مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

الثقافة الهندية والأدب الخليجي.. ملامح في السرد الإماراتي

حفلة الزفاف الخليجية، غالباً ما تغريك بالحضور لأكثر من سبب، منه الاجتماعي، وفيه الشعور الجميل بمشاركة الآخرين احتداماتهم على الفرح بحماسة، فالفرح في أيام البشر الراهنة، مساحته أضيق وفي انحسار مستمر لصالح المساحات الكآبية، الجالبة للحزن وآلام النفس، وهي في اتساع.
سيلفت نظرك أكثر من أي شيء آخر في (الحفلة) رسومات الحنة على أيدي البنات الصغيرات، إضافة إلى أشكال المصوغات الذهبية التي تزين رؤوسهن الصغيرة وأيديهن وأعناقهن، ليبدين فراشات سرقت ألوانها بلطف من عيون المبتهجين، ليصبحن بعد قليل، ملائكة في فضاء اللحن الضارب في الجهات الراجف للأركان. وعلى مقربة من المكان، ستزكم أنفك رائحة البهارات القوية الفائحة من المطبخ بجانب صالة الأعراس، تلك التي تدفعك إلى تخيل نوع الطبق القادم إليك بعد دقائق، أهو وجبة (برياني لحم) أم (برياني دجاج) أم شيء آخر مختلف، أبدعته يد طباخ ماهرة على دراية كافية بالأطعمة الخليجية وإعدادها.
في الإمارات، كثيرة هي الملامح التي تعود في جل أصولها إلى الثقافة الهندية، فما يفصل بين منطقة الجزيرة والخليج العربي وبلاد الهند، تلك القارة المذهلة، هو مياه بحر العرب، والذي يبدأ من خليج عمان، مروراً بالإمارات في أجزائها الشرقية، نزولاً إلى آخر الجغرافية اليمنية الشرقية. هذا البحر كان مفتاح العالم بالنسبة للتجار الخليجيين، فهو الذي حملهم إلى أصقاع المعمورة، والهند كانت استهدافاً أولاً بالنسبة لهم، كونها تشكل سوقاً ضخمة فيها كل شيء يحتاجه الشخص في تلك المرحلة من الزمن، سوق للشراء والبيع، للاستيراد والتصدير. إن عملية التجارة هذه كانت الجسر الذي لم يحمل البهارات فقط، بل سمح بمرور وجبة الطعام والملابس والحرف اليدوية، والقصيدة والأغنية والأدوات الموسيقية وفنون الزخرفة في أشكالها المتعددة والمتنوعة، تلك التي يراها المرؤ على الأبواب الكبيرة والشبابيك (الدرايش والمشربيات) والمصوغات الذهبية والفضية وليس انتهاءً برسومات الحنة على أكف النساء.
إضافة إلى وجود هذه الملامح (الثقافية) في كل حركة فنية وقولية بنسبة ما، وفي كل بيت وشارع ومدينة، هنالك أيضاً وجود للعمالة الهندية في منطقة الخليج، وهي لم تكن بكثافة اليوم، قبل اكتشاف النفط وتصديره (في الإمارات نهاية الستينات بداية السبعينات). ذلك أن مرحلة التنمية في الإمارات العربية المتحدة، بدأت تزامنا مع عاملين جديدين مهمين شكلا انعطافة تاريخية بالنسبة للإماراتيين، ولآخرين غيرهم ممن يودون رؤية النضوج السياسي يتكامل أمامهم ويتعاظم في أبهى تجلياته معنىً ومبنىً.. هذه العمالة أسهمت في عملية التنمية وتحديداً في البنية التحتية، وكان لها دورها المقدَّر لدى الدولة بكثير من العرفان والصداقة التي أوصلت العلاقات بين البلدين، الهند والإمارات، إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية.
