مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

الإبل في الطوابع بين الجانب الوظيفي والدلالة الرمزية

للطوابع البريدية دلالات رمزية تتعدى البعد الوظيفي، فجمعها ليس مجرد هواية، بل تعدى ذلك إلى مرحلة التوثيق، لأن لكل طابع بريدي قصة أو ذكرى، كما أن الكثير من دول العالم أصبحت تعتمد على كتابة تاريخها عبر إصدار طوابع خاصة في المناسبات والأحداث التي تمر بها، وتشكل الطوابع على مر العصور سفارات متنقلة للجهات الصادرة عنها، وظلت تحمل على الدوام رسائل ذات معانٍ قوية في جميع الاتجاهات، ومؤشرات على مستوى رقي الشعوب في جميع الميادين، مثلما عنونت لمراحل وأحداث وشخصيات تاريخية لعبت ولا تزال أدواراً حاسمة في تحديد الوجهة الحضارية للإنسان. يوصف طابع البريد بأنه سفيرٌ حرٌ بين الدول، يتنقل هنا وهناك حاملاً على مظروفه أخبار الحياة بكل تقلباتها اليومية من أفراح وأحزانٍ ونجاحاتٍ وانتكاساتٍ، وعلى صغر حجمه ولونه وشكله وتصميمه المختلف، فالمجتمعات ارتبطت به ارتباطاً حميمياً قبل شيوع رسائل الإيميل والهواتف النقالة وثورة الاتصالات الجبارة، إذ كان الطابع يمثل رسماً بسيطاً لنقل أخبار المجتمعات هنا وهناك.
فالطابع لحظة ورقية صغيرة متجولة بين المطارات وأرصفة الموانئ، هذه اللحظة المصمّغة كانت تمثل جواز مرور، فهو لحظة إرسال تقابلها لحظة استقبال، تفصلهما مسافات بعيدة عادة قد تتطلب أياماً عديدة وربما تتطلب المرور بين مطارات مختلفة لدول متعددة حتى تصل إلى الوجهة المطلوبة.
مدلول طابع البريد
طابع البريد هو علامة مميزة توضع على أغلفة ومظاريف الرسائل أو الرزم المعدة للإرسال بالبريد تبين بأن أجرة البريد مدفوعة مسبقاً، والطابع يمكن أن يلصق على وثيقة ما تبين بأن الرسوم قد دفعت وأن الوثيقة أصولية ومعتمدة، وتصدر الدول الطوابع البريدية بمناسبات مختلفة تخليداً لتلك المناسبة وتباع تلك الطوابع لاستخدامها في البريد إضافة لجامعي الطوابع والهواة الذين يبحثون عن الطوابع النفيسة والقديمة والنادرة، كما تسد بعض الدول جزءاً من موازنتها المالية من قيم الطوابع المباعة (1).
و للإشارة فكلمة (بريد) عربية الأصل مشتقة من (البردة) أي العباءة، فقد كان الرسل الذين يحملون الرسائل من بلد إلى آخر يلبس كل منهم بردة حمراء اللون للدلالة عليه، و(البريد) هو الرسول الذي يحمل الرسائل، ويقول البعض أن كلمة (بريد) ترجع إلى أصل فارسي وهي مشتقة من كلمة (بوريده دم) ومعناها (مقطوع الذنب)، إذ كانت الدواب التي تحمل الرسائل يقطع ذنبها لتعرف عن بقية الدواب.
و قد جاء في (دائرة المعارف الإسلامية) أن كلمة (بريد) استعيرت من كلمة لاتينية معناها (دابة البريد)، وأصبحت بعد ذلك تدل على النظام نفسه، أما كلمة (بوستة) التي نستعملها في لغتنا العامية فيقول القاموس الفرنسي (لاروس) إن أصلها باللاتينية (Post)، ومعناها (مكان) وتدل على المحطات التي كانت تستبدل فيها الخيول (2).
