكرر، لذا اكسبت حالته الفرادة، وهناك سبب آخر، أن الأجيال التي تلت ناجي العلي انحازت لتقنيات هذا الفن أكثر من انحيازها للفكرة، واستفادت من ثورة الاتصالات وانفتحت على التجارب الفنية العالمية، لكن ببساطة يظل ناجي العلي من خلال صراحته وجرأته غير المسبوقة أيقونة فنية).
امتلك ناجي العلي قدرة على اصطياد اللحظة الصادمة، ومن خلال رسوماته وخطوطه السريعة، كانت لقطته السينمائية تصل بسرعة لذهن المتلقي، دون عوائق، كما أبدع من خلال توظيف التحويرات والتظليلات البسيطة بصمة خاصة به، ورغم بساطتها استطاعت أن تخترق كل الحدود.
على عكس ما نشاهد اليوم، انحياز الكثير من رسامي الكاريكاتير إلى المواربة وعدم الوضوح في حالات كثيرة، لذا لم نعد نرى لوحة كاريكاتير تخلق حالة من الغضب أو الرضا، وتخلق نقاشاً بين مختلف شرائح المجتمع العربي كما كان يفعل ناجي العلي.
النموذج الأعلى
وهذا سر اعتبار ناجي العلي النموذج الأعلى لأي فنان من المبدعين، الذي حصل على تكريم من صحفية (الساهي) اليابانية عندما اختارته واحداً من أشهر عشرة رسامي كاريكاتير في العالم، كما وصفه الاتحاد الدولي لناشري الصحف في باريس (الذي يضم ناشري صحف من 28 دولة) بأنه واحد من أعظم رسامي الكاريكاتير، ولهذا تم منحه جائزة (القلم الذهبي)، ويمنحها الاتحاد سنوياً دعماً لحرية الصحافة، وهذه الجائزة هي أول جائزة يحصل عليها رسام كاريكاتير عربي.
ناجي العلي فلكلور جميل ومزيج من الخرافة واليقين، ورحلته مع حنظلة الذي يسمع الحكايات التي تُنسج حوله ولا يصدقها، ورغم ذلك يحولها إلى رسومات لعله يُصدق ما سمع وعرف وفكر فيه جرّاء ما سمع.
فهو العفوي الفطري، الأمر الذي نفتقده اليوم، فالحسابات والتقنيات جعلت من رسامي الكاريكاتير يفتقدون ميزة ناجي العلي.
خرج ناجي العلي إلى الحارات حاملاً طباشيره، ليرسم على الحيطان دموع أمه، وحزن أبيه، وجوع أخوته، وسراب أحلامه، كانت الطباشير بيضاء لكن خطوط الرسم كانت سوداء في العمق.
السؤال الآن.. أين الرّسام العربي في أيامنا هذه الذي استطاع تحويل بياض الطباشير إلى سواد؟ أي ذلك الرسام الذي يتابعه آلاف القرّاء العرب كل صباح.. كأنه رغيف خبزهم اليومي؟!
لعلّ الذي جرى إغفاله، أو السؤال المسكوت عنه مَنْ مِنْ الرسامين العرب كتبوا مدونتهم الشخصية كما فعل ناجي العلي وعلى طريقته المتفردة:
(أنا اسمي حنظلة، اسم أبي مش ضروري، أمي اسمها نكبة.. ولدت 1967، جنسيتي مش فلسطيني، مش أردني، مش كويتي، مش مصري، مش حدا، باختصار معيش هوية.. ولا ناوي.. محسوبك عربي وبس. التقيت صدفة الرسام (ناجي) وقلت له: حنظلة بن عامر الأنصاري).
فلسفة مركبة
ولعل ناجي العلي من أبرز رسامي الكاريكاتير الذي أثار، فلسفياً، إشكالية العلاقة المركبة بين الذاكرة والطبيعة، هذه الذاكرة المتلاعب بها، فكانت رسوماته تأتي في سياق ربط العلاقة بين الذاكرة العربية والطبيعة، من خلال شجرة الزيتون، التي هي رمز ثقافي عربي، تجده في كل قرية ومدينة في عالمنا العربي.
لقد بشّرت أعمال ناجي العلي بالانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي ولدت بعد اغتياله بخمسة أشهر تقريباً، ففي الكثير من رسوماته يحتل الأطفال دور الجنود، فيما الحجر هو السلاح المقدس الرخيص الثمن، المتوافر في كل لحظة، والقادر على دكّ حصون المحتل، هذه النقلة النوعية في تجربة ناجي العلي من الرصد إلى التبشير، بدأت في العام 1975، أي قبل اندلاع الانتفاضة بعقد من الزمن. وهذا ما نفتقده اليوم، إذ لم نسمع أو نقرأ أو نشاهد فناناً يستطيع التنبوء، رغم الأهوال التي تتعرص لها أمتنا العربية.
كان ناجي العلي يطمح أن يأتي اليوم الذي يرسم فيه دون التعليق على رسوماته بالكلام، لكن الموت باغت حُلمه.
وأختم بتكرار قول كونفوشيوس:
«إذا عرف المرء طريقه في الصباح.. فلن يبالي بما يواجهه في المساء».

ذو صلة
التعليقات