مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

نظرية العدوى والموقف من الحجر الصحي

بدأ التفكير في الحد من التحركات البشرية باعتبارها عاملاً رئيساً في اكتساب ونقل الأوبئة، حيث بدأ استخدام العزل الصحي فعلياً بمدن إيطاليا الشمالية منذ عام 1450، إذ اتخذت مجموعة من الإجراءات الوقائية للحد من خطورة الأوبئة والتي يمكن إجمالها فيما يلي: تحديد تحركات الناس زمن الطاعون، ودفن الموتى بسببه في أماكن خاصة مع تغطية القبور بالجير، والتخلص من ملابس وأغراض المطعونين بالحرق، وعزل المرضى في أماكن خاصة، مع فرض البلديات لضرائب مقابل تقديم خدمات صحية زمن الأوبئة، وهذه الإجراءات انعدمت في العالم الإسلامي. فلماذا اعتمدت الدول الأوروبية العزل الصحي للوقاية ضد الطاعون منذ أواسط القرن الخامس عشر، أي قبل التوصل للسبب المسؤول عن المرض بحوالي أربعة قرون ونصف.
فُرض العزل بالغرب تباعاً على الرغم من كون الأطباء آنذاك كانوا يجهلون طريقة انتقال الأوبئة، وبالمقابل لم تنتشر في الشرق الإسلامي إجراءات مماثلة على الرغم من معرفة الأطباء العرب بالنظرية العامة للعدوى، فالطبيب الرازي (ت 311هـ/ 923م) اعتبر في كتابه (الحاوي في الطب) الجذام والجرب والسل من الأمراض المعدية.
يبدو أن الدول الغربية استنبطت النظرية العامة للعدوى من الأطباء المسلمين، وبناء عليها أقروا إجراءات العزل، فكتاب الحاوي الموسوعي طبع عشرات المرات بأوروبا، وكتاب القانون لابن سينا ظل معتمداً لديهم ضمن مقررات الدراسات الطبية حتى القرن التاسع عشر.
إن نظرية العدوى كانت متداولة بين الأطباء المسلمين منذ القرن العاشر الميلادي، فقد كانوا على دراية بمفهومها العام على الرغم من عدم تمكنهم من معرفة الطريقة التي يتم بها ذلك، ولا شك أن الأوروبيين تنبهوا إلى هذه النظرية من خلال دراساتهم لكتب الرازي وابن سينا حين احتكوا بها لأول مرة، وقد ازدادت معرفة الغرب بنظرية العدوى وتعززت إبان القرن الرابع عشر الميلادي، وهي الفترة التي تزامنت مع نشر الرسائل والمؤلفات التي كتبها الأطباء العرب في الأندلس عن هذا الموضوع تحديداً، وبالخصوص الطبيب الوزير ابن الخطيب الذي ألف في الطاعون الأسود مقالة (مقنعة السائل عن المرض الهائل)، ويتضح من خلالها للقارئ تأكيده على كون (الوباء الغريب القادم من الصين من شأنه وخواصه السعي والانتقال والدبيب فيما يجاوره من الأرض البعيدة)، ودافع بكل ما أوتي من قوة على كون العدوى تنتقل من شخص لآخر بالمخالطة وعن طريق المتعلقات الشخصية للمريض، بل إن ابن الخطيب قد وضع بدقة أسس علم الأوبئة من خلال تأكيده على انتقال العدوى من المنزل إلى المنازل المجاورة وإلى الأقارب، بل إنه تحدث عن انتقال العدوى بين المدن عن طريق السفن والتجارة البحرية، يقول ابن الخطيب: (فإن قيل كيف