تاريخ الطوابع البريدية
في ديسمبر عام 1837م نشر مدير البريد البريطاني (السير رولاند هيل) كتيباً بعنوان (إصلاحات البريد.. أهميتها وقابليتها للتطبيق)، وقد اقترح تخفيض الرسوم البريدية إلى الحد الأدنى، إضافة إلى اقتراحه نظاماً جديداً لجباية الرسوم البريدية لقاء الخدمات المقدمة وذلك بأن يقوم المرسل بشراء (صورة صغيرة) ويلصقها فوق رسالته، وقد أثارت الفكرة الجديدة نقاشاً حاداً في البرلمان البريطاني فكان من يؤيدها والآخر يرفضها بحجة أنها فكرة لامعنى لها ووسيلة لتشويه وتلطيخ الخطابات، إلا أن البرلمان البريطاني وافق في النهاية على هذه الفكرة وتقرر طبع (الصورة الصغيرة) وأطلق عليها اسم (طابع).
تم إصدار أول طابع بريدي في بريطانيا يوم 6 مايو عام 1840م، وهو يحمل صورة (الملكة فيكتوريا) وقد اقترح الصورة (السير رولاند هيل) وقد صدرت طبعتان من هذا الطابع إحداهما باللون الأسود والأخرى باللون الأزرق، ثم كانت الولايات المتحدة الأمريكية ثاني دولة في العالم قد أصدرت طابعاً في نيويورك عام 1842م يحمل صورة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية (جورج واشنطن)، ثم تبعتها مقاطعتا جنيف وزيوريخ في سويسرا، وبعدها البرازيل عام 1843م، وفي 1 يناير 1849م أصدرت فرنسا طابعاً يحمل الشكل الرمزي الدال على الحرية وقد استبدلت بهذا الشكل عام 1852م صورة الأمير (لويس نابليون بونابرت)، وفي عام 1853م استبدلت العبارة المدونة (الجمهورية الفرنسية) بعبارة (الإمبراطورية الفرنسية)، تلتها بعد ذلك عدة بلدان، من بينها بافاريا (ألمانيا) عام 1849م.
أما في العالم العربي فقد كانت مصر السباقة لإصدار أول طابع بريدي في سنة 1866م خلال عهد الحكومة الخديوية، وبدأ بعض هواة جمع هذه الوريقات الملونة الصغيرة بجمعها في صناديق خشبية أو كتب أو حتى قاموا بتعليقها على جدران الحائط، وكان أول ألبوم لجمع الطوابع تم طرحه في الأسواق سنة 1862م.
الشكل والمحتوى
هناك أشكال عدة لطوابع البريد، فبعضها مثلث أو مربع أو مستطيل أو دائري، وقد انتشر الشكل المستطيلي للطابع أكثر من غيره، لأنه سهل لصقه على الرسائل المستطيلة، والشيء المميز والمشترك بين كل طوابع العالم هو حوافها المسننة، وقد كان أول طابع بريدي مثلث الشكل قد صدر عام 1853م في (رأس الرجاء الصالح) وقد بقي يصدر بهذا الشكل حتى عام 1864م ثم استبدل بطابع مستطيل الشكل. أما أصغر الطوابع البريدية حجماً صدر في كولومبيا سنة 1873م وكان بحجم 1× 1,2 سم، أما أكبر الطوابع حجماً فقد صدر عام 1866م في الولايات المتحدة الأمريكية وكان بمقاس 5,8 × 5,8 سم، وعادة يحتوي كل طابع على اسم البلد أو دائرة البريد المنتجة للطابع وعلى قيمته.
و كانت الطوابع تصدر في البداية لتكريم رؤساء وملوك البلاد، إلا أنه حالياً أصبحت مواضيع الطوابع مختلفة ومتنوعة جداً، حيث جرت العادة أيضاً بأن يكون للطابع فكرة معينة، فمعظم البلدان اليوم تدون تاريخ إصدار الطابع، وعادة يكون التاريخ ممثلاً بسنة الإصدار فقط، وتعتبر بريطانيا هي الدولة الوحيدة في العالم التي لا تدون اسمها على طوابعها، بل تكتفي فقط بوضع صورة لرأس الحاكم الحالي للبلاد في أحد زوايا الطابع، لأنها أول دولة قد أصدرت الطوابع كما هو مذكور أعلاه، لذا ترى نفسها غنية عن التعريف. وأيضاً المملكة العربية السعودية لا تكتب اسمها على الطوابع بل تضع الشعار الخاص بها وهو عبارة عن سيفين متقاطعين تتوسطهما نخلة، وفي الوقت الحاضر هناك بعض الطوابع كتبت بحروف بارزة خاصة بالمكفوفين، وتعد اليابان أول دولة أصدرت هذا النوع من الطوابع ثم تلتها فرنسا.
