مجلة شهرية - العدد (515)  | أغسطس 2019 م- ذو الحجة 1440 هـ

سلة ورد

من الممر، خارج حجرته، تناهت إليه قهقهات مجلجلة. مال بعنقه من على سريره متطلعاً إلى الباب. أنصت فتعرف إلى صوت الحاج عبداللطيف وهو يستفسر: (الأستاذ صلاح العمري. أي حجرة في قسم الجراحة؟)، ما لبث الحاج أن دخل في عباءة عربية بخطوط مذهبة. تحت إبطه حافظة أوراق ومن يده الأخرى تدلت سلة خوص بورد. اتجه إلى صلاح يترجرج مثل فيل في عباءة وبسط ذراعه نحوه زاعقاً: (ألف حمداً لله على سلامتك يا جاري الغالي). مال بكتفيه وكرشه الضخمة يلثم وجه صلاح. اعتدل وجال ببصره في الحجرة الضيقة التي اتسعت بالكاد لمقعدين وثلاجة تحت الشباك. تحير أين يضع سلة الورد. قال له صلاح: (على سطح الثلاجة. على سطحها يا حاج). أزاح بحافة كفه طبقين فيهما فتات طعام وحط السلة، ثم نظر إليها وحشر أنامله بين سيقان الورد، نفشها لأعلى يستحثها على الشموخ حتى وهي نصف ذابلة. استدار إلى صلاح: (هدية بسيطة). برك على مقعد قرب السرير وراح يوضح الأساس النظري للزيارة بدءاً من أن الناس للناس وانتهاء بأن كل ما يبقى من الإنسان سيرة عطرة. ذكرته كلمة (عطرة) بزجاجة عطر في جيبه، أخرجها ورش منها على رأس صلاح وقفاه ورقبته ودلك أصابع كفيه برذاذها إصبعاً إصبعاً ثم سلم بحرارة: (إجمد يا أسد). استدار منصرفاً. ودعه صلاح: (تعبتك يا حاج). جاءته القهقهة من خارج الحجرة (هق. هق. هق. هدية بسيطة).
دخلت ممرضة شابة بين يديها صينية الغداء. وجدت سطح الثلاجة مشغولا بالسلة. توقفت تفتش بنظراتها عن مكان للصينية، أخيراً وضعتها على جلد المقعد قرب السرير وخرجت. تحامل صلاح على نفسه ليذهب إلى الحمام. سار بضع خطوات لكن ركبته ارتطمت بطرف خوص السلة البارز فانقلبت على الأرض. ضغط على الجرس. جاءت الممرضة ولاحظت وهي ترفع السلة شرخاً دقيقاً في الخوص فلصقته بقطعة بلاستر بيضاء. استلقى صلاح فوق الغطاء يحدث نفسه (سلال الورد لا تنفع المريض بشيء، فقط تضفى وجاهة على الزائر، كأنما يجيء بها لإظهار مكانته. في كل الأحوال لا مكان للسلة في حجرة ضيقة كهذه. زحمة وبس). راح يهز رأسه على الوسادة في تهويم خفيف إلى أن سمع طرقة خفيفة. انفتح الباب وأطل خيري غنام زميله في العمل. سأله عن العملية بعينين سارحتين أبعد ما تكونان عن الاهتمام بما سأل عنه، وقبل أن يجيبه صلاح كان خيري قد أطرق بفم مفتوح يحدق بالفراغ وأخذته إغفاءة نوم أفاق منها فنهض معتذراً: (أستأذنك في الانصراف. سعد ابن أختي نجح في الجامعة ولازم أهنئه. مشواره بعيد). قال صلاح: (ألف مبروك). تذكر السلة فأضاف: (ما رأيك لو تأخذ سلة الورد هذه هدية بسيطة لسعيد؟). صحح خيري الاسم (سعد. اسمه سعد) وأردف: (لكن كيف آخذها؟ لا يصح). استمات صلاح: (والله تأخذها. ستذبل هنا. الخوص ملصوق بقطعة بلاستر لكن غير ظاهرة).
خرج خيري من المستشفى. استقل تاكسي قاصداً بيت أخته الكبيرة هناء في حلمية الزيتون. استقبلته بالأحضان وعندما لمحت السلة المدلاة من يده قالت تعاتبه بامتنان: (لماذا أرهقت نفسك؟ تسلم لي يا حبيبي). تمتم: (هدية بسيطة). التفتت إلى الداخل تصيح: (يا سعد. تعال سلم على خالك. جاءك بهدية). أقبل سعد وهو في أحسن ما لديه من ملابس، بربطة عنق أرجوانية، وعلى عينيه نظارة شمس رغم أن الدنيا أعتمت. سلم وشكر خاله بحرارة على الهدية التي استنفرت كرم الضيافة فيه فقال لخيري: (عندنا ملوخية حلوة قوي يا خالي). لكن خيري كان يتوق إلى النوم بأي ثمن فاستأذن متثائباً وانصرف. قال سعد لأمه: (عرس شهاب صاحبي الليلة. لازم أخرج). بادرته على الفور: (حلو قوي. خذ سلة الورد هدية للعريس. خذها). تحير سعد يقلب الفكرة. لوحت بيدها: (خذها. خذها. ستذبل هنا). رش سعد الورد بالماء، وأضاف قطعة بلاستر جديدة إلى الخوص، وبعد نحو ساعة كان يدخل قاعة العرس الصاخبة المنيرة، يد تحمل السلة والأخرى تعدل وضع النظارة الشمسية. استقبله العريس شهاب بالأحضان. تناول السلة منه وحطها على الأرض مع سلال أخرى. أجلسه بجواره قائلاً: (أبو السعود ملك الأناقة. نورت الفرح. لكن لماذا التكاليف والتعب؟). تواضع سعد متمتماً (هدية بسيطة).
صباح اليوم التالي كان صلاح قد أنهى إفطاره في حجرته بالمستشفى حين دخل عليه المهندس حسين ذكري ومعه سلة ورد. رفعها عالياً: (الورد للناس الورد). سأل: (أين أضعها؟). أجابه صلاح (على سطح الثلاجة).أزاح حسين كوباً وأطباقاً فارغة وحشر السلة. رفع صلاح رأسه قليلاً ولمح من بعيد قطعة البلاستر البيضاء وقد صارت أكثر سماكة فأيقن أنها السلة ذاتها. وتعجب لأنه يعلم أنه ما من صلة بين خيري غنام الذي أخذ السلة بالأمس وبين حسين ذكري الذي جاء بها صباح اليوم. جلس حسين قليلاً ثم انصرف، وظهرت بعده الممرضة، قاست ضغط صلاح وقبل أن تخرج قال لها: (من فضلك ممكن ترمي الورد ده في أي مكان). ابتسمت وتمتمت بخجل: (طيب ممكن آخذه؟ أنا عندي فرح ابن عمتي اليوم).

ذو صلة
التعليقات