إلى جانب المستثمرين والتجار والعمال الهنود في الإمارات، وجدت فئة ذهنيّة هندية متقدمة، تجلَّت في الممثلين والمخرجين والكتاب السينمائيين، وحتى الأدباء والشعراء. وأمر كهذا لم يكن غريباً بل كان متوقعاً لكنه كان يحتاج إلى مهتم يكتشف هؤلاء النخبة الفكرية الهندية في الإمارات ومنطقة الخليج عموماً. (وليست مؤكدة لدي رواية، أن شاعر الهند طاغور كان قد مر بمنطقة الخليج، والإمارات تحديداً. جاء ذلك في ورقة للكاتب الباحث زكريا أحمد، ونشرتها، أغلب الظن، إحدى صحف الإمارات في تسعينات القرن الماضي).
لكن ثمة من فكر بهذا الموضوع وأخذه على محمل الجد، ففي بداية تسعينات القرن الماضي، وأثناء عمله في جريدة الخليج بالشارقة، تنبه الكاتب الشاعر أحمد فرحات إلى فكرة لماذا لا يجري البحث عن الأدباء الهنود الموجودين في الإمارات، وإجراء بعض المقابلات الثقافية معهم، والإضاءة على بعض أعمالهم الشعرية. وهذا ما حصل، فقد أصدر كتاباً كما علمت يتضمن بعض المقابلات مع بعض الكتاب الهنود الموجودين في الإمارات، مع نشر بعض قصائدهم التي قام بترجمتها من الإنجليزية إلى العربية. وهي خطوة كان من المفترض أن تتبعها خطوات من غيره من المهتمين لكنني لم أقف على جديد في هذا الجانب.
وفي السياق نفسه، تصدى الأديب الشاعر شهاب غانم إلى مهمة كبيرة وحققها بتميز لافت، فقد قام بعملية ترجمة من الإنجليزية إلى العربية، لعدد من الأعمال الأدبية الشعرية لأدباء هنود كان بعضهم في الإمارات، ولجودة عمله وانتشاره، قامت الجهات المختصة بمنحه جائزة (طاغور) الأدبية، وهي على قدر كبير من الأهمية والقيمة الأدبية المعنوية إقليمياً وعالمياً، وكانت قد منحت من قبل إلى الزعيم الأفريقي البارز نيلسون مانديلا، وآخرين غيره على درجة كبيرة من الأهمية الفكرية على مستوى العالم.
هل وردت ملامح الثقافة الهندية في الأدب الخليجي، وفي أكثر من جنس فني؟ الجواب: نعم، وردت. وهي كانت إما في حوارات السفر إلى الهند وطقوسه، وإما في عملية غرق سفينة شحن واستجلاب الأخشاب اللازمة من هناك لصناعة غيرها. كذلك فقد وردت بعض تلك الملامح في أكثر من سياق في القص الإماراتي، حيث يدخل بعض الكتاب في سياق قصصهم المطبخ الخليجي ليقوموا بتوصيف بعض الوجبات، أو تناول بعض الوجبات، أو مدح بعض الوجبات التي تتضمن مكونات هندية أو مستجلبة من هناك كالبهارات وغيرها إضافة إلى طريقة إعدادها. كذلك وردت بعض الملبوسات النسائية خصوصاً الحريرية المستجلبة من الهند، والمصوغات الذهبية التي تميزت بها الهند دون غيرها في عقود الأربعينات والخمسينات والستينات من القرن الماضي، حيث كانت تجارة الذهب رائجة قبل الحرب العالمية الثانية، لكنها أوقفت بعدها، وجرى اللجوء إلى اللؤلؤ والغوص من أجله وإرساله إلى الهند لإعداده، لكن اللؤلؤ هو الآخر مر بعملية كساد بسبب اللؤلؤ الصناعي الذي اشتهرت به اليابان وصدرته ليكون منافساً للطبيعي بل استطاع القضاء على تجارة الأخير. هذه كلها ملامح لم يجر رصدها نقدياً حتى الآن.
الأهم هو الشخصية الهندية التي جرى تناولها في كثير من الأعمال الأدبية وتحديداً في القصة والرواية الإماراتية، فهي وردت في أغلب الفنون السردية تقريباً وتحديداً في القصة القصيرة. ومعلوم أن القصة القصيرة الإماراتية بدأت في نهاية الستينات على يدي عبدالله صقر بعمل (الخشبة)، وراشد عبدالله بعمل (شاهنده)، لتكر بعد ذلك السبحة وبشكل مركز في عقد الثمانينات.