نسلم بدعوى العدوى وقد ورد الشرع بنفي ذلك، قلنا لقد ثبت وجود العدوى بالتجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والأخبار المتواردة، هذه هي مواد البرهان، وغير خفي عمن نظر في هذا الأمر أو أدركه هلاك من يباشر المريض بهذا المرض غالباً وسلامة من لا يباشره، كذلك ووقوع المرض في الدار والمحلة لثوب أو آنية حتى القرط أتلف من علق بأذنه وأباد البيت بأسره، ووقوعه في المدينة، في الدار الواحدة، ثم اشتعاله منها في أفذاذ المباشرين في جيرانهم وأقاربهم وزوارهم خاصة، حتى يتسع الخرق. وفي مدن السواحل المستصحبة حال السلامة، إلى أن يحل بها في البحر من عدوة أخرى قد شاع عنها خبر الوباء رجل، فيكون تاريخ ظهور المرض بها مقارنا لحلوله). ثم يذكر ابن الخطيب حالات من العزل ساهمت في سلامة فاعليها من العدوى، كالزاهد ابن أبي مدين بمدينة سلا، فقد كان من القائلين بالعدوى حسب ابن الخطيب الذي تحدث في رسالته على أن هذا الولي(تزود لمدة وبنى باب منزله على أهله وهم كثيرون وفنيت المدينة)، ولذلك لم يصبه شيء من ذلك، ويستطرد حالات أخرى سلمت من الوباء منها مناطق منقطعة عن الناس لا تصلها الطرق، والسجن الذي خصصه الإسبان بإشبيلية للمسلمين في زمانه سلم من الوباء لعزلته. وللوقاية من الوباء نَبَّه ابن الخطيب إلى ضرورة (اجتناب مضان الفساد من المريض والميت أو ثوبه أو آنيته أو أكته أو سكنى محله أو مجاورة البيت الذي فشا في أهله ومتى دعت الضرورة إلى بعض ذلك كانت المخاطرة). وتأتي رسالة ابن الخطيب لترد على بعض فتاوى الفقهاء من منكري العدوى استناداً على الدليل السمعي، وهي الفتاوى التي اعتبرها خطراً على العامة، بل هي من أهم أسباب كثرة الموتان لإقرارها الجازم بنفي العدوى بالمخالطة آخذاً بظاهر بعض الأحاديث النبوية، فالدليل السمعي في نظر ابن الخطيب إن عارضه الحس والمشاهدة لزم تأويله بما ذهب إليه طائفة ممن أثبت القول بالعدوى، وفي الشرع مونسات عديدة كقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يورد ممرض على مصح). وقول الصاحب: (أفر من قدر الله إلى قدره)، وبذلك يكون ابن الخطيب أول من خالف علناً وبشكل صريح موقف جمهور العلماء، بل إنه انتقد قراراتهم التي أصر على كونها خاطئة ومهلكة، لأن مكمن الخطر في الأوبئة يتمثل في العدوى والانتقال، وشبه خطر هذه الفتاوى بخطر الخوارج، إذ المضرة الناتجة عن نفي الفقهاء للعدوى سببها وقوفهم مع ظاهر الحديث، وبذلك التمس لهم العذر، إذ لم يكن قصدهم ضر الناس، لكنه حذر من استمرار هذا المنهج في الاستدلال الفقهي الخاطئ، لأن فيه استرخاصاً لنفوس المسلمين). وختم ابن الخطيب رسالته بتنويه خَصَّ به الفقهاء من أهل الورع بالأندلس ممن أعلنوا جهاراً التراجع عن فتاويهم النافية للعدوى احترازاً من الإلقاء بالأنفس إلى