مجلة شهرية - العدد (515)  | أغسطس 2019 م- ذو الحجة 1440 هـ

حكاية سلمى

يُحكى أنَّ امرأة مُتلفّعة بخمار أسود، جاءت تتجرجر في مشيتها، رشيقة القامة، جلست على الأرض قُرب المقهى، تنظر في المارّين وتُتمتم بما لا يُفهم، في هيئتها قسوة الماضي والحاضر، متلملمة على بعضها، أرخت رأسها تجاه الأرض، تُقلّب في الحصى بسعف نخلة يابس، وتتكلّم بصوت لا يُسمع، بجانبها طفلٌ يحكّ بين يديه حجرين صغيرين، وضعت أمامها بعض العلب المحتمل أنها ترغب بيعها، ولوحة رُسمت بالزيت: رجلٌ منحنٍ على أرنب رماديّ.
 قِيلَ إنّها كانت تنتظر عودة أخيها من لهيب الحرب، لتشمّ في خديه ما بقي من رائحة أهلها، حتى بدت لها التخيّلات، وزحفت إلى منامها الأحلام المفزعة، رأت (.. أنها ضمن ركّاب قافلة صغيرة تذهب في شوارع الأحياء القديمة ليلاً، توقفت عند مدخل الحيّ، ونزلت حاملة لفافةً من القماش الأبيض، ومشت تجاه البيت، رفعت رداءها عن الماء النجس الجاري من فتحات مجرى جدار طينيّ لبيت قديم، كان الظلام يسدّ كلّ شيء حيث بيتها يقع في آخر الحيّ، أناس يقطعون الحيّ مشياً ف ي صمت مريع، وجوههم غاضبة الملامح، وصلت البيت فإذا بنساء يلبسن الأبيض ويحملن بأيديهن ورداً أبيضَ، نادت:
- هل من أمر؟..
 لحظتها خَرَجَت أمّها وخلفها أخواتها في ملامح نافرة، رأتهنّ يذهبن بعيداً وخلفهنّ رجالٌ بأيديهم فؤوس تلمع في العتمة، وفجأة أتى صوت انفجار فتساقطت عند قدميها قطع لحم أمها وأخواتها وعظامهم المحروقة..)
 فَزِعَت من نومها تشهق وتقرأ بصوت مرتعد تحصيناً وأدعية.
وفي الصباح أخذت وجبة عزاء للمعوزين، وَقَطَعَت طريقاً شقّها المَرَض مُصطحبةً قارئاً أنقدته ثلاثة دنانير ذهبيّة، ليقرأ على روح أمها وأخواتها، جَلَسَت القرفصاء بين أضرحتهن بعد أن أشعلت عند رأس كل ضريح شموعاً طويلة، وقالت بلهجة باردة:
- أحرامٌ أن أتبلّغ بكسرة خبز من بعدكم؟!
مَدّت ساقيها المتسلّختين من وطأة العمر، ثم شبكت أصابعها، فجاءها المنادي من خلفها، كنّ جاراتها الواقفات ليخبرنها بمقتل أخيها الوحيد، بعد أن قصف الخصم أطراف المدينة، وأن جثمانه أودع في تابوت الشهيد وأُعدّ للصلاة عليه في المعبد الكبير:
- سلمى..
سَرَى بصرها نحوهنّ، ورأتهن مُطأطئات رؤوسهن، يقفن بخضوع، وينظرن إليها بشفقة، فسألتهن:
- أيُّ خبرٍ تحملن؟..
فقلن بصوتٍ واحد:
- أخوك!!..
ساوت رداءها الأسود، وقالت وعيناها نصف مغمضتين:
- ما به؟!..
قُلنَ:
- هَلَكَ.. بعد غارة حربية..
فَسَقَطَت غريقةً في دمعها، وهي تردّد:
- ليتهم حملوك على نعشٍ ذهبيّ..
كأنّ أخاها مات مرّتين، لتذوق الفقد مرّتين، مضت تركض في الطرقات الرملية كالهاربة، وعيناها تسبحان في دمعها، شاعرةً بأنها انقلبت منكسفةً من كل شيء، تركض غاطسةً في بحيرة الظلام، تركض فوق جثث القتلى، يُسمع بكاؤها قادماً من ضيق الأزقة، والمنازل المهجورة من آثار الحرب.
وعند الفجر صحا النائمون على بكائها وهي تضرب نفسها بجذعٍ أسمرٍ طويل، وتتخَلَّص من ثيابها فَاضحةً آثار السياط الموسومة على ظهرها.
وبحيلةٍ ما، توارت على قعقعات خطوات الخارجين من باب المعبد القصيّ، تلفّعت بالهدوء، توّاقة إلى تابوت أخيها المتروك في الزاوية المظلمة من المعبد، أولجت مفتاح القفل النحاسيّ بارتباك، مَشَت رويداً إلى ركنٍ قصيّ من المعبد فانفتح التابوت عن موتٍ مرّ، فرأت وجهه الموشوم بالهزيمة، ضَغَطَت بركبتيها على خدّ القاع الأسمنتيّة مواريةً أنينها كي لا يشعرنّ بها مخلوق.
 دَسّت جسدها راقدة بجانبه تحاور رائحة الموت المنبثقة من جثمانه، مَرَقَ في ذاكرتها مشهده حين كانت تُحرّك جسده المريض بعد ليلةٍ باردة، دكّت الحيرة ملامحها، ومزّقها تأمّلها له، فامتدّت إلى أذنها ارتجافات صوت عابدٍ يدخل ببطء ويقترب من التابوت مُسبّحاً، فأطبقت أجفانها مُتظاهرة بالموت، فأشعل الظُلمة بضوء قنديل تُقرّبه كفّه الكبيرة من الجثمان، فأفجعه المنظر، وفرّ هارباً وهو يصرخ بالتعاويذ، تبعته خارجة إلى بيتها وهي تبكي أخاها المسجّى، لتنام الحمّى في دمها، وتموت عند الفجر.

ذو صلة
التعليقات