السؤال الذي ربما يفكر فيه كثير منا نحن المهتمين بالثقافة والأدب: هل جرى تناول الشخصية الهندية في الأعمال القصصية والروائية (الإماراتية)؟ نعم، جرى تناولها لكن ظلت دون المستوى الذي تستحقه، إلا أن واقع الحال المعيش، ومستوى القصة، قصرها وطولها، وتعدد الأفكار في القصة الواحدة من عدمها، والبيئة التي يتحدث فيها الكاتب، وأحياناً الحي الشعبي الذي غالباً ما يقدمه كاتب القصة الإماراتي كميدان تجري فيه أحداث قصته أو روايته، هذه كلها أثرت في انتقاء الشخصية الهندية، بحيث ظلت تلك الشخصية من المستويات الاجتماعية غير المرتفعة، بمعنى أنه لم يجر تناول شخصية هندية وانتقاؤها من الوسط الاجتماعي المتوسط أو ما فوقه.
هنالك كتاب قصة قصيرة (من الجيل الثاني) ويعدون اليوم من المبرزين إماراتياً وخليجياً، بل وبعضهم عربياً بنسبة ما، على سبيل المثال لا الحصر، عبدالحميد أحمد، محمد المر، ناصر الظاهري، مريم جمعة فرج، أمينة بوشهاب، ومريم بوشهاب (سلمى مطر سيف) وبعض أعمال شيخة الناخي. هؤلاء تناولوا في بعض قصصهم شخوصاً هندية مقيمة في الإمارات، لكن في مهن متدنية إلى حد ما، فالشخوص الهندية في القص الإماراتي لم تتعد مهنة (الفراش) الذي يقدم الشاي والقهوة في المكتب أو الشركة، ومهنة (المراسل) الذي يأخذ البريد والمعاملات من مكان إلى آخر في الوزارة أو الشركة أو المؤسسة، ومهنة (موزع الصحف) لدى ناصر الظاهري، الذي كان يقف عند إشارة المرور منتظراً اللون الأحمر، ليبيع الصحف اليومية المحلية لأصحاب السيارات المتوقفة، ومهنة (سائق العائلة) الذي كان يسكن مع العائلة في غرفة خارجية أو جانبية قريبة، ويكون منتظراً وقته كله نداء من العائلة لتوصيلهم إلى السوق، أو أن يطلب منه الذهاب بنفسه إلى السوق وجلب الأغراض. لكن قد تجد شخوصاً هندية أخرى جرى ذكرها كشخصية (موظف) في مكتب تذاكر (العبارات) في خور دبي، أو شخص هندي يعمل في مكتب الكهرباء والماء. كذلك ذكر الهندي كبنّاء وموظف في شركة مقاولات في بعض القصص.
لكن ربما التعويض قامت به الكثير من القنوات الفضائية المحلية في الإمارات، حيث بدأت من أعوام مضت، إجراء مقابلات متلفزة مع هنود يروون من خلالها قصص نجاحهم في الإمارات، وكيف أنهم استطاعوا تكوين أنفسهم وتسجيل نجاحات مبهرة في عالم الاقتصاد والتجارة والاستثمار في مختلف الميادين. وتحدثوا عن قصص النجاح هذه بكثير من الفخر والعرفان لأن المناخات التي وجدوها وهيأتها لهم دولة الإمارات العربية المتحدة، كانت عاملاً أولاً رئيسياً في تلك النجاحات المتميزة.
مقطع القول: يبقى موضوع ملامح الثقافة الهندية في منطقة الخليج العربي، وفي المنتج الذهني الأدبي والفني، موضوعاً مهماً تمليه الضرورة، وكبيراً على درجة من العمق تستوجبه المرحلة الحالية التي تقفز فيها العلاقات الهندية الخليجية، وتحديداً بين دولتي الإمارات والسعودية من جهة، ودولة الهند، إنه يحتاج إلى بحّاثة ثقاة يمتلكون الأدوات النقدية الحديثة والوقت الكافيين للتصدي له.

ذو صلة
التعليقات