مجلة شهرية - العدد (519)  | ديسمبر 2019 م- ربيع الثاني 1441 هـ

شاعر الأزاهير والقيثارة الحالمة.. ماجد الحسيني

كاد النسيان يلف هذا الشاعر ويضعه مع عدد من الشعراء في قائمة النسيان والجحود، والذين غفت عنهم أعين الدارسين، وهذا لعمري من سمات هذا الزمان، فكم من شاعر أو أديب خمل ذكره وخمد صوته بسبب بعده عن الأضواء، فتجاهله الدارسون والشرَّاح بحجة واهية وقلوب ساهية. وليس هذا الكلام ببعيد عن الشاعر المدني الأستاذ ماجد أسعد الحسيني الذي غنى لواحة الشعر العربي أندى القصائد، وأنشد لديوان العرب أعذب القوافي، وحق له ذلك وهو ابن من أبناء طيبة الطيبة، يتفيأ ظلال بساتينها بين عروة والعقيق، ويستنشق عبير أزاهيرها ويشبع ناظريه بحقولها ومياه أوديتها، لِمَ لا! وبها ولد، وبين أفيائها ترعرع، وعلى حلقاتها العلمية تردد، ما جعل الشعر الأصيل يصبح خدينه، بعد أن تشرب روائعه، فنما عوده في فؤاده وزكا غصنه في نفسه، لاسيما وأن لطبيعة المدينة المنورة الخصبة، المتمثلة في مزارعها اليانعة وأغصانها الندية وأزهارها الفواحة؛ عميقَ الأثر في تشكيل شاعريته وتفتق قريحته، فأصدر شاعرنا الحسيني ثلاث مجموعات شعرية على مدى عمره (1342 - 1418هـ)، انسابت من بين جوانحه كالتالي: (ألوان) عام 1371هـ، و(ضياع) عام 1386هـ، و(حيرة) عام 1401هـ.
أما (ألوان) فلم أقف عليه، ذلك أنه خرج للقارئ قبل عقود طويلة ولم يعيد طباعته، وقد ذكره الباحث الدكتور زياد الحارثي الذي أفرد للشاعر الحسيني كتاباً كاملاً كان فيما سبق أطروحته لنيل درجة الدكتوراه من جامعة الملك عبدالعزيز، أوفاه حقه من البحث والدرس؛ لذلك فإن حديثي سينصب حول شاعريته من خلال ديوانيه الأخيرين (ضياع) و(حيرة)، وما لمسته فيهما من قدرة عالية في اقتناص الصور وبراعة باذخة في تخير المفردة الشعرية الطرية وجودة في اقتناص القوافي والتراكيب التي يقوم عليها بناء القصائد، ناهيك عن خياله الخصب الذي يحلق بالقصيدة إلى سماوات الإبداع.
أبصر ماجد الحسيني النور في المدينة المنورة عام (1342هـ)، وكان قد مضى على إنشاء مدرسة العلوم الشرعية عامان، فنشأ هذا الطفل مثل بقية من ينشؤون في المدينة المنورة من لداته في ذلك العصر، فلا بد له من كتّاب يحتضنه ويلقنه ما تيسر من كتاب الله وشيئاً من القراءة والكتابة والحساب.
وقد نشأ في حضن أسرة لها اهتمام شديد بالقرآن والعلوم الدينية، فوالده أسعد محيي الدين الحسيني -رحمه الله- كان أحد القراء المشهود لهم بطيبة الطيبة، وذلك يعني أن الابن ماجداً لا بد له أن يكون قريباً من جمهور القراء والعلماء في تلك المرحلة، ما جعله يحفظ القرآن عن ظهر قلب في مرحلة طفولته، فألحقه والده بمدرسة العلوم الشرعية التي كان الأب (أسعد الحسيني) أحد أساتذتها، وكانت هذه المدرسة التي تأسست عام (1340هـ) منهلاً لكل وارد، ومبتغى كل قاصد من أهل العلم والمعارف والثقافة، حيث كانت تضم كوكبة من المعلمين الذين كان لهم كبير الأثر في صناعة الأدب والشعر والصحافة والنهوض بها في المدينة المنورة كعبدالقدوس الأنصاري وعبيد مدني.. وغيرهما.