التهلكة، بقوله: (وقد وقف قوم من أهل الورع بالعدوة مستقلين مشهدين على أنفسهم بالرجوع من الفتوى بذلك تحرجاً من تسويغ الإلقاء بالسيد إلى التهلكة عصمنا الله من الخطأ، ووفقنا في القول والعمل انتهى ما تيسر تقييده). هذا الموقف الاستثنائي والمُجدد نجد له صدى لدى معاصره الطبيب ابن خاتمة الذي ألف بدوره رسالة في موضوع الطاعون الأسود سماها تحصيل غرض القاصد في تفصيل المرض الوافد، وقد قطع فيها بوجود العدوى وانتقالها من المصابين للأصحاء بقوله: (الظاهر الذي لا خفاء به ولا غطاء عليه أن هذا الداء يسري شره ويتعدى ضره، شهدت بذلك العادة وأحكمته التجربة، فما من صحيح يلابس مريضاً ويطيل ملابسته في هذا الحادث إلا وتتطرق إليه آفته ويصيبه مثل مرضه عادة غالبة أجراها الله)، وأقر انتقال العدوى عبر استخدام لباس وأفرشة المطعونين، ويعزز كلامه بمشاهداته لتجار سوق بالمرية (الذين كانوا يبتاعون ملابس الموتى وفرشهم مات أكثرهم ولم يسلم منهم ولا من الذين خلفوهم إلى الآن إلا الأقل وغيرهم من أرباب الأسواق وحالهم كحال سائر الناس)، ولتأكيد حجية رؤيته استدل بحال بلدان حرص أهلها على أن لا يدخل إليهم أحد من بلاد الوباء وحافظوا على ذلك أن استصحبوا السلامة زماناً حتى غلبوا على ذلك، وأقر (أن أكثر أهل الحصون التي تلي المرية ونزل بها هذا الحادث ليؤرخون زمان نزوله بهم بقدوم فلان أو فلانة عليهم من بلاد الوباء وموته بين أظهرهم)، وهذه الشواهد كلها عززت لديه فكرة انتقال الوباء التي بناها على التأمل والاعتبار وطول التجربة ليخلص في النهاية إلى أن (الذي يلابس مريضاً ممن نزل به هذا الحادث فإنه يطرق إليه مثل ذلك المرض بعينه وتظهر عليه أعراضه بعينها، فإن كان ينفث الدم نفث هو الدم أو كان به ذبحة حدث له ذبحة كذلك، أو برزت له طواعين في موضع من مغابن جسده برز له في ذلك الموضع بعينه مثلها، أو خرجت له قرحة في بدنه مرض هو من مثل تلك القرحة، وكذلك من لابس من يُلابسه حتى أن أهل المنزل يَعُمُّهُم مرض واحد وأعراض متشابهة، فإن كان المرض مُهلكاً تبعوه في الهلاك أو صار أمره إلى نجاة). وتنبه ابن خاتمة إلى اختلاف سرعة الانفعال أو قوة المدافعة اتجاه الوباء، بقوله: (لكن يقع التفاوت بالإصابة حسب الاستعداد)، وفي عبارة الاستعداد المستعملة لدى ابن خاتمة ما يُوحي إلى مفهوم المناعة المُكتسب، وهو سبب حصانة البعض من الإصابة والموت.
للمساهمتين الأندلسيتين أهمية كبرى في تاريخ طب الأمراض المعدية، فهما يمثلان منعطفاً غير مسبوق في تاريخ علم الأوبئة، ونضيف لهما خلال نفس الحقبة مساهمة القاضي تاج الدين السبكي، الذي عاش بالشام، فقد اشتهر بقوله: (والذي نقول في ذلك إن شهد طبيبان عارفان مسلمان عدلان أن ذلك (يعني مخالطة الصحيح للمريض) سبباً في إيذاء المخالط فالامتناع من مخالطته جائز).