أنواع الطوابع البريدية
استوجب تطور الخدمات البريدية والمجتمعات استعمال الطابع في مجالات كثيرة فتعددت أنواعه وتشعبت استخداماته وانقسم إلى نوعين:
- طوابع البريد العادية: وهي الأكثر استعمالاً ويطلق عليها اصطلاحاً (الإصدارات العادية) وتتألف عادة من فئات مختلفة تتناسب مع التعرفة المطبقة وتطبع بكميات كبيرة وتحمل صور الملوك والرؤساء والمشاهير أو معالم البلاد السياحية والدينية والثقافية والمشاريع الاقتصادية والعمرانية المميزة.
- طوابع البريد التذكارية: تصدر الطوابع التذكارية عادة لمدة محددة، وهي غير معدة لتحل محل الإصدارات العادية إنما تزاحمها في البيع (3).
مكونات الطوابع
للطابع خمسة أجزاء وهي:
- الورق: تطبع الطوابع على أنواع مختلفة من الورق، وليس هناك نوع معين منه، فقد يكون سميكاً مثل الورق المقوى أو خفيفاً رقيقاً مثل ورق السجائر.
- الطبع: استخدمت عدة طرق في طباعة الطوابع منذ ظهورها حتى الآن ومنها الطباعة بالحروف، والطباعة الملساء، وأشهر طريقة يطبع بها طابع البريد الآن هي الطباعة بالحفر التصويري والتي تسمح بطبع ملايين الطوابع يومياً.
- العلامة المائية: وهي الجزء غير المنظور من الطابع والمقصود بها الرسم الذي لايظهر على الطابع إلا بعد النظر إليه ضد الضوء، وإذا لم يظهر بهذه الطريقة فنستطيع رؤيته بوضع الطابع في إناء مليء بالبنزين المكرر.
- التسنين أو الشرشرة: وهي الجوانب المقصوصة للطابع ولم تكن الطوابع في بدايتها مسننة، وقد ظهر أول طابع مسنن عام 1849م.
- التصميغ: يستخدم في تصميغ الطوابع الصمغ العربي والديكسترين لتثبيت الطابع على الرسالة.
جمع وشراء الطوابع
بدأت فكرة الجمع من الطوابع الملصقة على الرسائل التي وصلت للمرء ولأقاربه ولأصدقائه من مختلف بقاع العالم، إذ بقيت هذه الفكرة هي المصدر التقليدي للهواة، هذه الهواية تصلح للكبار والصغار على السواء، والعامل المشترك هو حب المعرفة، حيث إنه لكل طابع بريدي هدف أو قصة من ورائه، فطوابع البريد تكرم شخصيات، تدون قصصاً، تحتفل بذكريات، وتخلد مناسبات من خلال طبع هذه المعلومات على الطابع نفسه. هناك بعض الجامعين الذين يهمهم أن يكون الطابع مختوماً من دوائر البريد المختلفة، وبعضهم يفضل شراء الطوابع من مصدرها غير مستعملة وبدون أختام، أي من مصلحة البريد، فهناك تباع الطوابع، إن كانت حديثة الإصدار بسعرها المدون عليها. وعادة نجد قسماً خاصاً لهواة جمع الطوابع في مصالح البريد حول العالم، حيث يتم عرض وبيع الطوابع القديمة والحديثة على حد سواء، وتقام أيضاً في مختلف البلاد مؤتمرات ومعارض ومزادات علنية لتبديل وبيع الطوابع البريدية، كما أن هناك صحافة خاصة بالطوابع وأخبارها في بعض الدول الأوربية.
