مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

الخط الأصفر

في كراسته القديمة زمن الدراسة الابتدائية، كان يصدر الفائض عن السطر من حروفه وكلماته وراء الخط الأحمر الذي يشق طرف الصفحة الأيسر من أعلاها إلى أسفلها.. لم يكن يرى فرقاً بين السطر الذي يكتب فوقه، وبقيته التي تمتد وراء الخط الأحمر، ولا يفهم مبرراً لذلك الفاصل الطويل الذي يلتهم طرف الصفحة ويحتجزه وراءه، لكنه وبغير أن يعثر على مبرر توقف عن الكتابة وراء الخط الأحمر، بعد أن حذره المعلم مراراً من الكتابة هناك، ثم ألهب كفه بالعصا عقوبة على ذلك.
حين كبر وصار كاتباً يراسل الصحف بنصوصه ومقالاته، كان المحررون يخبرونه في زاوية ردود القراء أن مقالاته تصل ناقصة ﻷنه يكتب على كامل مساحة الصفحة من طرف السطر إلى طرفه الآخر، دون أن يترك مساحة فارغة في جانب الصفحة، ولذلك يلتهم جهاز الفاكس الذي يرسل منه كتاباته كل الكلمات التي تكتب في حافة الصفحة، وتصل الكتابات مبتورة ناقصة.
تذكر مقالاته ودفاتر طفولته وهو يتنقل بسيارته بين مسارات الشارع المزدحم بمئات السيارات التي تسير معاً في اتجاه واحد.. كان الطريق يشبه صفحة تغص بالكلمات، بينما كتف الطريق وراء الخط الأصفر يشبه تلك المساحة المحرّمة في الكتابة، والسيارات التي تحيد قليلاً وراء الخط الأصفر سرعان ما تعاود الرجوع إلى مسارها، وكأنها بتلك العودة الحذرة تكفر عن خطيئة في أعراف ذلك الطريق الأسود المكفهر.
يمين الطريق تزدحم عشرات الشاحنات التي تتحرك ببطء وضجيج فادح، ويستحيل لمتعجل أن يسير وراءها في المسار ذاته.. وفي بقية المسارات ينتهز السائقون كل فراغ يلوح في الزحام ليحشروا فيه سياراتهم على عجل، والضيق ينضح من وجوههم وشتائمهم وأبواق سياراتهم.
وجد في كفه شيئاً يشبه مذاق العصا القديمة حين حادت عجلات سيارته قليلاً وراء الخط الأصفر، وتداعى إلى ذاكرته ذلك الانكسار الذي كان يجده في نفسه عندما يقرأ اعتذارات محرري الصحف عن نشر نصوصه التي اختلسها الفاكس، بينما الخط الأصفر يتوسط المسافة بين العجلات.. خيل إليه أن السيارة تلتهم ذلك الخط بنهم يشبه التوحش.. ووراء الخط الأصفر الذي تجاوزه الآن تماماً وصار يسير بسيارته وحيداً فوق كتف الطريق، خفت في كفه مذاق العصا، ونسي مذاق انكسارات النصوص المبتورة.. انتشى والطريق ملكه وحده.. زاد في سرعته والضجيج كله يسير بحذائه لا يقاربه.. انعطف نحو بيته.. أنهى مشواره.. دخل بيته.. وهو يهم بوضع ردائه رنّت في هاتفه نغمة الرسائل.. فتح هاتفه، وفوق شاشته كانت الرسالة:
تم قيد مخالفة مرورية على السيارة رقم: (9040)
نوع المخالفة: عدم التقيد بالمسارات المحددة للطريق.

ذو صلة
التعليقات