مجلة شهرية - العدد (515)  | أغسطس 2019 م- ذو الحجة 1440 هـ

التهيؤ للحج في الرحلات المعاصرة

يظلّ الهاجس الديني والإيماني مهيمناً على قاصد البيت الحرام للحج أو العمرة، ولأهمية هذا المكان المقدس فقد كانت العرب قديماً في الجاهلية تحج البيت العتيق، وإن كانت طريقتها تختلف عن التشريع الإسلامي للحج، ولكننا نستدل من ذلك على القيم التاريخية الدينية التي يختزنها ذلك المكان المقدس. أما مدونتنا هذه، فلا تخلو من تعبيرات هؤلاء المؤلفين/الرحالين عن مستويات شعورهم لحج البيت الحرام من عبارات: إما تتصل بالمستوى الديني مباشرة، أو بعبارات تتعلق بالجانب الوجداني بإتمام الركن الخامس من أركان الإسلام، وما يستتبع ذلك من مشاعر وأحاسيس خالجت نفس الرحالة/المؤلف، فنتج عن ذلك شعور شفيف يقتضي تدويناً يبثّه إلى قارئ يتلقاه ويأنس به.
ولا يُتصور أن تستقيم هذه الرحلة مكتوبةً دون إظهار هذا الشعور الديني في الكتابة، وقد تختلف صيغ الكتابة بين رحالة وآخر، ولكنها في منتهى الأمر تحقق الغاية ذاتها، تلك الغاية السامية التي تتعالى على التفكير الدنيوي بجميع صوره وأشكاله.
ولعلي هنا أكتفي بالإشارة إلى مظهر يندرج تحت ما يسمى بالمستوى الديني، وهو التهيؤ للحج، وسأقتصر في هذه المقالة على ذكر نماذج من بعض رحلات الحج المعاصرة التي عُنيت بإبراز هذا المظهر، وخصصتِ الحديث عنه.
ليس ثمّة حاج إلا وهو يهيئ نفسه لهذه اللحظة التاريخية الإيمانية، ومن الرحالين مَنْ يبثّ هذا الشعور في غضون رحلته، ومنهم مَنْ لم يولِ اهتماماً بذلك، ولهذا الشعور نماذج وطرائق شتى، وسوف أعرض تلك الطرائق في الشواهد الآتية:
فمنها أن يصف المؤلف/الرحالة المحرمينَ بالحج، ويؤوّل اتحاد الحجاج في لباس إحرام أبيض واحد. ومن ذلك ما يقوله محمد صادق باشا (1822 - 1902م): (عند مشاهدة الركب يوم الإحرام محرمين جميعاً على هيئة واحدة، صار الكبير كالصغير، والأمير كالحقير، متجردين عن الثياب وعن زخارف الدنيا، لابسين ثياب الإحرام كالأموات المؤتزرين بأكفانهم؛ فإن الله عز وجل استدعى عباده إلى بيته الحرام، وشرع الغُسْل عند الإحرام؛ إشارة إلى التطهر ظاهراً وباطنا، وشرع خلع الثياب إشعاراً بحالة الموتى لأجل تخليهم عن الدنيا وإقبالهم على باب ربهم (...).
ويكشف الشاهد عن موازنة يقيمها المؤلف بين صنفين من الناس، وكلهم حاجّ، ولكنهم قبل ذلك كانوا متوزعين، ولهم مراتب دنيوية تحكمهم من الظاهر (الكبير، الصغير، الأمير، الحقير)، ويحكم هذه الأصناف على اختلافها رباط واحد هو: أداء مناسك الحج، والاستعداد لها، وبذل الغالي والرخيص، لإتمام ذلك النسك.
ويُنظر إلى هذا الرباط من كونه خيطاً ناظماً لصورة من اتحاد العلاقة بين الصنفين، ولا يمكن لها أن تتّحد وتجتمع إلا من خلال إجراء عملي يخلفه واجب ديني هو: الإحرام، وفي هذه اللحظة بالذات تنصهر فئات المجتمع وتنتمي إلى منظومة من العلاقة الأخوية المحكومة بنور الشريعة، وروح الانتماء.
ويذهب المؤلف بعيداً في تأويل لبس الإحرام من أنه من جهة يطهّر باطن الإنسان كما يطهّر ظاهره، وهو أيضاً يذكّر بالمصير المحتوم الذي سيؤول إليه كل إنسان. وهذا الائتزار يزيل عن أذهانهم التعلق بالدنيا وبمتاعها الزائل. وما صورة الائتلاف بلباس واحد إلا مقصد مسبق لمآل مؤخر قصد إليه المؤلف.
***
ومن النماذج أن تُفقِد صدمة الاستعداد للحج قدرة المؤلف على التفكير في أداء هذه الشعيرة، ومن شواهد ذلك أن محمد العوري (...-...) حين أشرفَ على ميقات رابغ انشرح صدره، ولكن قد تغيّر موقفه بعد الفرح، إذ يقول: (ثم شرعتُ في البكاء حتى كدتُ أغيب عن الوجود، ثم بعد أن صحوت ذهبت للاغتسال، وأديت بذلك الغسل سنة الإحرام، وبعده أحرمتُ بالعمرة).