لم يلتفت الفقهاء فيما بعد لهذه الإسهامات الثلاثة الفريدة من نوعها، ولم يتم تطوير أفكارهما وتعزيزها في اتجاه تجديد المعرفة الطبية بشأن الأوبئة والطواعين، بل السطوة ستكون لتيار الفقهاء المحافظين ممن استمروا في إنكار العدوى، فبعد هؤلاء بزمن قصير وقعت انتكاسة حقيقية في التصور، وذلك بتأليف الحافظ ابن حجر العسقلاني كتاباً سماه بذل الماعون في فضل الطاعون، وهو الكتاب الذي غدا مصدراً لأدبيات الطواعين في العالم الإسلامي منذ تلك اللحظة وإلى غاية بدايات القرن العشرين، وفيه يعرض أقوال المذاهب الفقهية، ويرجح الرأي القائل بنفي العدوى أصلاً، مع تأويله الأحاديث التي يُفهم منها الإثبات لمحو التعارض من خلال التأكيد أن الأمراض لا تعدي بطبعها، ورَدَّ قول السبكي بقوله: (لا تقبل شهادة من يشهد بذلك، لأن الحس يكذبه، فهذه الطواعين قد تكرر وجودها في الديار المصرية والشامية، وقل أن يخلو بيت منها، ويوجد من أصيب به من يقوم عليه من أهله وخاصته ومخالطتهم له أشد من مخالطة الأجانب قطعاً، والكثير منهم بل الأكثر سالم من ذلك، فمن شهد أن ذلك سبباً في أذى المخالط فهو مكابر)، وبذلك أصبح رأي الحافظ في المسألة محل إجماع الأغلبية، حيث سيؤسس (لتقليد إنكاري راسخ) لا يحتمل بتاتاً إمكانية وجود العدوى، وقد أصبح من الصعب تجاوز هذا التقليد على الرغم من وجود قرائن تخالفه، وهكذا أُهملت المساهمات التنويرية للأطباء المسلمين المبنية على حقيقة العدوى بالتجربة والاستقراء والحس والمشاهدة والقرائن المعاضدة وتأويل ظاهر الأحاديث النافية للعدوى لتتوافق مع الأحاديث المثبتة، حيث تم التهجم عليها وتسفيهها، وتوارت إلى الظل بشكل نهائي وتم نسيانها، وهو الأمر الذي يفسر تخلف المواقف تجاه الأوبئة لاحقاً بالعالم الإسلامي، فالكتابات الفقهية ستكرس منذ لحظة ابن حجر العسقلاني النظرة التقليدية التي عجزت عن استيعاب التطورات اللاحقة في مجال الأساليب الوقائية تجاه الأوبئة، فترسخت ذهنية سلبية قَدَرية مُستسلمة للوباء باعتباره وخزاً من الجن وعقاباً إلهياً، وكان هذا سبباً في رفض الفقهاء والعامة الأساليب الوقائية التي نهجتها الدول الأوربية لاحقاً في البلدان الإسلامية في فترة التغلغل الاستعماري وبدايات الاستعمار، والتي عُرفت بالكرنتينة (الحجر الصحي).
وإذا كان للأطباء المسلمين سَبْقُ إثبات نظرية العدوى، فإن للإيطاليين فضل اختراع مقاومة الوباء من خلال العزل الصحي، وهو التقليد الذي يستند إلى خبرة سابقة في التعامل مع بعض الأمراض المعدية قبل الطاعون، ونقصد الجذام تحديداً، حيث كان خوف الناس من عدواه سبباً في عدم تقاسم المأوى معهم، ولهذا وُجدت مستشفيات خاصة بهذا الداء المعدي، فممارسة عزل المجذومين كانت مشهورة، وقد أشار ميشيل فوكو في كتابه تاريخ الجنون إلى أن هذا الداء اختفى مع نهاية القرون الوسطى تقريباً من العالم الغربي بفضل الإجراءات الإقصائية التي تعرضوا لها، إذ كان يُزج بالمجذومين في أماكن خاصة، وهكذا أصبحت مؤسسات الجذام فارغة منذ القرن السادس عشر بعد اختفاء هذا المرض، ليتم إعدادها مجدداً لاستقبال مرضى الأمراض التناسلية والمجنونين، الذين وجدوا مواقع لهم في فضاءات عالم الحجر. هذا السلوك الذي هو الحجز لم يجد البيئة الملائمة في البلاد العربية والإسلامية لتعارضه مع الثقافة العالمة الفقهية التي ترسخت عبر الزمن من خلال كتابات العلماء في الطعن والطواعين، والتي ظلت تردد نفس المقولات ونفس الأطروحات، بالإضافة إلى سيادة تقاليد مُعيقة للحجر الصحي ومنها إلزامية الصلاة الجماعية في المساجد، والتي كان من المستحيل تعطيلها، بالإضافة إلى قدسية طقوس الدفن التي تنبني على ضرورة غسل جثة المتوفى وتشييعها بشكل جماعي بعد الصلاة عليها، كما سادت ثقافة عيادة المريض باعتبارها ممارسة متجذرة تستوجب الأجر الكبير بنص الأحاديث المتواترة، والتي خصصت لها أدبيات الطواعين فصولاً كاملة.
