مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

عبدالرحمن الشبيلي.. من الشرفة يحلق عالياً

بين باريسين عاش وترجل..
ولد في باريس نجد، عنيزة، وترجل في باريس فرنسا..
حين يذهب هذا الجيل، ترحل معه صفحات من ذاكرة مجتمع.
تنوعت مسيرة الدكتور عبدالرحمن الصالح الشبيلي، المهنية والوظيفية، من العمل في المجال الإعلامي والتعليمي، واستطاع الموازنة بين وظائف غير منسجمة بين بعضها، غير أنه أثرى المكتبة السمعية والمرئية والمكتوبة، بأعمال شواهد، ما بين محاضرات وبرامج، وكتب وأبحاث، استطاع أن يكشف بها عن باحث متمرس، وإعلامي متحقق، وتوثيق سيرته الذاتية يعد من منجزاته البارزة.
إذ بدأها بمعلم حضاري في مدينة عنيزة، الصنقر (مرقب الجهة الشرقية بني عام 1302هـ - 1885م) من كلمة عربية تعني لغوياً: انتظر طويلاً، واستخدمت اصطلاحاً بمعنى المرقب، على عادة بلدات نجد، في بناء الحصون والقلاع، والأبراج والمراقب، في ظاهرها، لاستبصار الأخطار.
أدخلنا الدكتور عبدالرحمن الشبيلي رحمه الله، في شخوص وأمكنة، شوارع وأسواق، ومزارع وكشتات، إحدى مدن القصيم. استطاع أن يعطينا صورة اجتماعية-اقتصادية، تمثل الجماعات الحضرية والبدوية، وطبقات الحكام والقضاة والتجار، وطوائف الباعة والصناع، والجمّالة: العقيلات والرحيلية، وأسواقها: أم العصافير والقاع (نسائي)، والهفوف والمعثم.
أفاد عن معنى لقب أسرة الشبيلي (بمعنى اللجام) اتخذ اللقب في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، بينما تفرعت من ذات الأسرة الشبل (أسرة الحمّاد والعبدالمحسن). كما أفاد عن مفردات الحياة المختلفة.
أثار مسألة العلاقة بين مدينة عنيزة، والكويت والبحرين والعراق الواضحة على عكس العلاقة المفترضة ما بينها وبين بلدان الشام وفلسطين ومصر، وهي متصلة بمفهوم التثاقف الذي لا بد أن يفضي إلى دراسات معمقة.
وفي قسم العزيزية (الاسم الثاني للمدرسة الأميرية بعنيزة 1937 تابعة للتعليم النظامي) تحدث فيها عن ذكرياته في المدرسة ومدرسيها وعن معهد عنيزة العلمي (المرحلة الثانوية) بوصفها مرحلة انتقالية في حياة جيل بأكمله وقتها.
وفي قسم بين جامعتين، انتقل إلى الرياض عام 1959 للدراسة في كلية اللغة العربية (أنهى الدراسة عام 1963)، وتنبه إلى مصطلح (الجنبّا) يوصم به كل آت إلى الرياض من غير أهلها.
ووصف الوضع الفكري (الأيديولوجي) المسيطر على الكلية، من تشدد ديني آنذاك، في منع مظاهر الحياة الجديدة، من كاميرات تصوير وكتب مصورة، ومنع الغناء والدخان.
وفي قسم الإعلام، يسجل مرحلة العمل المهني، في إذاعة جدة (1963)، ثم إذاعة وتلفزيون الرياض (1965).
وكانت فرصة ليسجل فيها بدايات جهازي الإذاعة والتلفزيون ومهنته الإعلامية، فإن تاريخهما واحد. كما هي فسحة لتسجيل المواقف الطريفة (حذف مقاطع من أغنيات عربية أو عطب التصوير المفاجئ) والصعبة (الاعتداء على محطة التلفزيون سبتمبر 1965).
واجترأ على تقديم حقيقة منكرة، في المجال الإعلامي، ما زلنا نشوى بها خسارة من أعمارنا هباء، بين انعدام الكوادر المؤهلة المفترض توفيرها من أقسام الإعلام في الجامعات، وهذا ما دفعه إلى طريق منفرد في إكمال تعليمه العالي حماية من غوائل الإعلام ومهنته. ومكنه من اجتناب وضع قدميه كلتيهما في بحره، لئلا تجرفه نحو المجهول، وتوفر له موطئ قدم في مجالات التعليم ثم المجالس التنفيذية والاستشارية.
واستشعر مبكراً أهمية التوثيق في المجال الإعلامي، فأعد برنامجاً يعد عمدة برامج التلفزيون السعودي، (شريط الذكريات) (1977) الذي وثق تسجيلات مع رجالات البلاد، ممن حضروا عهد تأسيسها ورجالها الأول.
وعلى ما مر من صعاب في عرض بعض حلقاته ومنع بعضها الآخر، غير أن توفره مؤخراً عبر الـ youtube وثيقة مهمة لأجيال قادمة، لتؤكد أن العمل الإعلامي يجير لهمة وإرادة فرد.هي حكايات ذات لا جماعة.

ذو صلة
التعليقات