مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

كتب وقراءات


الكتاب: ابن تيمية.. حياته وفكره
المؤلف: جون هوفر
المترجم: عمرو بسيوني
الناشر: دار الروافد الثقافية – دار ابن النديم، بيروت، 2020.
أنجز جون هوفر مدخلاً رائعاً للفكر المعقد لابن تيمية أحد أعظم علماء العالم. يقدِّم هذا الكتابُ الطريقةَ المثلى لفهم حياة ابن تيمية ونضاله مع السلطات الحاكمة والعلماء، وكيف تصوَّرَ الإسلام (فقهه، اعتقاداته، عدالته الإلهية) باعتباره الإخلاص في عبادة الله وحده. استوعب هوفر أفكار ابن تيمية على نحو أفضل من أي باحث آخر عرفتُه. (برنارد هيكل، أستاذ دراسات الشرق الأدنى، ومدير معهد الدراسات عبر الإقليمية، جامعة برينستون).
يحرر هذا الكتاب، الذي كتبه أحد كبار الباحثين في هذا المجال؛ ابنَ تيمية من ميراثه المتنازَع عليه. فمن خلال إجرائه تحقيقاً دقيقاً، والفهم الجيد لأحدث الأبحاث؛ فإن هذا الجهد مرحب به للغاية للجمع بين جميع جوانب حياة ابن تيمية المضطربة وفكره المتحدي. إنه مكتوب بأسلوب ميسور، وهو مدخل ثاقب لأحد أقوى العقول المسلمة عبر جميع العصور. لن يكون الطلاب والباحثون حول هذا الموضوع قادرين على الاستغناء عنه.



الكتاب: الحداثة المتجددة.. نحو مجتمعات أكثر إنسانية
المؤلف: ألان تورين
الناشر: دار الساقي، بيروت، 2020
يتصدى المؤلف للنظريات التي تختزل المجتمعات الحديثة إلى مجرد مجتمعات اقتصادية أو ثقافية أو استهلاكية، ويرفض كل حتمية تقيد السلوك الإنساني بقوانين ثابتة، بما في ذلك القوانين الثقافية.
الكتاب محاولةٌ لتبيان ما يُشكِّل خاصية الحداثة، أي الإبداعية البشرية أو التاريخ. فما يُميز مجتمعنا المعاصر هو التفطن إلى هذه الخاصية، ما أسفر عن حداثة يدعوها (الحداثة الفائقة) التي وعت شرطها الإبداعي والتاريخي، إضافة إلى ما خلفته من دمار ومجازر جماعية وعرقية. هذا (الوعي التام والمباشر) هو ما يَسِمُ مجتمعات الحداثة الفائقة.
يدعونا ألان تورين إلى الانطلاق من جديد من فكرة الحداثة من أجل التفكير في عصرنا ضد نظام اقتصادي شرس يهدد بالإجهاز على العلوم الاجتماعية. ويُعيد بناء تصور عن ذاك الإنسان القادر على تغيير بيئته الاجتماعية وحتى شرطه الإنساني انطلاقاً من ممارسة الإرادة وتجربتها.



الكتاب: تاريخ الفلسفة اليونانية أو القديمة
المؤلف: الأب بهنام بينوكا
الناشر: دار الفارابي، بيروت، 2020.
إن هذا الكتاب ما هو إلا ومضات فكرية-تاريخية على جوانب اعتبرناها أساسية في الفكر اليوناني القديم، فهو أقرب إلى المدخل منه إلى عرض تاريخي شامل للفلسفة اليونانية، لكي يكون دليلاً ومرشداً للطلاب ومساعداً للمدرسين ورفيقاً لمحبي الفلسفة، لما فيه من سهولة في التعبير وتلخيص للأفكار وسلاسة في عرض القضايا ومناقشة شيقة لمسائل توخينا الحذر في استعراضها وإعادة قراءتها بالرجوع إلى مصادرها.
