مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

وادي السيليكون صار محيطاً

من سنة الله في الخلق والإنشاء، وفي الوجود، خاصية النمو والترقي. فكل شيء طبيعي يبدو صغيراً، ضعيفاً في أصل نشأته ليكبر وينمو ويشتد. لكن مدمّرات الخلق والوجود كالكوارث هي التي تبدأ كبيرة ضخمة حين نشأتها، لتتضاءل مع الزمن وتعود صغيرة نسبياً.
أبدأ بهذه المعادلة في موضوع (وادي السيليكون) لأؤكد على حقيقة أن العالم القوي، سار منذ زمن بعيد وفق منظور السنّة الكونية، وفقط الضعفاء حول العالم هم الذين لم يدركوا هذه السُّنّة، ولم يعملوا بها، وإن نطقوها كل يوم. في (وادي السيليكون) قصة (كينونة) لا يمكن تجاهلها اليوم بعد قرن من الزمان تقريباً على نشأتها. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، والعالم المنتصر حينها، كان قد وضع اللبنات الصغرى للنصر القادم (النصر التقني) بعد أن حقق انتصاره التقليدي العسكري. وها هو اليوم ينتصر تقنياً، وينتصر في كل شيء بفضل (التقنية). لقد أصبح وادي السيليكون (محيطاً) تمخر عبابه كل يوم آلاف الرحلات العالمية ليس لتسيطر على نبض التقنية وتدفقاتها وهيمنتها فقط، ولكن لتجعل من التقنية مكوِّناً رئيساً للهيمنة على كل شيء: الفكر، الثقافة، الاقتصاد، السياسة، وكل تفاصيل المجتمعات.
نقطة قوة وادي السيليكون
هناك كما يبدو معادلة يسيرة في وادي السيليكون جعلت منه أسطورة الزمان. وهي (تعددية واندماج رواده) حيث لا جنس ولا لون ولا عرق ولا فكر يحدد فضاءات الإبداع فيه، فكل من يملك معرفة ومهارة جديدة وفاعلة، يصبح أحد رواده. فأحد مؤسسي (جوجل) وهو سيرجي برين من أصل روسي، وأحد مؤسسي (ياهو) وهو جيري يانغ من أصل تايواني، وأحد مؤسسي (إنتل) وهو أندرو جروف من أصل هنغاري. من هنا، أصبح فضاء كاليفورنيا فضاء يقصده الحالمون بالإبداع، والإنتاج، والتأثير، والثراء، وأيضاً السيطرة على المستقبل. فوادي السيليكون يسعى دائماً إلى ابتكار المستقبل، كما ذكر تشونغ مون لي، رئيس تحرير مجلة سيليكون فالي إدج (Silicon Valley Edge).
ومن عناصر الإبداع في هذه الظاهرة، أنه على الرغم من تعدد أعراق وخصائص روادها، بقيت الهيمنة للغرب، ولأمريكا تحديداً، وهذا ليس صدفة، ولكن الولايات المتحدة تعمل منذ ذلك الحين ليس على رفاه الشعوب والعالم، ولكن على ترسيخ مجدها وهيمنتها، وقد فعلت.