لقد سارت كل الأدبيات الفقهية على نفس منوال ابن حجر العسقلاني في معارضة وجود العدوى، وإن كنا لا نستطيع أن نحيط بكل ما كتب في هذا الموضوع، إلا أن ما يشفع لنا هو أن كل النقاشات التي تطرق لها الفقهاء عن العدوى تُكَرِّرُ ما سبق إقراره، حيث يُكَرِّرُ اللاحقون ما قرَّره السَّابقون دون أي اجتهاد أو تجديد، فجميع الفقهاء بعد عرضهم للأقوال المختلفة، يقررون في النهاية ترجيح عدم انتقال العدوى جملة وتفصيلاً، ويُلصقون هذا الاعتقاد بالعرب قبل الإسلام، والذين كانوا يعتقدون أن المرض يُعدي وينتقل من المريض إلى الصحيح، إلى أن أنكر النبي صلى الله عليه وسلم اعتقادهم، وأبطل العدوى بحديث: (لا عدوى ولا طيرة). لقد ظل هذا الموقف الشرعي النافي للعدوى ساكناً وثابتاً، لم يتغير بتاتاً ولم يهتز على الرغم من تغير الأزمان وتمايز الظروف، ومن المُفارقات أن الرأي الفقهي تطرق لمسألة عدم جواز الفرار من أرض نزل بها الطاعون، أو القدوم على أرض حَلَّ بها الطاعون استناداً للأحاديث النبوية دائماً، لكنهم لم يستنبطوا من هذه الأحاديث أي اجتهاد يتعلق بحقيقة العدوى، بل، على العكس من ذلك، نحى الاتجاه التفسيري للبحث عن الأسباب فيما هو غيبي، فإنكار الفرار من أرض الطاعون لم يفسر بسبب العدوى التي يمكن أن يحملها الهاربون، وإنما أنكروا ذلك لكونه هروباً من قدر الله، وفراراً من الشهادة، فكان موقفهم تسليماً بمجرى القضاء والقدر. أما النهي عن الدخول إلى بلد الطاعون فهو عندهم مذموم لكونه يدخل ضمن تعريض النفس للبلاء.
أما في قضية الهروب من أرض بها الطاعون فإن ذلك كان محرماً عند الفقهاء بنص الحديث، لأنه لا يجوز الفرار من نيل أجر الشهادة، وهذا الموقف كان يجعل الناس في وضعية العُزَّل تماماً عند ظهور الوباء، فالاحتراز والهرب ممنوع، لكن ذلك لم يمنع الناس من خرق المحظور، على الرغم من أن هذا السلوك منهي عنه شرعاً، لكن لم تكن هناك إجراءات عملية لمنعه، ومع ذلك فقد ظل الهرب في العالم الإسلامي أقل حدة مما كان عليه الأمر في أوروبا، فقد كانت النصيحة الرائجة في زمن الطاعون الأسود بالغرب: (اهربوا بسرعة إلى مكان بعيد والبثوا هناك مدة طويلة)، وكان الهرب هو الوقاية الأسلم للنجاة قبل استفحال الوباء، وقد انتشرت هذه الظاهرة في صفوف الأثرياء الذين كانوا يرسلون نساءهم وأطفالهم إلى الريف، بينما الفقراء لم تكن لديهم أماكن يفرون إليها فيظلون في مكانهم الموبوء. لقد كان الاحتياط المألوف هو الهروب حسب فرنان بروديل، فإذا ما نودي بأن الوباء تفشى يتوجه الأغنياء إلى بيوتهم الريفية، فارين إليها فراراً، لا يفكر الواحد منهم إلا في إنقاذ نفسه وذويه، لكن هذه الممارسة سرعان ما اختفت في الغرب بسبب تصدي المدن والمجالس الصحية لها بقوة القانون، فقساوة إجراءات الحجر الصحي والخوف من انتقال العدوى كانت هي السبب لا الخلفية الدينية.