الأب د.بهنام بينوكا (العراق- برطلي). حصل على البكالوريوس في اللاهوت من الجامعة الأوروبانية- روما، والماجستير في الفلسفة من جامعة الصليب المقدس- روما عام 2009 عن أطروحة عنوانها (النفس الكونية بين أفلاطون وأرسطو في كتاب النفس)، والدكتوراه في الفلسفة من الجامعة الغريغورية - روما عام 2012 عن أطروحته الموسومة (كتاب تهذيب الأخلاق) لمسكويه، ترجمة إلى اللغة الإيطالية ودراسة ومقارنة مع كتاب (تهذيب الأخلاق) ليحيى بن عدي التكريتي. وهو أستاذ الفلسفة في كلية بابل للفلسفة واللاهوت -أربيل-العراق، وأستاذ الفلسفة في الجامعة الدومنيكية (Domuni Universitas) الإلكترونية، وأستاذ زائر في كلية اللغة السريانية - جامعة صلاح الدين أربيل-العراق.



الكتاب: عبدالله فيلبي قطعة من تاريخ العرب الحديث
المؤلف: خيري حماد
الناشر: الدار الأهلية للنشر والتوزيع، عمان، 2020.
كان هذا الرجل الذي انطوت حياته في نهاية مغمورة لم يسمع بها إلا القليلون؛ أحد الرجال الذين قامت على أكتافهم إمبراطورية بريطانيا في الشرق العربي منذ نيف وأربعين عاماً. فكانت له صولات وجولات في ميادين السياسة والنفوذ، يلعب بمقدرات الشعوب والممالك، ويطيح بالعروش ليقيم على أنقاضها عروشاً أخرى، ويوزع صناديق المال والذهب، ويعقد المحالفات والمواثيق. ويجوب البوادي والأمصار، مستقلاً الطائرة حيناً، والباخرة أحياناً، وممتطياً صهوة الجواد أو سنام البعير زمناً، ليغذ بسيارته زمناً آخر، وهو في كل جولاته هذه ورحلاته يعمل في خدمة بلاده وتحقيق مطامعها والحفاظ على مصالحها.



عجائب وغرائب
عنيت الثقافة العربية عبر قرون عديدة بمصنفات في مجالات الآداب والفنون والعلوم والصنائع، وزخرت المكتبة العربية بما يفوق الوصف ويأخذ الأذهان، لغزارة المادة وجودة تصنيفها وعلو قيمتها.
ومما لا يستغنى عنه الاطلاع وإعادة النظر في هذا الأرشيف الذي يغذي خيال البصر ويجيب عن أسئلة الفكر.
الأفال والأفائل: صغار الإبل من بنات المخاض ونحوها، واحدهما أفيل والأنثى أفيلة.
***
إن تكون أقوى الناس فتوكل على الله. وإن أردت أن يوسع الله عليك الرزق طموماً كالمطر فلازم الدوام على الطهارة الكاملة. وإن أردت أن تكون آمناً من سخط الله فلا تغضب على أحد من خلق الله. وإن أردت أن يستجاب دعاؤك فاجتنب الحرام وأكل الربا وأكل السحت. وإن أردت ألا يفضحك الله على رؤوس الخلائق فاحفظ فرجك ولسانك. وإن أردت أن يستر الله تعالى عليك عيبك فاستر على عيوب الناس، فإن الله تعالى ستار ويحب من عباده الستارين. وإن أردت أن تمحو خطاياك فأكثر من الاستغفار والخشوع والخضوع والحسنات في الخلوات. وإن أردت الحسنات العظام فعليك بحسن الخلق والتواضع والصبر على البلية. وإن أردت السلامة من السيئات العظام فاجتنب سوء الخلق والشح المطاع. وإن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار فعليك بإخفاء الصدقة وصلة الرحم. وإن أردت أن يقضي الله عنك الدين فقل ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين سأله وقال عليه الصلاة والسلام له: لو كان عليك مثل الجبال ديناً أداه الله عنك؛ قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك وأغنني بفضلك عمن سواك. وفي الحديث لو كان على أحدكم جبل من ذهب ديناً فدعا بذلك لقضاه الله عنه، وهو: اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما؛ أسألك أن ترحمني، فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك. وإن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث: إذا وقعت في ورطة فقل بسم الله الرحمن الرحيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فإن الله تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء، (والورطة بفتح الواو وإسكان الراء الهلاك). وإن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث: اللهم إنا نجعلك في نحورهم ونعوذ بك من شرورهم، ومنه: اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شيء قدير. وإن أردت أن تأمن إن خفت من سلطان فقل ما ورد في الحديث: لا إله إلا الله الحليم الكريم رب السموات السبع ورب العرش العظيم، لا إله إلا أنت عز جارك وجل ثناؤك، لا إله إلا أنت، ويستحب أن يقول ما تقدم: اللهم إنا نجعلك في نحورهم.. إلى آخره. وفي الحديث: إذا أتيت سلطاناً مهاباً تخاف أن يسطو عليك فقل: الله أكبر الله أكبر الله أعز من خلقه جميعاً، الله أعز مما أخاف وأحذر، والحمد لله رب العالمين. وإن أردت ثبات القلب على الدين؛ فقد أسند مرفوعاً أنه كان من دعائه صلى الله عليه وسلم: اللهم ثبت قلبي على دينك.
