مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

السوبر هيرو بين الواقع والخيال

هل أراد عباس بن فرناس أن يكون أول سوبر مان في العالم عندما قرَّر أن يطير متحدياً قوانين الطبيعة؟ هل أراد أن يكون خارقاً؟ نحن لا نستطيع أن ننكر أنه أول رجل حاول الطيران، ربما دار في أعماقه فكرة تحدي قوانين الطبيعة، واختراق المتعارف عليه، وتجاوز المسموح به للإنسان، ربما أراد أن يحقِّق حلماً يدور في تلافيف النفس البشرية، أن يكون سوبر مان.

السوبر هيرو.. جدلية نفسية
تُحَقِّق موضوعات السوبر هيرو، سواء كانت (كومكس) أو أفلاماً راحة نفسية للشباب، فهي تجعلهم أبطالاً وهم جالسون على مقاعدهم يقرؤون القصص أو يشاهدون الأفلام، فالكومكس يمنحنا بصوره الثابتة وقفة أطول كي نتأمل البطل وهو يحمل حبيبته وينقذها وهي تسقط من شاهق، وحين تشاهد هذا في فيلم متحرِّك فإن متعتك تزداد توتراً، تريد أن تطير مع البطل.
السوبر هيرو في الكومكس والأفلام يمنحك المساحة للتماهي معه، فأنت البطل، تتلبَّس روحه وحركاته، تعيش معه عبر الصورة والمشهد، حتى أنك تنسى كل شيء حولك، وتتخيَّل نفسك داخل المَشَاهِد وأنت تُقَاتل أعداءك وتفعل الأفعال الخارقة التي لا يمكنك أن تقوم بها إذا تركت قراءة مجلة الكومكس أو خرجت من مشاهدة الفيلم، إنه يمنحك القوة، ويرفع محفزات دمك، يجعلك تريد أن تتحرَّك وأن تقاتل وتطير، هذا ما فعلناه ونحن صغار حين كنا نشاهد الأبطال في الأفلام وهم يقتتلون بالسيوف، وكيف أن عنتر بن شداد يقتل العشرات بسهولة فائقة فيمنحنا دافعاً نفسياً قوياً أن نكون عنتر، فنصنع سيوفاً خشبية ونتماهى مع شخصية عنتر، نتقاتل في الطرقات، وداخلنا مملوء قوة بأننا أبطال مثل عنتر، يمكننا أن نصنع المعجزات، وأن نهزم الأعداء بسيوفنا الخشبية.
يشاهد المراهق السوبر هيرو ويتفاعل معه، يدخل معه في القصة، يرتبط بالفتاة الجميلة الرشيقة التي يحبها السوبر هيرو، والتي تقع في غرام السوبر هيرو، إنه يحب أن يكون في وضع السوبر هيرو، له نفس قوته، له كل إمكاناته المستحيلة، وفي نفس الوقت يحصل على فتاة تعشقه لأنه أنقذ حياتها.
المراهق يريد أن يطير ويُنْقِذ فتاته أيضاً ويلتقطها وهي تسقط من فوق مبنى عال، ويدافع عنها حين يعتدي عليها الأشرار، ينتقم منهم، ويسحقهم أمامها، فتأتي وتتقرب إليه، فيأخذها ويطير فوق البحار والأشجار والسحب، يفعل كما فعل سوبر مان، حين كادت حبيبته تسقط من الطائرة المعلَّقة على حافة المبنى الشاهق، لقد أمسك حبيبته، وأنقذها من الموت، وحين سقطتْ الطائرة أنقذَ الناس أيضاً من سقوط الطائرة عليهم، ونجوا من موت محقَّق، لقد أنقذها وأنقذَ الناس في موقف حَرِج وخطير وحسَّاس، والهلاك نهايته الطبيعية، لكنه المنقذ الحقيقي، في الوقت الحاسم، الناس أيضاً تريد البطل، لذلك صفَّقوا له بحرارة تنعش القلب، وحين سألته الجميلة من أنت قال بتواضع: صديق، هذا ما يريده المراهق، أن يحوز كل صفات القوة، وكل صفات التواضع، وكل القسوة في القضاء على الأشرار، يريد أن ينقذ المظلومين، لقد قبض على مجموعة لصوص، وأنقذ قطة الطفلة من موت محقَّق، حتى إن الطفلة صرخت: مامي، مامي، رجل جاء من السماء هكذا يتحقَّق المُشاهد، خصوصاً المراهق حين يتماهى مع السوبر هيرو ويرغب في الطيران.
ولكي يكون هناك بطل ينبغي أن يكون هناك شرير يسعى دائماً لعرقلة البطل ومقاومته والقضاء عليه، وساعتها يجد البطل نفسه في موقف صراع مع آخر يريد أن يُوقف قدراته على فعل الخير، ويجب عليه أن يقضي على الشرير حتى يخرج المشاهد وقد تطهر من الأشرار وترك داخله طاقة لأن يكون بطلاً.