فنهل الطالب ماجد الحسيني من علوم العربية من النحو والبلاغة وأصول الفقه وأصول الحديث، وعكف على قراءة مصادرها وحفظ عيون الشعر الأصيل من منابعه القديمة، فألقت بأثرها على وجدانه، وما أن ساغ له طعم الأدب والشعر -وكان ذلك هو المظنون- حتى أخذ ذلك الشاب يغشى محافل الأدب والثقافة، ويتردد عليها كجماعة (الحفل الأدبي) و(نادي المحاضرات) ومكتبة عارف حكمت، وكان معه قَبِيلٌ من أترابه ورصفائه الذين رسموا ملامح الأدب الحديث بطيبة الطيبة، منهم الأدباء: عبدالعزيز الربيع ومحمد هاشم رشيد ومحمد عامر الرميح وعبدالسلام هاشم حافظ وحسن صيرفي.. وغيرهم.
تسلح الشاب ماجد الحسيني بالعلم والمعرفة فخرج نحو عالم العمل والوظيفة، فامتهن أكثر من وظيفة، وتنقل في عدد من القطاعات الحكومية. فحين تخرجه التحق بحقل التدريس، ثم عمل بجمعية الإسعاف، ومنه إلى السلك الأمني موظفاً في الأمن العام، ثم نحو إدارة الجنسية، فمديراً لجوازات جدة، ثم انتقاله إلى وزارة الإعلام مديراً لمكتب وزيرها آنذاك معالي الشيخ إبراهيم العنقري -رحمه الله-. والوظيفة لم تحل بينه وبين عالم الشعر وعالم الأدب والثقافة، فقد استمر في دأبه مع عشقه الدائم للقراءة، ينتح من معين التراث والمعاصرة ما يسد نهمه، وأحسب أنه قد توقف كثيراً عند الشعراء الرومانطيقيين لاسيما جماعة أبوللو، فكانت أظهر صفات شعره، وقصائده تخبئ بين أعطافها روح ناجي ولغة محمود طه وصور أبوشادي وخيال الشابي، فقد ترسم مطلع حياته الشعرية خطاهم، بل إن بعضاً من شعره يشف عن محاكاته لهم، وإن كان شعره يسير الفهم قريب المأتى، ولكن بعد ذلك استقام له بصر بالشعر والجمال، وتأكيداً لذلك فقد التقت عاطفة شاعرنا الحسيني بعاطفة شاعر الجندول علي محمود طه وتقاربت الألفاظ في رقتها والصور المؤثرة في جمالها، وهذه قصيدة (شاعر) لماجد الحسيني يقدم فيها لوحة عن الطبيعة الفاتنة وصورة رقيقة لنسماتها وأزهارها ورياضها:
هام بالرّوض والزّهرْ والنّسيمات والسّحَرْ
    شاطرَ الطير لهوها في الأماسي والبُكَرْ
واصطفى الجدول الخفوقَ على شاطئٍ نضرْ
    مفرداً لا تروعه جفوة النّاس بالكدرْ
راضياً من حياته بالخيالات والذِّكَرْ
    ملّ من عشرةِ الأنام ومن قسوةِ القَدَرْ
وارتضى الزّهر صاحباً وتآخى مع القَمَرْ
    أنسم تلك في النّهار بنفّاحها العطرْ
وإذا أقبل الظّلام على الكون فانسترْ
    راح للبدر، والنّجومُ تناديه للسمَرْ
وعلى هذا النسج يمضي في هذه القصيدة، وعلى هذا الموال يغترف من الطبيعة أوضح الصور. وفي زعمي أن هذه القصيدة كانت تجاوباً مع قصيدة (الشاعر) لعلي محمود طه التي أنشأها في صديقه الشاعر إبراهيم ناجي، والتي يقول فيها:
عبقري من النغم رَجْعُه الحبُ والألمْ
    نبعه قلب شاعر شارف النور في القمم
في رفيف من الندى وحفيف من النسم
