مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

ثالثهما العزلة

  ترتبط الكتابة عندي بالعزلة دائماً، على الرغم من أني غالباً ما أكتب مقالي الصحفي في مطبخ المجلة وسط حركة الصحفيين وتعليقاتهم وضحكاتهم وصراخهم بسبب ضيق الوقت أي أني تعودت أن أكتب عملياً وسط ورشة مزدحمة بالضجيج، لكن الأمر يختلف تماماً حين أكتب الأدب. أحتاج لسماع موسيقى ناعمة فحسب وتوترني كل حركة في البيت لذا اخترت أن أكتب في الليل معظم الوقت والجميع نيام، أو في الصباح بعد أن يذهب أبنائي إلى المدرسة وزوجي إلى المصنع.
تشتت تفكيري أقل حركة وتخرجني من تركيزي في الصيد ذلك التركيز الذي يحتاج كامل الانتباه والهدوء لتأمن الكلمات والأفكار وتتقدم نحوي دون خوف تلتقط الطعم فأقتنصها. لا تأتي الكتابة من عقلي وحده بل يشاركه كياني كله حتى أني كثيراً ما أشعر أن شخصياتي لا تظهر على الورق إلا بعد أن أسمح لها بالخروج من جسمي ذاته، لأني أكون قد تقمصتها وأحببتها وشاركتها كل لفتة وكل عنصر من عناصر تكوينها. يتطلب وجودها الأمان الكامل والصدق حتى تعطيني نفسها وتحيطني وتشاركني تجليها. مثل هذا النوع من العلاقات يحتاج إلى لقاءات سرية لا يعرفها سوانا وفيها نتصارح بما لا يمكن إعلانه حتى على الصفحة البيضاء ففيها نتفق على ما يذكر وما يترك للقارئ ليصله بالحدس ويكمله بخياله ليشاركنا مؤامراتنا الصغيرة، وفيها تكشف الشخصيات عن ضعفها وقلة حيلتها، وأحياناً عن جبروتها وقسوتها وتناقضات تركيبها ونختار معاً ما يشير إلى جوهرها الإنساني فأنا أنحاز إلى الضعف، وأتلمس طريقي بصعوبة لأتعرف على مكمنه في باطن الإنسان لا ظاهره، لذا تصبح لقاءاتي بأبطالي حميمية وهادئة وتحتاج إلى التواري والعزلة، وأحياناً عاصفة وغاضبة وتحتاج إلى العزلة أيضاً.
كنت محظوظة عدة مرات بالهرب برواية لي إلى شاليه على شاطئ البحر في مصر أو خارجها، وما كتبته في رحلات الهرب هذه في أسبوعين كان يعادل ستة أشهر من منجز الحياة العادية في القاهرة. هل عرفتم الآن لماذا تكون العزلة ثالثتنا؟
فماذا عن العزلة الإجبارية مع كورونا؟
صادف أني كنت قد أنهيت كتابة رواية جديدة لي قبل الإعلان عن جائحة كورونا بأيام وكنت قد منيت نفسي بالخروج من عزلتي ومقابلة الأصدقاء والسفر ورتبت برنامجاً للأعمال الصغيرة البعيدة تماماً عن الكتابة وتطورت الأمور بسرعة واجتاح الوباء أمننا وطبقت عزلاً حقيقياً وتصورت أن هذا العزل سيأتي بالكتابة لكنها متمردة مثل صاحبتها ولا يمكن تطويعها لكي تتوافق مع الظروف.
لم تتركني، طرحت في ذهني أسئلة الوجود مجتمعة. أسئلة مستقبل العالم. مستقبل الصراع بين الخير والشر بين القوى التي تريد فرض السيطرة واستعباد البشر من أجل مصالح اقتصادية بحتة بادعاء شعارات مضللة، والناس البسطاء الذين يريدون السعادة في الحياة الطبيعية الخالية من الاستغلال والحروب، وهي فكرة فرضت نفسها على ذهني والكتابة بعد ثورة يناير في مصر وما جرى فيها من انهيار أحلام الناس وسرقة تضحياتهم فكتبت روايتي مدن السور عن كيف يكون شكل العالم بعد سنوات كثيرة إذا ظل الحال على ما هو عليه.