الألعاب وصناعة وَهْم السوبر هيرو
دَخَل السوبر هيرو مجال الألعاب الإلكترونية، وسيطر على عقول كثير ممن أحبوا هذه الألعاب، فأنت في اللعبة تكون هيرو خيالي، سوبر مان، بات مان، أو الرجل الأخضر، أو الرجل الحديدي، يمكنك أن تطير فوق البنايات الشاهقة، وأن تَعْبُر فوق الجسور، في حركة واحدة بيدك على (ماوس) فأرة الكمبيوتر، عن طريق اتصالك المباشر بالبطل الذي هو أنت، فاللعبة تمنحك شعوراً بأنك صِرتَ الآن الرجل الأخضر، ترفع دبابة، وتطيح بكل من يحاولون القضاء عليك من أعدائك، يمكنك أن تفعل أي شيء بقدرات تكتسبها في اللعبة فتصير قدراتك أنت، تتوهَّم أنها قدراتك الشخصية وتتخيَّل أنها ذاتك، وأنت تلعب تعرف أنك سوبر هيرو، وأن لك إمكانات خاصة.
هذا بلا شك يعطي إحساساً رائعاً لدى المراهقين الذين يهربون من الواقع الذي يعيشون فيه ويدخلون بأنفسهم داخل اللعبة، يواجهون الأشرار الذين يعجزون عن مواجهتهم في الواقع الحقيقي، يقاتلونهم بشراسة في الواقع الافتراضي، بل يكتشفون نقاط ضعف خصومهم.
أنت تلعب فأنت داخل اللعبة، أردت أو لم ترد، أنت تتحوَّل لبطل حقيقي، هكذا تخدعك اللعبة، فاللعبة تسيطر على كل مشاعرك وأعصابك، وتجعلك تندمج فيها كُليَّة وتنسى كل الذي يحيط بك من حياة حقيقية، فأنت الآن في واقع مغاير تريده بقوة وتتمناه من كل جوارحك، أنت هيرو.
ولأن داخل كل إنسان رغبة أن يكون بطلاً، أن يتجاوز الواقع الذي يعيشه، بل يمكنك أن تتجاوز أي اعتداء عليك من أعدائك، فقط بحركة ماوس الكمبيوتر (الفأرة) تركز فيها كل أعصابك وكأنك أنت الذي تقفز من سور عمارة شاهقة لشجرة كبيرة، بل يمكنك بنفس حركة الماوس (الفأرة) التي تسيطر على أعصابك أن تتجاوز طلقات الرصاص وأن تبتعد عن قنبلة ستُلقى عليك من عدوك، وينبغي عليك دائماً أن تكون يقظاً أمام الشاشة، مستجمعاً كل حواسك، فمهما كنت سوبر مان فاللعبة تعطيك الرغبة في الانتقام من أعدائك الذين يتربصون بك دائماً، ولا يتركونك في سلام، يريدون لك أن تُمْحَى من العالم، وأنت كبطل يجب عليك أن تصل لهدفك الذي تحدده لك اللعبة، أو الذي صَنَعَ اللعبة.
أنت في اللعبة تمتلك كل الأدوات التي تحصنك ضد الموت وضد الهلاك، فمصممو الألعاب يلعبون على الرغبة الأبدية في الإنسان، الخلود، والرغبة في البقاء والقوة غير المحدودة التي لا تقاوم، هذه رغبة بشرية أزلية، أن تظل صامداً في المعركة حتى النهاية، تقضي على كل الأعداء، وأنت تمتلك كل شيء، وأن تحصل في النهاية على جائزة،
هذا الفضاء الإلكتروني يجعلك تعيش الحالة بكامل إرادتك، هيرو لا يقاوم ثم إنه يمنحك أدوات وأسلحة وقدرات خاصة تستطيع بها أن تحارب وتقضي على أعدائك الأشرار، هذه الأدوات التي ربما تكون سيفاً خارقاً لا ينكسر، أو سلاحاً آلياً، أو بلطة مميزة، تزيد من قوتك، وتجعل سيطرتك أقوى، إنه في النهاية يجعلك وأنت داخل اللعبة إنساناً خارقاً، قادراً على ممارسة كل ما تتخيله في أعماقك وتحققه وأنت جالس في مكانك، تضغط على مجموعة من الأزرار أو تلمس شاشة، ينبغي لك أن تتقنها تماماً وأن تعرف كيف تحركها بأعصابك المشدودة.
أنت داخل اللعبة، أحد عناصرها، تلعب بها أو تلعب بك، تسيطر عليها أو تسيطر عليك، تكون بطلاً، وأنت في الحقيقة واهم كبير، حتى إنك في حالة هزيمتك الافتراضية أمام الشاشة، ربما تضرب لوحة المفاتيح التي أمامك بعنف، وربما تكسر الشاشة، أو تُلْقِي بهاتفك، فأنت ترفض أن تكون مهزوماً، في الحياة وفي الخيال أيضاً، ولذلك جعل لك أصحاب اللعبة حيوات متعددة، فأنت حين تكون داخل اللعبة، تمنحك اللعبة حياة أخرى، وتمد دماءك بالقوة فتنهض من جديد أمام الشاشة تصارع الإلكترونات كبطل حقيقي مخدوع.