فائدة:
مما جرب للصداع، فصح ما روي عن الإمام الشافعي رضي الله عنه أنه قال: وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة وعليه قفل من ذهب مكتوب على ظهره شفاء من كل داء وفي داخله مكتوب هذه الكلمات: بسم الله الرحمن الرحيم بسم الله وبالله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
***
ولأن يعادي عاقلاً خير له
من أن يكون له صديق أحمق



حليمة السعدية رضي الله عنها
أسهمت النساء في الحضارة العربية، إسهاماً لا يخفى على حصيف، وكثير منهن، علامات ورموز، وأرخت لهن المدونات العربية، في نصوص عدة، بداية من السرديات والشعريات، سواء في الأخبار أو القصائد، وظهر من بينهن ملكات وكاهنات، ووجيهات ومحسنات، وشاعرات وقينات، وقاضيات وعالمات، وصحابيات وعابدات، وقبل ذا وذاك، أمهات وأخوات، وزوجات وبنات.
حليمة السعدية رضي الله عنها
بنت أبي ذؤيب السعدية، وزوجها الحارث وهي من بني سعد بن بكر ابن هوازن أدركت الإسلام وأسلمت هي وزوجها الحارث وبنوها: عبدالله والشيماء وأنيسة، قيل كان صلى الله عليه وسلم جالساً على ثوب فأقبل أبوه من الرضاعة وهو الحارث فوضع له شق ثوبه، فقعد عليه، ثم: أقبلت أمه حليمة فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاع فقام وأجلسه مكانه، وقعد قبالته، وقيل: إن الحارث أسلم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا غير صحيح، لأنه لما قدم مكة قبل الهجرة فأخبرته قريش بما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم فدخل عليه، فقال: أي بني إن قومك يشكونك ويزعمون أنك قلت: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة أو نار فقال صلى الله عليه وسلم: (نعم أنا أقول ذلك ولو كان ذلك اليوم فلآخذن بيدك حتى أعرفك حديثك اليوم)، فأسلم الحارث وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرفني ما قال لم يرسلني حتى يدخلني الجنة.
ووفدت حليمة رضي الله عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أيام خديجة فأعطتها خديجة رضي الله عنها عشرين رأساً من الغنم، وبكرات من الإبل، وفي رواية: أربعين شاة وبعيراً. ثم وفدت على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين فبسط لها رداءه فجلست عليه. قال القاضي عياض: وزارت أبا بكر، رضي الله عنه ففعل كذلك وزارت عمر رضي الله عنه وفعل مثل ذلك، والظاهر أنها توفيت قبل خلافة الصديق رضي الله عنه، ولما سبيت أخته صلى الله عليه وسلم من الرضاعة الشيماء يوم هوازن، فقالت لمن سباها: أنا أخت صاحبكم. فحملوها إليه صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله، أنا أختك. فقال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة منك في ظهري. فعرفها صلى الله عليه وسلم فقام لها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه، ودمعت لها عيناه وإلى هذا أشار صاحب الهمزية بقوله:
وأتى السبيُّ فيه أختُ رضاعِ
وضعَ الكفرُ قدرها والسّباءُ
بسطَ المصطفى لها من رداءٍ
أي فضلٍ حواهُ ذاك الرداءُ
وذكر الأموي في مغازيه عن حليمة، قالت: خرجت مع نسوة إلى مكة نريد الرضاع ومعي أتان ضعيف وشارف لنا لا ترض علينا بقطرة، وصبي لا ينام الليل من بكائه، فلما قدمنا مكة عرض علينا صلى الله عليه وسلم فما منا امرأة قبلته، وكان أبوه قد مات، فكرهت أن أرجع ولم آخذ شيئاً، وقد أخذت صواحباتي، فقلت لزوجي: لأرجعن إلى ذلك اليتيم فآخذه، قال قد أصبت، عسى أن يجعل الله فيه خيراً. قالت حليمة: فانطلقت وأخذته في حجري، فدر ثديي عليه فشرب وشرب أخوه حتى رويا ثم ناما وقام زوجي من الليل إلى شارفنا فإذا قد حفلت قالت: فشرب وسقاني وقال: إني أرجو أن تكوني قد أصبت نسمة مباركة، قالت حليمة: ثم خرجنا فذهبت الأتان أمام الركب فقالوا: يا حليمة أليست الأتان التي نعرف؟ قلت بلى. فقدمنا بلادنا وهي مجدبة، فوالذي نفس حليمة بيده إن كانوا ليسرحون أغنامهم إذا أصبحوا ويسرح راعي غنمي، فترجع أغنامهم جياعاً وترجع غنمنا شباعاً، فما كان في أرضنا من يشرب اللبن غيرنا.