وتنبأت بحصار رقابي يقرأ الأفكار ويتحكم في المشاعر ويقسم البشر في العالم كله إلى نوع بدائي طبيعي، ونوع فوقي يملك كل الإمكانيات والسلطات، ونوع ثالث (بزرميط) وهي صفة تطلق على الحمام الناتج من تزاوج الأنواع فيصبح خليطاً غير معترف به، وانتصرت للمقاومة فخرجت الرواية دستوبيا مؤلمة عانيت من الخروج من عالمها لفترة طويلة وما زال هذا العالم يناديني رغم هروبي منه بمعجزة. فلما طرحت الشكوك حول اللقاح ضد الفيروس بدأ الأصدقاء يذكروني بما كتبت عام 2017 ولاحظت أن عالم هذه الرواية قد عاد لفرض نفسه على حياتي مرة أخرى.
هششت الفكرة وقررت أن أعيش غارقة في أشيائي الصغيرة مثل باقي البشر. لكن الأمر لم يكن سهلاً، ومع هذا لم أستسلم فأنا لا أعرف شكلاً للحياة بلا برنامج أو انشغال. وسرعان ما هاجمتني كل الأوهام والأوجاع. سألت نفسي هل أعود لقراءة الرواية التي أنجزتها؟ وجاء الرد سريعاً جداً أنا أكره كل الكتابة ولا أعرف كيف أكتب من الأساس. قلت هذا اكتئاب ما بعد الولادة أقصد الكتابة.
 الخوف من المجهول والفراغ الذي يحط فوق صدري بعد كل عمل ويجعلني أؤجل الانتهاء منه وأستعذب مراجعته عشرات المرات كي لا يفلت من يدي حتى أسمح له بالانفلات والطيران. فطام آخر يعاني منه الكاتب وعمله ينسلخ عنه. أخاف أن أقضي يوماً واحداً من دون أبطالي من دون الغرق في عالمهم. أن أصحو من نومي على لا شيء. ألا يكون هناك موعد بيني وبينهم نتفق عليه معاً لتعميق ملامحهم وإضافة تفاصيل لحياتهم، والعراك مع النص كي يشكل بنية تعطيهم أفضل ظهور والتوسل إلى اللغة كي تكون لغتهم هم لا لغتي أنا. قبول باستقلالهم ليصبحوا أنفسهم. معركة مع الوقوع في غرام النص بغض النظر عن ضرورة ما كتب في صناعة نص محكم. اشتباك يومي ممتع ومضن لا تكون حياتي إلا به.
قررت أن أهيئ غرفة مكتبي لاستقبال عمل جديد، أعدت المراجع التي استخدمتها إلى مكانها فوق الرفوف، وبدأت في الجرد السنوي المعتاد للتخلص من الكتب التي لن أحتاجها مرة أخرى. بعد وقت قليل انبهرت بالتغيير، غرفة منظمة تليق بمديرة بنك لا بكاتبة وكنت على وشك أن أمد مهمتي في التنظيم إلى مكتبة ملحقة بالغرفة فقررت أن أتركها على حالها من الفوضى وتمنيت أن يكون لدي القدرة على بعث الفوضى مرة أخرى في المكان. قلت لا بأس ستأتي الفوضى مع عمل جديد، لكن كيف أنجو من النظام القاتل الذي وضعته بنفسي؟
 قلت عودي إلى برنامجك قبل الكورونا ألم يكن متضمناً قراءة كل ما فاتك من الأعمال الجديدة؟ قلت نعم سأخرجها من مكانها وأرصها بجواري بالترتيب الذي يجعلني أقرأ الأهم قبل أن يداهمني الوقت. وبدأت الكتب تسرح في أرجاء البيت وعادت فوضاها تناوشني في كل مكان أدخله وشيئاً فشيئاً زينت (الكومودينو) في غرفة نومي، والطاولات الصغيرة في غرفة المعيشة ووصلت المطبخ والحمام والشرفة. ساعتها شعرت أن بيتي قد عاد إلى طبيعته وأن أسئلة كورونا لم تعد تقلقني؟ وعدت لسؤال العزلة واكتشفت أني لم أكن متصلة بالعالم كله في توحد حقيقي مع مشاعر البشر بقدر ما أنا متصلة الآن حتى وأنا أرأس تحرير جريدة تتابع النبض اليومي. وأن الأسئلة التي يطرحها الوباء هي أسئلة الفلسفة التي ستظل معلقة فوق رؤوسنا لكن العالم مجبر على الإجابة على الكثير من الأسئلة الآن كي يتوافق البشر على إنقاذ الكوكب من التلوث وإنقاذ البشرية من الفناء ونظرة واحدة إلى البحر على شاطئ الإسكندرية تجعلنا ندرك حجم التعافي وقدر الرتق الذي غزلته الأرض حول ثقب الأوزون كي تستعيد عافيتها بسرعة رغم أن الإنسان كف عن حماقاته شهوراً ثلاثة فحسب.
 

ذو صلة
التعليقات