تحوُّل الزي إلى سوبر هيرو
يمنح الزي الخاص الذي يرتديه السوبر هيرو بألوانه الخاصة قوة داخليه للمراهق، فمجرد أن يرتديه أحدهم ولو على سبيل الدعابة يشعر بالقوة وأنه صار هيرو، فقد جعلوا لهذا الزي صدراً قوياً بارزاً، وأكتافاً عريضة، حتى إن بعض الأطفال يفضلون شراء ملابس سوبر مان ويرتدونها ويتجولون بها في الشوارع وداخلهم ممتلئ بأنهم سوبر مان، كما كان يفعل أطفالنا في القديم عندما يرتدون ملابس الشرطة لكي يطاردوا الأشرار، لقد تحول سوبرمان إلى طموح لدى الأطفال للخلاص من الأشرار ولكي يفعلوا عن طريقه أفعالاً خارقة تتناسب مع خيالهم الواسع، كان الطفل قديماً حين يرتدي ملابس الشرطة يحلم أنه سيكون حين يكبر ضابطاً، أما اليوم فإنه يتصور أنه سيصبح سوبر مان.
هذا الذي لا يظهر منه سوى العينين ويغطي الجسد كله بملابس ملتحمة الأجزاء، من الرأس للقدمين، حتى يخيَّل إليك أنه ولد هكذا بهذا الزي، أو أن هذا الزي ملتصق به كجلده، هذا الزي بهذه الطريقة المحكمة يعطي إحساساً بالغموض، فأنت لا تراه، ولا تعرف حدوده، فقط ترى صدره البارز وأكتافه القوية العريضة، كما يوجد على صدر سوبرمان رسمة لماسة، وكأنه يوحي لك بأنه منيع كالماسة، لا يمكن اختراقه، نقي، براق، وحاد، ورقيق للغاية. أنت أول ما تراه ينطبع في داخلك أنك أمام مخلوق خارق، بغض النظر عن ضآلة هذا الجسد وبغض النظر عن جنسيته، إنه يريد أن يطبعه داخل خيال المراهق، وأن يجعله يتمنى أن يرتديه ولو لمرة واحده، ليكون سوبر هيرو.

ذو صلة
التعليقات