الكتاب: نزهة الأشواق في أخبار المتيمين والعشاق
المؤلف: مجهول
المحقق: سعيد الغانمي
الناشر: منشورات الجمل، كولونيا، 2020.
بقي التراث العربي السردي يعاني من الإهمال طويلاً، بحيث يفتقر أي باحث في هذا التراث إلى أبسط الأفكار الأولية عن تاريخيته، أو عن تفحص أوجه العلاقة بين النصوص السردية، بل تغيب أبسط المعلومات حتى عن ن سخ المخطوطات السردية وأماكن توافرها. ولقد آن الأوان لإعادة النظر في هذا التراث السردي، بمنظور حديث لا يرى فيه مجرد خزين شعبي مبتذل (وضيع)، بل أن يعيد النظر فيه، ويكشف عن أوجه تعبيره عن عصره ومجتمعه بمعزل عن الكبرياء الزائفة التي كان يتقنع بها المعتمد (الرفيع) السابق.
وكتاب (نزهة الأشواق في أخبار المتيمين والعشاق) هو مثال من بين كثير مما استبعد تحت لافتة الأدب الشعبي (الوضيع)، لأنه لا يتجاوب مع معايير المعتمد الأدبي (الرفيع). فهو لا ينطوي مثلاً على مفردات وحشية من (غريب اللغة)، ولا على قوالب لفظية صقيلة، كما هو الحال في الشعر العربي التقليدي، بل إن الشعر فيه يقع في مرحلة وسطى بين البيان الهزيل أو الرتيب والتعبير الغنائي التلقائي العامي. والسبب في ذلك دون شك هو أنه يضع الشعر في خدمة السياق السردي لترتيب الأحداث قصصياً.
وينكشف كتاب (نزهة الأشواق)، عند تحليله نقدياً، عن طبقات تاريخية متعددة لا تخفى على نظر الناقد الحصيف. إذ تنتمي الأزمنة التاريخية لجميع قصص الكتاب إلى العراق حتى نهاية القرن الثالث الهجري، مما يعني أن كتابتها قد حصلتْ في القرن الرابع الهجري. وتشهد لغة السرد فيه على أنها كانت اللهجة البغدادية في ذلك العصر. لكن الكتاب ما برح يتعرض لطبقات زمنية أخرى أضافتْ إليه مادة أدبية من ناحية، كما هو الحال في نصوص الدوبيت التي أضيفتْ في القرن السابع الهجري تقديراً، أو في مسخ بعض التسميات العراقية والمظاهر اللهجية التي لم يفهمها النساخ المتتابعون للكتاب ممن لا ينتمون إلى البيئة العراقية.