نحن ووادي السيليكون
أعني بـ(نحن) هنا، كل المجتمعات التي ظلت ترقب ما يجري في العالم المتقدم منذ الحرب العالمية، وعوضاً عن فهم الدروس والمنافسة، اكتفينا بشتم الآخر الذي (يريد بنا شراً). وليتنا استنهضنا الهمم، لكننا في دول ما أسموه، حينذاك، بالعالم الثالث، استنهضنا الخطب العصماء، والكلمات الرنانة، لنُقنع شبابنا بأننا الأفضل والأجود والأقوى رغم كل شيء. ومضت السنوات عقداً تلو عقد، حتى صارت الفجوة ضخمة جداً بين منتجي التقنيات ومستخدميها.
نحن وتقنيات الإعلام والاتصال
هناك شواهد مؤسفة من تراث كان عاجزاً عن عبور الطريق الصحيحة. سأعرض نماذج من فضاء الإعلام والاتصال الإنساني الذي أعرفه أكثر من غيره. فقد أثبت هذا الفضاء أننا (مشدوهون) في كل مرة يقذف العالم المتقدم فيها بتقنية اتصال جديدة. وكانت الجدليات في الدول النامية بين محورين: (السحر) و(الغزو). فكل تقنية ترد من العالم الآخر هي (سحر) عند الجهال، وهي (غزو) عند النخب المجتمعية. فنتسارع للهجوم عليها ونفيها بحجة السلامة العقلية، أو إخلاص العبادة لله، والبراءة من الكفار. ومن المحزن حينذاك، أن التقنية تمضي في سبيلها لتخترقنا بهدوء، دون أن يكون لنفينا أو تحريمنا المزعوم أثرٌ يذكر. فالحقيقة الماثلة تتلخص في أن العِلم، لا يمكن أن يقابَل بالجهل أو التجاهل. والأمثلة في فضاء الإعلام والاتصال كثيرة، يكفي أن أورد منها هنا: دخول تقنية الراديو، والتلفزيون، والفيديو إلى دول العالم الثالث. وحتى بعض دول العالم الثاني، فقد كانت تقنيات الإعلام والاتصال توصم هناك في بداياتها بالسحر والشعوذة أيضاً.
كما لا يمكن تجاوز ما فعلناه بتقنيات البث المباشر، وما قابلناه به من رفض وترفّع. واليوم، ومع مطلع التسعينات الميلادية، والألفية الجديدة، فعلنا الشيء نفسه مع تقنيات الاتصال الشبكي والإنترنت، وشبكات التواصل الاجتماعي، لنضرب مثلاً ماثلاً في الإصرار على أن نفعل شيئاً غير التباكي. وحتى في مجتمعنا السعودي، جرت علينا ذات الجارية، ونظّرنا لرفض كل تقنية اتصالية جديدة. وفقط مع إطلاق رؤيتنا 2030، أمكننا التفاؤل بأننا في مجتمعنا السعودي، يمكن أن نُحدث الفارق.
ثقافة وادي السيليكون ورؤيتنا 2030
يُسعدني جداً، القول بأننا في المملكة (تغيّرنا) بالفعل نحو الفعل والإنتاج والمنافسة، فرؤية المملكة 2030 جاءت فضاء رحباً لإحداث الفرق. نحن نضع، اليوم، عرباتنا على السكة الصحيحة، ونعبر نحو عالم الإبداع والإنتاج. فالرؤية تقود الشباب السعودي نحو غايات فاعلة مهمة، وبرامج الرؤية تتيح فضاءات الاستثمارات والإنتاج التقنيين المنافسين عالمياً. وأعتقد أن المستقبل القريب سوف يثبت تميزنا في هذا السباق المحموم، وذلك بمعادلة جادة تقودها المملكة اليوم بقيادة خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الشاب الفطِن، تقوم على أننا قررنا استبدال التكاسل بالنشاط، والفرجة بالمشاركة، والاستهلاك بالإنتاج. وآمنا، أكثر من أي زمن مضى، أن لدى شبابنا وفتياتنا الأهلية والقدرة على صناعة الفرق. وقد نجحنا الآن في تجاوز الاختبارات الصعبة، حيث مراحل التهيئة المجتمعية والقبول الجماهيري والانخراط الفعلي في إنجاز غير مسبوق. لقد أتاحت المملكة الآن لكبريات شركات التقنية المعتبرة عالمياً شراكات حقيقية مع الشركات السعودية العملاقة، وتوطيناً للمحتوى داخل المملكة، وفرصاً حيوية للشباب السعودي، قادها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بنفسه خلال زياراته الرسمية لوادي السيليكون ولقاءاته مع كبار قياديي الشركات العملاقة هناك. لقد نشرت جريدة الشرق الأوسط في عددها ليوم 17 يونيو 2016 تقريراً مهماً عنوانه ((رؤية السعودية 2030).. المدى البعيد يمر من وادي (السيليكون)). وبالتالي، فبفضل الله ومنته، ستشهد العقود القليلة القادمة، نتاج هذا الحراك المهم في كينونة مجتمعنا الطموح حالياً، واستحقاقاته التنافسية العالمية.

ذو صلة
التعليقات