من المعلوم كما سبقت الإشارة إلى كون أوروبا أول من اعتمد التدابير الصحية الوقائية منذ القرن الرابع عشر، ثم وحدت سياستها في هذا الميدان، وبالرغم من تطور البحث السريري ونهضة الجراحة مع تشريح جثث موتى الطاعون إلا أن العلاج ظل متعذراً، ولذلك تم الاهتمام بإجراءات العزل بأوروبا، وبدأ الاهتمام يتوجه أساساً للصحة العامة ومرافقها، فظهرت طواقم طبية خاصة، كما ظهر طبيب البلدية (طبيب الطاعون)، وأمام تنامي الضغوطات ضد البلدان الإسلامية تأسست مجالس صحية دولية تكونت من أطباء وقناصل أجانب وممثلين عن تلك البلدان، ومن أهم التدابير التي كانت تتخذها هذه المجالس فرض حجر صحي على السفن القادمة من الحج والمشكوك في حالتها الصحية، وهو ما عرف بالكرنتينة. التي رفضها الفقهاء جملة وتفصيلاً، ووصفوها بالإجراء الشنيع الممنوع عرفاً وديناً ووسموها بالبدعة.
عارضت الأدبيات الفقهية كل إجراءات العزل التي فرضها الأوروبيون في البلاد العربية والإسلامية، فقد صدرت تقييدات وفتاوى شرعية بتحريم الكرنتينة، ومن المفارقات اللافتة للنظر كون ممارسة الأوروبيين للحجر الصحي تنبني على نظرية العدوى التي وضع أسسها الأولى الأطباء المسلمون، وعارضها بقوة الفقهاء وعلماء الدين، وبذلك يتضح أن البلدان الإسلامية أنتجت مفهومين متباينتين إلى درجة التضاد في مسألة العدوى، بيد أن الاتجاه القدري هو الذي ساد ونما واستمر، وظل هذا الاتجاه الجامد بعيداً بمسافات طويلة عن واقع المستجدات التي توالت بشكل سريع منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث تم فك شيفرة الطاعون الأسود الذي حير العالم، لينتهي بذلك كابوس الموت الذي قتل الملايين من البشر بعد اختراع المصل المضاد لعصية الطاعون الدبلي، وذلك سنة 1894م، لتتحقق بذلك ثورة حقيقية في مجال علم الأوبئة، حيث تم عزل الجرثومة اليرسينية، وبذلك تم فهم ماهية هذا المرض البكتيري الذي حير العلماء في السابق، وكشفت جميع أسراره التي ظلت عصية عن التفسير لقرون طويلة، فقد تبين أن الطاعون كان ينتقل من الفئران للإنسان عبر وسيط ناقل (عائل) هو البرغوث الأصلم. فهذا الأخير كان يعيش في فروة رؤوس الجرذان التي تعيش بمقربة من الإنسان (في الأقبية والعربات المتنقلة والقوارب)، وحين كانت تصاب هذه القوارض بالجرثومة العصية تموت، فتبحث البراغيث التي تعيش في فروتها عن بديل تقتات عليه، وهي تحمل في أمعائها الجرثومة الوبائية، فتتجه للإنسان ناقلة العدوى له حين تقرصه، وهكذا يبدأ الموت في صفوف الناس. أما الكوليرا فقد تبين أن جرثومة تنتقل عبر المياه الملوثة وعن طريق براز المرضى هي السبب وراء انتشارها، كما تم تحديد الأسباب التي تقف وراء كل أنواع الأمراض المعدية سواء كانت جراثيم أو فيروسات، وبالرغم من نجاح الأسس الإمبريقية لنظرية الجراثيم مع توالي الاكتشافات إلا أن الأفكار القديمة بشأن ربط الطاعون بمس الجن لم تختف بشكل نهائي، وظلت تتكرر باستمرار، فالفقيه المختار السوسي اعتبر في كتابه المعسول أن الطاعون الذي عرفته سوس عام 1918 من وخز الجن.

ذو صلة
التعليقات