يمكننا القول، ترجيحاً لا قطعاً، إن قِدم مادة الكتاب تتماثل، من حيث البناء السردي، في بعض أجزائها مع العناوين التي أدرجها ابن النديم في الفقرتين المخصصتين لـ(أسماء العشاق الذين عشقوا في الجاهلية والإسلام وأُلفت في أخبارهم كتبٌ)، و(أسماء العشاق الذين تدخل أحاديثهم في السمر). فقد أورد ابن النديم فيهما بعض العناوين التي تتماثل محتوياتها في الأغلب مع محتويات بعض الحكايات في (نزهة الأشواق)، على سبيل المثال ذكر ابن النديم (كتاب الفتى الكوفي مولى مسلمة وصاحبته)، ومن المحتمل أن هذه الحكاية هي حكاية (سيرة الصحصاح وما جرى له). وهي تشير إلى الأمير مسلمة في الجملة الافتتاحية منها. لكن ابن النديم ذكر أن الحكاية كانت في عصره (كتاباً)، فهل تم اختصارها في كتاب (نزهة الأشواق)؟ وكذلك من المرجح أن عنوان (كتاب عاشق الكف) يشير إلى (حكاية الطفيلي وإبراهيم بن المهدي) في (نزهة الأشواق). أما (كتاب عاشق الصورة) فيبدو أنه يشير إلى (حكاية ابن الخصيب صاحب مصر وما جرى له مع جميلة بنت وزير البصرة). ومن المحتمل أن (كتاب العاشق المجنون وسلم وجاريتها المخبلة) يشير إلى حكاية مماثلة للمادة في (حكاية عاشق البيمارستان) أو مستشفى المجانين. وأخيراً فالأرجح أن (كتاب الذلفاء وإخوتها والجني) لا يخلو من تماثل مع (حكاية الذلفاء ونجدة). ولعل (الجني) في (الفهرست) هو تصحيف اسم (نجدة). ويمكن العثور ذات يوم على بعض هذه النصوص، لكنْ يظل من المستبعد تماماً الوقوف على تماثلات حاسمة لا تقبل الاختلاف. ويكمن سبب ذلك في أن طبيعة النصوص السردية في تاريخ الأدب القديم كانت نصوصاً شفوية، وبقيتْ باستمرار عرضةً للتغيير اللغوي واللهجي والأسلوبي، مما أخضعها لطبقات متراكمة من الأزمنة التاريخية المتعاقبة، كما هو الحال مع نصوص كتابنا هذا.
ومما يدل على قدم الكتاب أننا نجد بعض نصوصه تتطابق أو تشرف على التطابق مع كتب من القرن الرابع الهجري. فقصة إبراهيم بن المهدي موجودة في (مروج الذهب) للمسعودي، تمثيلاً. وهناك نصوصٌ أخرى توجد في كتب أدب أخرى مثل (العقد الفريد).



الكتاب: مدرسة الفينومينولوجيا
المؤلف: بول ريكور
المترجم: عبد الحي أزرقان
الناشر: دار الكتاب الجديد، بيروت، 2020.
يضم كتاب في مدرسة الفينومينولوجيا مقالات حررت في مدد متباعدة ونشرت في مجلات مختلفة، غير أنه يتوفر مع ذلك على بناء متماسك يجعله من أهم المؤلفات الفلسفية المعينة على العلم بفكر إدموند هوسرل الذي هو مؤسس منهج وفلسفة ظلا حاضرين بقوة في فكر القرن العشرين. إنه كتابٌ يجمع بين تاريخ الفلسفة والفلسفة في آن واحد، ذلك لأن مؤلفه بول ريكور يرصد فيه المراحل التي قطعها فكر هوسرل بالعمل على تدقيق معظم المفاهيم وأهم الأفكار المؤسسة لهذا الفكر مع طرح الأسئلة التي تثيرها فلسفياً. هذا الاهتمام الأخير هو الذي يجعل العمل يتجاوز التأريخ نحو التأمل الفلسفي، إذ يستغل ريكور طرح تلك الأسئلة ليبين ثغرات فكر هوسرل، ولكن مع العمل في الوقت نفسه على إظهار تصدي الفيلسوف لهذه الثغرات عبر استئناف البحث والتأليف في موضوعات أخرى مختلفة عن موضوعات الانطلاقة. هكذا، ينتقل ريكور في كتاب في مدرسة الفينومينولوجيا من كتاب الأفكار إلى كتاب أبحاث منطقية إلى كتاب تأملات ديكارتية إلى كتاب الأزمة بسبب اهتمامه بإيجاد الرابط المنطقي الجامع بين مراحل تطور فكر هوسرل. وإن ما يميز المؤلف في تجاوزه للتأريخ نحو التفلسف في إطار هذا الكتاب هو كونه فيلسوفاً أولاً، وانتماؤه إلى التيار الفلسفي نفسه الذي يؤرخ له ثانياً. فمعلومٌ أن بول ريكور كان قد عكف منذ بداية مساره الفلسفي على كتابات هوسرل وعمد إلى ترجمة أهم مؤلف اشتهر به هذا الأخير في تأسيس الفينومينولوجيا وهو كتاب الأفكار. زد على ذلك أن المؤلف تبنى مختلف المنطلقات الفلسفية التي قامت من أجلها الفينومينولوجيا في مرحلة النشأة، ولا سيما التصدي للنزعة الوضعية التي اكتسحت مجمل حقول الدراسات الإنسانية وفي مقدمتها مجال السيكولوجيا.