    يسأل الليل والكواكب والسحب والديم
ناح قيثاره الشجي بما رق وانسجم
    فجرى في نشيده أروع الشعر والنغم
ولئن كان شعر الحسيني في بعض منه نحا نحو الحيرة والقلق، وسكن في بعض قصائده الاغتراب والمعاناة، واعتلى نصوصه شيء من الهواجس والعوارض النفسية؛ إلا أنه يعود إلى منابع دينه وإيمانه، يلوذ برصيده من عقيدة ثابته وإيمان عميق، ما جعله يرى في الطبيعة وما تحويه من تمايل الغصون وعبير الأزاهير وخرير الجداول وهديل الحمائم؛ مصدراً يلهمه أشعاره، وقبساً ينتح منه قوافيه، ولم تلبث الطبيعة أن صارت مرتكزاً لأشعاره، والمدينة المنورة ذات بساتين وعيون، فانعكس ذلك في وجدان الحسيني، فحلق بهذه الطبيعة بقصائد ذات بهجة تحمل ألوان الطبيعة الغناء وملامح الحقول عند الغيوم، فينشد للربيع طاقة من قوافيه:
هذه الدنيا خيال الشاعر معقل القلب وسحر الناظر
    هذه دنيا الربيع الناضر حلم الحب ولهو السامر
هذه الأرض بساط أخضر وقع الماء فرف الزهر
ح    يثما تلفت منها منظر فاتن يزري بفن الساحر
ويراود شاعرنا حلم الوقوف على الروابي الخضر، والعودة لماضٍ طالما عاش فيه أجمل المساءات وحمل أروع الأماني:
الروابي الخضر عادت برؤاها من جديد
    والربيع الحلو يهفو بأماني الوجود
والهوى والذكريات هتفت بي من بعيد
    يا حبيبي أفلا نرجع للماضي السعيد
ويعود ماجد الحسيني باحثاً عن ميلاد جديد للربيع، مضمخ بنسمات الأزهار، مرصع بالأنجم اللوامع والبدر، يصفق للحن الشجي:
هو ذا الليل ولكن فاض بالسحر وشاعا
هو ذا البدر ولكن كونه فاض شعاعاً
هذه الأنجم لكن نورها زاد التماعاً
هذه النسمة لكن أفقها بالعطر ضاع
وهنا الزهر على الأفنان قد فتح باعا
وهنا الجدول قد صفق باللحن مشاعا
وتأخذ الزهرة في بعض قصائده صوراً ومواضع أخرى تنثال في كثير من نصوصه، استمع إليه يخاطبها بزفراته الشعرية:
(زهرتي) زهرة أحلامي وأيامي وحبي
(زهرتي) زهرة آمالي ودنياي وقلبي
اذهبي خالدة يا زهرتي لكن بلبي
بالرؤى الحلوة من عمري ومن أفراح صب
***
اذهبي خالدة.. أنت على مر الزمان
صب فيك الله سر الحب (حسناً) و(أماني)
وطوى فيك من الصبوات أشتات المعاني
وسقى عودك عند البعث من نبع الحنان
ولا يمكن أن ننكر أن الأزهار قد سكنت فؤاد الشاعر ماجد الحسيني، وما لبثت أن غدت نبض أبياته ورؤى صوره، ومفردة تقتات عليها قصائده، ها هو يشاهد زهرة في قمة جبل تجلب الأنظار وتذكي قرائح الشعراء بجمالها الفاتن:
لا تنادي يا زهرة لست أقوى أن ألبي النداء من فوق قمة
لست أقوى تسلق الجبل الوعر وأخشى هناك قطع الأزمة
لا أريد الصعود بعد الذي أبصرت كم فيك من شهيد ورمة
عاشق خانه الهوى فتهاوى أو أثيم أتى يريد مذمة
 ثم يمحض زهرته النصيحة على أن تبقى في قمة الجبل، حيث لا يمكن أن تمسها أيدي العابثين بل ستلامسها الفراشات والغيوم بعيداً عن الرجس والمجون:
أنت في قمة من الكون ترعاك عن الرجس والهوى والمجون
يتهاوى الفراش فوقك والنحل ولم تعرفي كيد الخؤون
ويغاديك بالرواء سحاب طار القطر والمناهل جون
ما تريدين بي فتى قارف الرجس وأمضى حياته في الفتون
ويأتي شاعرنا في موضع آخر يرسم حزنه ويبث شكواه عما حدث له، ولكن ما الذي حدث له؟
لقد ذوت إحدى زهراته التي كان يرعاها فذهب عطرها الذي كان يملأ قلبه فمضت وتركته يتذكر أياماً كانت تمنحه لحن الهوى وتروي أجفانه:
ويك يا زهرتي ذويت وهذا
    موسم الزهر والهوى والربيع
ذهب العطر في التراب وهذا
    عودك اللدنُ في جهاد الصريع
***
آه يا زهرتي ويا أمل العم
    ر أتمضين هكذا أنت عني
آه يا زهرتي ويا أمل العم
    ر تريدين هكذا أنت مني
***
زهرتي لم أكن أظنك تذوي
    كم ترويت من جفوني وقلبي
ما لعيني، أهكذا بتِّ تهوي
    بعد طول العنا وجهد التأبي
آه يا حسرة على القلب- قلبي
    آه يا حسرة على الحب- حبي
إن تجربة شعرية موغلة في الطبيعة حري بها أن تستوقف نفراً ممن يملكون ذوقاً نقدياً عالياً، فكم من ناقد ترجم إعجابه بشاعرية ماجد الحسيني فكتب عنه حلو الحديث وعاطر الثناء، وأوضح مكامن الجمال بين قصائده. فهذا الباحث الأدبي الدكتور المرابط محمد الشنقيطي يرى أن: شعر الحسيني يدل على أصالة فنية عالية وموهبة شعرية كامنة وإحساس مرهف وذوق رفيع لونته الطبيعة بألوانها الزاهية المختلفة، مما يدل على إحساس الشاعر بالجمال وتمكنه من معاقد الفن، جاء ذلك في دراسة المرابط عن تجربة ماجد الحسيني الشعرية والتي خرجت في كتاب مستقل. بينما يرى الباحث الآخر وهو الدكتور زياد الحارثي: أن شعر الحسيني نتاج قريحة صافية ونفس متوثبة ورؤية شاعر مطبوع خاض غمار كثير من الأغراض الشعرية، وهو من رواد الاتجاه الرومانسي في السعودية. وهذا الناقد عبدالعزيز الربيع الذي كان قريباً من الشاعر الحسيني يقول عنه: لو انصرف شاعرنا إلى الشعر لأخرج للناس طائفة من الدواوين ترتفع بأدبنا وتحقق له انتصارات لا يستهان بها. أما رؤية الناقد المصري الدكتور محمد عبدالمنعم خفاجي عن هذه التجربة الحسينية فيرى: ..والشاعر ماجد الحسيني يمثل بحق تأثر شعراء المدينة بالمهجريين وشعرهم، ويمثل خطوات الشعر الحجازي السائرة نحو التجديد بقوة وتصميم إلى جانب ترانيمه الحلوة وهمساته الخافتة وصوره الرفافة.
أما كاتب هذه السطور فقد أنس إلى شعر الحسيني ولمس إعجابه بقدرته في تناوله للأزاهير، جاءت في صور متعددة وأغراض متباينة، كما كان رائده في هذه الدراسة الوفاء للأعلام من شعراء المملكة الذين صمتت عنهم الدراسات النقدية ولم توفها حقها من التقدير والإعجاب.
فما كان من عمله إلا مروراً بالرياض الزاهرة مرور شمس الشتاء باليوم المطير.. وإلا فإن الشاعر ماجد الحسيني تقلب شعره في كل الفنون والأغراض.

ذو صلة
التعليقات