مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

السينما الأفريقية المعاصرة .. نوليوود الشرق

تمثل صناعة السينما أحد روافد الدخل القومي العالمي للأمم، وهي صناعة رائجة تأتي بعد الصناعات الكبرى، التي تؤثر في اقتصاديات الناتج العام للثروة القومية التي تمتلكها الدول، وتأتي بثمارها الثقافية على الشعوب والأمم والحضارات، كما تمثل أكبر دعاية للدول وحضارتها الحديثة.
و(نوليوود)، اسم جديد ظهر سريعاً في السينما الأفريقية والعالمية، وهذا المصطلح هو اختصار لكلمتين: نيجيريا + هوليود، وقد بزغ نجم النيجيريين في هذا المجال الصناعي الفني العالمي حيث قدموا العديد من العروض السينمائية التي أبهرت العالم.
ولقد نشأت السينما النيجيرية في عام 1949م بداية عقب احتجاجات عُرِفت بحملة (لامركزية الاستعمار البريطاني)، عندما لجأ المستعمر الإنجليزي إلى إنشاء (وحدة السينما النيجيرية) لإنتاج الأفلام كمحاولة من الاستعمار لاستيعاب المبدعين والشباب الغاضبين، لكن المناهضين المثقفين استطاعوا نقل همومه للعالم للنظر إلى قضاياهم من خلال إبداعاتهم في الكتابة باللغة الإنجليزية فعرف العالم معاناة الشعب النيجيري، بل معاناة أفريقيا، وأعقب ذلك عام 1960م حيث نالت نيجيريا استقلالها، وبدأت التعرف إلى السينما الأوربية، وتم إنتاج أول الأفلام عام 1987: (ابن من أفريقيا)، ثم تلاه فيلم (حصاد كونجي).
وفي عام 1988 جاء ميلاد (نوليوود) في شوارع (لاجوس) بغرض صناعة سينما أفريقية خالصة، وكادت هذه الصناعة أن تتراجع لولا تدخل الرئاسة في نيجيريا لدعم هذه الصناعة الوليدة.
وفي عام 1992 م طالعتنا السينما النيجيرية بقفزة هائلة بتصدّر فيلم (العيش في عبودية) شباك التذاكر في نوليوود، ويُعتبر الفيلم الأول الذي حقق نجاحاً باهراً، واعتُبر قفزة في صناعة السينما بعد أن قام (كينث بنواي) بتصوير الفيلم بكاميرا فيديو رقمية، بهدف الترويج لبعض أشرطة الفيديو التي يملكها، ثم تم إنتاج أشرطة d.v.d كأسلوب مبتكر لمعالجة النقص المالي للمنتجين، كما تم اعتماد اللغة الإنجليزية لكثير من هذه الأفلام التي تميزت برخص الإنتاج ورواجها عالمياً.
وفي عام 2010م، قام (جايسوون نجوكو) بعمل حملة دعائية لتسويق الأفلام النيجيرية بأسعار رخيصة، وقام بشراء حقوق البث للسينما على الإنترنت، وأنشأ قناة يوتيوب Nigeria  Nollywood Movie لعرض أفلام السينما، كما أسس موقع (iroko tv) وحصد نسبة مشاهدات عالية تخطت 150 مليون مشاهدة.
لقد استطاعت السينما الأفريقية أن تلفت إليها الانتباه لكونها تعالج قضايا التفرقة العنصرية، والتمييز ضد السود، كما تكشف مساوئ الاستعمار الأجنبي، وتلقي الضوء على العادات والتقاليد القبلية، وتكشف النقاب عن الثقافات الأفريقية المحلية، ولعل هذه القضايا المهمة قد لاقت قبولاً لدى المشاهد الأممي، وعززت وجودها جمعيات حقوق الإنسان في العالم.
وتعتبر السينما الأفريقية –الآن– أكبر سينما في العالم، وفقاً لتقارير (اليونسكو) بل وأصبحت مصدراً مهماً في اقتصاد عملاق أفريقيا بعد النفط والزراعة.
ونوليوود هو المصطلح المقابل (لبوليود) في السينما الهندية، أو هوليود كما في السينما الأمريكية، وقد لزم التوضيح للتفريق، والتعريف بالسينما الأفريقية الجديدة.
ويمكن اعتبار نيجيريا من كبار صانعي ومنتجي السينما في العالم، فهي تنتج حوالي 2500 فيلم كل عام، على الرغم من الفقر والفساد الذي يمثل أكبر تحد للقارة الأفريقية السوداء، بناتج 3 مليات دولار سنوياً، تليها الهند بمعدل 2000 فيلم، ثم تجيء الولايات المتحدة الأمريكية حوالي 1700 فيلم في العام، وهذه طفرة كبرى صعدت بالسينما الأفريقية إلى مستويات قياسية عالمية.
ولقد كانت انطلاقة السينما النيجيرية إلى العالمية بالفيلم الكوميدي (أوسوفيا) سيناريو وإخراج (كينجسلي أوجرو)، وبطولة (نيكيم أواه)، فيما انتعش سوق الفيلم في نيجيريا بعد إنتاج (نوليوود) لكل من الأفلام الغنائية، والأفلام الروائية الطويلة، والقصيرة، والمسلسلات المصورة سينمائياً، كما حققت أعلى نسب مشاهدة عربية على أجهزة التلفاز في الشرق الأوسط.
ستظل السينما النيجيرية الأفريقية واحدة من التجارب الرائدة التي أبهرت العالم، عبر وقت قصير استطاعت فيه أن تنافس السينما الهندية والأمريكية ذات العراقة والشهرة، ويعزى ذلك التفوق إلى عمق القضايا التي تؤرق القارة السمراء، كالعنصرية والتمييز العرقي والطائفي، واضطهاد الاستعمار للسود وغيرها من القضايا الإنسانية الكبرى التي كشفت زيف الإمبراطورية البريطانية كمستعمر جثم طويلاً على أرض أفريقيا السوداء.
ستظل أفريقيا باباً للحضارة، وللفنون والإبداع، والتي تأتي السينما الأفريقية على رأس أولويات اهتمام القارة، التي تمثل الروح والحضارة الأفريقية العظيمة لقارة أفريقيا السوداء، كما وصفها المستعمر، والبيضاء المشعة بالنور والإبداع والفن المعاصر الحديث أيضاً.

ذو صلة
التعليقات