يتبنى ريكور إذن الفكرة نفسها التي انطلق منها هوسرل ودافع عنها خلال مساره الفلسفي، وهي إعادة الاعتبار إلى الكائن الإنساني في مجال الفكر ليظل دائماً ذاتاً تمارس الفكر وتؤسس المعنى، وإن أصبحت موضوعاً للفكر في مجال ما من مجالات المعرفة. ولم يكن انتقاد ريكور لهوسرل ولا تقديمه للتيارات المعارضة لفلسفته، ولا سيما تلك التي تضفي عليها طابع المثالية، إلا لرصد مكامن القوة في الفينومينولوجيا الهوسرلية بغية الدفاع عن منطلق هذه الفلسفة الذي هو الإقرار بعدم اختزالية الكائن الإنساني في مجرد موضوع للبحث والمعرفة. إذ يظل الإنسان في نهاية المطاف الكائن الممارس للمعرفة والباني لموضوعها، أي يظل الكائن المتميز بالحرية، البعد الإنساني الذي افتتح به ريكور مساره الفلسفي في أطروحة الدكتوراه عندما اختار الاشتغال على مسألة الإرادة. وكذلك، تجدر الإشارة إلى أن تطوير ريكور في هذا الكتاب لمكامن قوة الفينومينولوجيا ولحدودها في آن واحد يعد توطئةً للموضوع الثاني الذي ارتبط به اسمه في الفلسفة، أي مسألة الهرمينوطيقا. وأظن أن جمع الكاتب بين رصد الأفكار المؤسسة لفلسفة هوسرل ودفاعه عنها بتأييدها وتعميقها فيما يتعلق بمسألة المعنى هو الذي يسوغ حضور كلمة (مدرسة) إلى جانب كلمة (الفينومينولوجيا) في عنوان هذا الكتاب. إنها مدرسةٌ لمن يود العلم بالفينومينولوجيا بوصفها منهجاً وفلسفةً، وكذلك لصاحب الكتاب نفسه الذي أخذ منها المكونات النظرية اللازمة لتطوير الشق الثاني من فكره المتمثل في مد موضوع التأويل من الذات والوجود إلى مجال الخطاب والنص، أي من مجال فلسفي ضيق إلى مجال آخر أعم هو الهرمينوطيقا.


مشموم العرب
انحازت الثقافة العربية إلى ثقافة الحواس المادية: السمع والبصر، واللمس والذوق، والشم. وهنا تتكشف عناصر الحضارة العربية، في معنى العلاقة بين حاسة الشم عند الإنسان العربي وبين المشمومات، من كل أنواع الروائح، وميزت حاسة الشم، منذ وجود العرب قبل الميلاد وبعده.
ذكر أبو الحسن السري بن أحمد بن السري الكندي الرفاء (توفي في القرن العاشر الميلادي):
والسّوسن مسبوكة ورقاته، متراكبة طبقاته، كأنه شقق صينيّ الحرير الممهّد على قدود رابية من خضر الزبرجد. ليِّن المسِّ، عبق المشمّ، خضل الورق، كأنه من رقَّته وشاح ولنفحته نضاح، كهدب الوشي المبلول أو نسيم السّحر المطلول.