ويظهر أن البكاء الذي أعقب الفرح بإشراف المؤلف على الميقات، قد اشتدت ضراوته عليه، ما كاد معه يفقد وعيه لشدة البكاء، ولِهَول الموقف الإيماني الذي هزّ أركانه، وتجربته هذه شكّلت له صدمة نفسية، إذ هي تجربة معيشة تؤدي خلال مدة وجيزة لزيادة جدّ كبيرة من الإثارة تتحدد تبعاً لشدتها وللعجز الذي يجد المرء نفسه فيه. وهي صدمة إيجابية، ومع ذلك كادت تودي بصحته، وتأرجحت نفسه ما بين قوة وضعف، ولكنه تمالك نفسه، وتجاوز الصدمة مؤدياً بعدها شيئاً من شعائر الاستعداد للتلبية بالعمرة.
وينطق الشاهد عن حالة الشعور الإيمانية التي لازمت المؤلف في تهيئه لأداء المنسك، ولا ريب أنه كان لروعة المشهد وروحانيته، قد كان مسكوناً بهاجس الخيال وواقع التجربة، ما أسفر عن اضطراب نفسي جعله متموضعاً أسفل الخيال، وفوق الحقيقة الباهرة.
ولنأخذ شاهداً من رحلة أنيس منصور (1924 - 2011م)، إذ ظلّ مشدوهاً أمام عظمة الحج وغاياته، ووسط الذهول لم يستطع أن يطلب من الله سؤله لهول الموقف! إذ يقول مصوّراً الموقف: (الآن فقط عذرتُ كل الذين انفتحت لهم (طاقة القدر)، وأتيحت لهم فرصة العمر أن يطلبوا من الله شيئاً؛ ولكن الصدمة الباهرة أفقدتهم النطق).
ثم يتدرّج بالقارئ إلى أن قال واصفاً حالته الشعورية في استعداده للحج: (إنني أحاول أن أصف شعوري وقد تهيأتُ للحج وأحرمتُ وتعريت وتجردت (...).
وقد أدرجتُ هذا الشاهد ضمن المستوى الديني، لارتباطه العميق بالقيمة الدينية، وآية ذلك أن أنيس منصور عبّر عن نفسه، وعما اختلج أفئدة الحجاج الذين سبقوه. وهم وهو معهم لهول الموقف وجلاله؛ فقدوا آلة النطق، فأصبحوا وكأنهم بُكمٌ عجزت ألسنتهم عن دعاء ربهم، إما بالشكر، وإما بطلب السؤل.
وقد تجلت في النص ثنائيّتان هما: الصمت والنطق، فكان حضور الأخير منهما هو الحاسم في ذلك الموقف. وطريقة التعبير عن المستوى الديني يختلف من كاتب لآخر، ما بين عبارات صريحة، أو أخرى مبدَعة كالمثال الآنف.
***
ويصف عماد الدين خليل (1941م -...) مشاعر تهيئه للحج، بعد أن حالت الموانع من أداء الفريضة، إذ يقول: (لقد انتظرتُ طويلاً.. وما بين عام 1966م، حيث حزمت الحقائب، ونويت الذهاب، وعام 1998م حيث استجبتُ للنداء، أكثر من ثلاثين عاماً جرت عبرها أكثر من محاولة، ولم يُكتب لأيٍ منها التوفيق. العوائق كثيرة، وقطار العمر يجري، وثمة خوف من أن تصل المحطة الأخيرة دون أن أكون قد لبّيت النداء.. ما الذي ستقوله حينذاك لله ورسوله؟).
ويصح أن يصف الشاهد حالة من الوعي الديني المعمّق في فؤاد المؤلف، إذ ظل هاجس أداء الحج لبيت الله الحرام متصل العلاقة بطاقة المؤلف الروحية والإيمانية التي لم تخبُ، ولم يفتر توهجها في نفسه، عبر محاولات كثيرة امتدت لأكثر من ثلاثين عاماً.
ولعلّ التقريع النفسي والإحساس بتقصير النفس تجاه تحقيق المطلب بأداء ركن الحج؛ كان داعياً مهماً وملهِماً لتدارك الأمر، وتذكيرها بتصرم العمر، وباقتراب الأجل نحو الموت، فكان أن لبى النداء تاركاً وراءه ركاماً من تلكؤ الماضي، ومزيد اعتذاراته.
وتنتظم الشاهد ثنائيتان هما: المتابعة والتوقف، فداعي المتابعة يفرضه توافر شروط الحج في نفس المؤلف، علاوة على النبع الإيماني الدفّاق الذي يدعوه دوماً وباستمرار إلى انتهاز الفرصة بتأدية الحج، وعدم التسويف والمماطلة فيه.
وبين داعي التوقف، الذي قد تفرضه سلسلة من الاعتذارات أو المشاغل أو ما أسماه المؤلف بالموانع، يظل المؤلف يحاول ويحاول حتى يحقق هدفه من غير تأخير يفزع به إلى الندم والشعور بالذنب.

ذو صلة
التعليقات