الإبل ودلالتها في الطوابع البريدية
تكمن قيمة طوابع البريد في كونها إحدى أدوات توثيق أحداث البلد الذي تصدر عنه، سواء كانت حروباً، أم إنجازات ثقافية أو علمية، أم صوراً لشخصيات بارزة، أم لمناظر طبيعية أو لحيوانات...إلخ، ويعتبر تصميم طابع البريد أهم ما يشغل بال المسؤولين عن إصداره ويؤثر التصميم كثيراً على الاهتمام الكبير بجامعي الطوابع، ومهما كان نوع الرسم فيجب أن يتساءل الإنسان عن سر وجوده على الطابع.
وتعتبر الإبل من أبرز الحيوانات التي خلدتها عدة دول في طوابعها البريدية كدليل على أهميتها في حياة الإنسان وثقافته، وباعتبارها جزءاً من هويته، وبالخصوص لمجتمعات المناطق الصحراوية، فحضور الجمل في الطوابع له رمزية كبيرة، تتجلى أهدافها في النقاط الآتية:
- إبراز الأبعاد الحضارية والثقافية ودوره في ثقافة الشعوب.
- أيقونة للتكيف والمقاومة، فهو رمز للصمود حتى في أقسى الظروف.
- رمز للثروة والتجارة والسفر والترحال.
- ضرورة تواجده في مخيال المجتمع بمختلف فئاتهم العمرية، باعتباره يوثق لذكريات وأحداث لها عبق وتاريخ وتأكيد لهوية البلدان.
وعموماً فمن خلال جردنا لمختلف طوابع بريد العالم التي تحمل صورة الإبل سجلنا الملاحظات الآتية:
- تحتل قارة آسيا وخاصة منطقة المشرق العربي الرتبة الأولى في العالم من حيث إصدار هذا النوع من الطوابع، وتليها قارة إفريقيا، ثم أوربا، وبعدها أستراليا وأخيراً قارة أمريكا.
- تصنف دول الإمارات العربية المتحدة، البحرين، المملكة العربية السعودية، الكويت، الأردن، لبنان، منغوليا، الصين، أفغانستان، بالنسبة لقارة آسيا، ثم موريتانيا، السودان، الجزائر، ليبيا، السودان، مالي، جيبوتي، تشاد، بالنسبة لقارة إفريقيا، وفرنسا بالنسبة لأوربا، وأستراليا، كأحد أبرز الدول المعروفة في هذا المجال.
- يفسر احتلال منطقة المشرق العربي الرتبة الأولى بكون دولها تعتمد كثيراً على الجمل باعتباره عنصراً أساسياً من تراثهم، إذن من المنطقي أن يتم تخليده ومنحه قيمة هامة من خلال الطوابع.
- طوابع الإبل كانت أيضاً حاضرة خلال الفترة الاستعمارية بالنسبة للدول التي خضعت للاحتلال الأجنبي، وهذا يدل على أن البلدان الإمبريالية أعطت أهمية كبيرة لهذا الحيوان، وهو ما تؤكده الطوابع المؤرخة بتلك المرحلة الزمنية.
خاتمة
تأسيساً على ما سبق يمكن القول إن الطوابع البريدية تعد من أهم سمات ودلائل التطور التي تجسد وتؤرخ الأحداث والمناسبات لدى الدول، وتختصر تلك النماذج الزمان والمكان، وتسرد بتنوعاتها وألوانها تفاصيل غنية بالأحداث حول حياة الشعوب وتراثها التاريخي والإنساني والحضاري في كل مجالاته، والطوابع البريدية التي تحمل صورة الجمل لها رمزية ودلالة كبيرة لبلدان موطن هذا الحيوان، إذ يتم اعتباره كشعار أساسي لهوية البلد من خلال الرسائل المُرْسَلة عبر مختلف بقاع العالم.
 الهوامش:
(1): الموسوعة الحرة (ويكيبيديا)، (طابع بريد).
(2): إبراهيم مرزوق، (تاريخ طوابع البريد: البداية والهواية)، القاهرة، الدار الثقافية للنشر، د.ت، ص: 05.
(3):https://www.libanpost.com/arabic/stamps/about-stamps.
الصور:
- مأخوذة من الموقع الإلكتروني:
 www.pinterest.com

ذو صلة
التعليقات