كأنَّ أوراقه في كل شارقةٍ
    على الميادين أذنابُ الطواويسِ
والآذريون يشدّ الليل أزراره، ويفتح الصبح أبصاره كأنه كأس عقيق بقرارة مسك سحيق، أو نقطة مسك في خدّ متيَّم، أو إيماض بارقة في غيم أسحم، أو دارة سبج في صحيفة زبرج:
أزرارُ ديباجٍ إذا الليلُ دجا
    وهنَّ في الصبح عيونٌ ساميهْ
والجلَّنار مشبع الصبغة قانئ الحمرة مضرَّج بالدَّم كمنحر البدن، أو قوارير خمر عاقرت ساحة الدنِّ:
يدعو إلى وردةٍ مورَّدةٍ
    حمراءَ مصبوغةِ القواريرِ
إذا وَنَتْ في الأكفِّ حَثْحَثَها
    للسيرِ نطَّاقةُ المزاميرِ
فثارَ لِلَّهو والهوى رهجٌ
     تحسبه وقعةَ المغاويرِ
فكم قتيلٍ على الكؤوسِ بها
    وكم جريحٍ بجنبِ مأسورِ
حتَّى إذا خلف الاعتدال الربيعيّ الاعتدال الخريفيّ، فانثنت القضبان متساقطة والثمار متهدّلة والفواكه يانعة متلوِّنة الأصباغ منفوضة الأزهار، وعادت بعد بشاعتها شهية، وغبَّ مماتها فخمة متصلة أنابيبها بالأفنان أعطافها وحواشيها، كأنها أشربة واقعة دون أوانيها، قد أماعها الحر بلفحاته، وعقدها القرُّ بنسماته، وأنضجتها الشَّمس، وصبغها القمر، فهي ظروف هواء على صبابات نور، أوْ أوعية ملاء من الضرب المنثور، طالعك الزعفران غريب الوجه والبنان أنيق الوقت والأوان في أغشية المصمت الأزرق، كأنها نصول السهام أوْ تخطيطات الألفات على الأكمام. فإذا وهت حروفها واتسع بأعاليها فتوقها، زافت كألسنة الحيات مذعورة، أوْ أعراف الخيل منشورة، أوْ شوك الإبر مضمّخات بصفرة فاقعة، أوْ حمرة قانية، كأنهنَّ حياء تحمرُّ أوْ مخافة تصفرُّ:
حُمْراً وصفراً في تراكيبها
كأنها تخجلُ أو تُذعرُ
قد ذكرنا بعض نعوت الربيع في صدور المقالة قولاً منثوراً، ونحن متبعوها بجميع صفات فصله وسحائبه وبروقه ورعوده وأنهاره وغدرانه ومصانعه وملاءته وأزاهير فضائه وسجسج هوائه شيئاً فشيئاً مبوّباً مرتَّباً، وبالله الحول والقوة والتوفيق.
وأما باب الربيع، فأنشد علي الأسواري هذه المقطوعة:
أوائلُ رسلٍ للرَّبيعِ تقدَّمتْ
    على حسن وجهِ الأرض خيرَ قدومِ
فراقتْ لها بعدَ الممات حدائقٌ
    كواسٍ وكانتْ مثل ظهر أديمِ
كأنَّ اخضرارَ الرَّوضِ والنَّورُ طالعٌ
    عليه سماءٌ زُيِّنت بنجومِ
إذا افتضَّها لحظُ البصير بلحظةٍ
    توهَّمها مفروشةً برقومِ
تردَّتْ بظلٍّ دائمٍ وتضاحكتْ
    بضحكِ بروقٍ في بكاءِ غيومِ
فأوردها فحلُ السَّحاب عرائساً
    ضعافَ القِوى من مرضعٍ وفطيمِ
كمثلِ نشاوى الرَّاح يلثمُ دائباً
    إذا الرّيحُ جادتْ بنتها بنسيمِ
الخليع:
ضحكت ضواحي الأرض لمَّا رقرقتْ
    ظهرانهنَّ مدامعُ الأنواءِ
فترى الرّياضَ كأنَّهنَّ عرائسٌ
    يُنقلنَ من صفراءَ في حمراءِ
البسَّامي:
أما ترى الأرضَ قد أعطتكَ زهرتَها
    بخضرةٍ واكتسى بالنَّوْرِ عاريها
فللسماءِ بكاءٌ في جوانبها
    وللرَّبيعِ ابتسامٌ في نواحيها
الزاهي وأحسن فيه:
هذا الربيعُ وهذه أنوارُه
    طابتْ لياليه وطابَ نهارهُ
درِّيَّةٌ أنوارهُ فضيَّةٌ
    أنهارهُ ذهبيَّةٌ أشجارُهُ
متأرِّجٌ نشواتهُ متبلّجٌ
    ضحواتهُ ومتبرِّجٌ أسحارُهُ
والماءُ فضيُّ القميصِ مفروزٌ
    ببنفسجٍ واللازوردُ شعارُهُ

ذو صلة
التعليقات