مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

قيمنا النبيلة

الحضارات مثل البشر لها طفولة وشباب وكهولة وشيخوخة، وليس بالضرورة وهي في أوج قوتها أن تصطدم بحضارات سبقتها أو تلغيها، فقد تكفّل الزمن بتكذيب نظرية (صامويل هنتنجتون) التي بسطها في كتابه (صِدام الحضارات)، إذ يمكن للحضارات أن تتجاور وتتحاور وتتكامل، مع الاحتفاظ بالخصوصية التي لا تشكل تهديداً لغيرها. فليس جائزاً لحضارة ما أن تفرض قيمها على حضارة أخرى مخالفة لها لا مختلفة معها، فلكل حضارة منظومتها القيمية التي نتجت عن تراكم خبرات وأعراف وعلوم وفنون غربلت نفسها بمرور الزمن فما كان صالحاً منها بقي وما كان طالحاً طواه النسيان.

ولا يمكن للحضارة الغربية الآن بكل ما وصلت إليه من تقدم مادي باعتبارها تملك التكنولوجيا ووسائل الاتصال أن تفرض نموذجها على العالم أجمع، فهي ككل حضارة صنيعة الإنسان الناقص بطبعه الساعي إلى الكمال، فيها محاسن كثيرة يجب الأخذ بها للتقدم البشري، وفيها ما يخالف معتقدات الآخرين وأديانهم. فليس الأمر حدّياً: إما نأخذ الكل أو نترك الكل؛ بل نأخذ ما يوافق مجتمعنا ويتناغم مع قيمه، ونرد ما تعارض مع ذلك، إذ أهل مكة أدرى بشعابها. وليست الحروب في بعض أوجهها الأساسية سوى محاولة فرض ما يراه البعض صحيحاً على الآخر، ولا نغفل أن حجة أغلب الاستعمارات كانت أنها تريد تحضير الشعوب التي تستعمرها، ويبدو هذا حتى في الاشتقاق اللغوي للكلمة.
وفرض بعض القيم التي يراها أصحابها الآن صالحة وشاملة قد لا يناسب آخرين يستمدون قيمهم من دينهم ومعتقدهم، ويرون قيمهم- وهذا حقهم ما دامت لا تلغي الآخرين وتعتدي عليهم- مناسبةً لهم. فرض هذه القيم ليس سوى مدعاة للخلاف والعداء، وما ينجر عنه من أمور لا تحمد عقباها. ونجد فيما قاله الأمير محمد بن سلمان ولي العهد -يحفظه الله- في خطاب رسمي خلال زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة، وبحضور عدد من زعماء المنطقة في مسألة القيم، حين ذكر ما نصه: (... قيمنا النبيلة التي نفتخر بها ولن نتخلى عنها، ونتمنى من العالم احترامها كما نحترم القيم الأخرى بما يعزز شراكتنا ويخدم منطقتنا والعالم)؛ نجد في هذه الكلمة ما يبنى عليه في التكامل الحضاري لا التضاد. ولن تتقدم البشرية سوى بهذه القاعدة: احترام خصوصية الآخر.
وقيمنا النبيلة التي أشار إليها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان جذورها ممتدة عميقاً في تربة حضارتنا، وبلغت كمالها مع نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي قال عنه الله تعالى في القرآن الكريم : (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)(الأنبياء: 107)، وقال هو عن نفسه: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، فهو لم يأتِ ليهدم ما كان قبله بصالحه وطالحه، بل ليتمم الأمور الحسنة التي توصلت إليها البشرية في مسارها الطويل.
ولا يمكن فرض بعض الأفكار المخالفة للفطرة الإنسانية، حتى ولو كانت مدعومة بأي شكل من أشكال القوة أو وهم الإقناع أو ملابسات ظرفية ما على الآخرين. ولنا في الإلحاد الذي تبنته دول كاملة في القرن الماضي وفرضته بالقوة على مواطنيها؛ عبرة، فهذه الموجة انحسرت، ورجعت الشعوب إلى فطرتها وما اعتقدته لقرون طويلة. وهذا ما يفسر انتشار الإسلام السريع في القرون الأولى، إذ لم يفرض عقيدته بمنطق القوة بل بقوة المنطق. ولم يلغِ الآخرين، بل تربّى أتباعه على ما جاء في القرآن الكريم: (وَلَو شَآءَ اللَّهُ ‌لَجَعَلَكُم ‌أُمَّةً واحِدَةً) (المائدة: 48). ونماذج التعايش التي عرفتها المجتمعات الإسلامية معالم مضيئة في تاريخ الإنسانية، وما حضارة المسلمين في الأندلس منا ببعيد.
نحن الآن بحاجة إلى إبراز الجوانب المضيئة من حضارتنا. وحتى التي نختلف فيها مع الآخرين؛ يجب توضيحها، فأغلب الخلاف ناتج عن سوء فهم وأحكام مسبقة، ولا يزول ذلك إلا بالحوار وتبادل وجهات النظر، فلا مشكلة في تصويب ما نجده بالياً من التقاليد أو تجاوزه الزمن، على ألا يكون من صميم ديننا، أو ما سماه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان (قيمنا النبيلة)، وهي لا تصلح لمجتمعنا فقط، بل نعتقد أنها دستور أخلاقي يلتقي في كثير من مضامينه مع تراث الإنسانية الأصيل والحقيقي. فقِيم المحبة والتسامح والرحمة والتكافل الاجتماعي والكرم ومساعدة الآخر التي نعتقدها تصلح أرضية نلتقي فيها مع كل ذي فطرة سليمة في هذا العالم، أما غير ذلك مما نختلف فيه، فنعتمد فيه قاعدة الاحترام المتبادل، وتنظيم الاختلاف، لئلا يغدو خلافاً، وقد قيل بأن (اختلاف الرأي لا يفسد للودّ قضية).
ليس الأمر صعباً أن نبني علاقتنا بالآخرين على التفهّم المفضي إلى التفاهم، شرط أن نجعل الأخلاق المتفق عليها القاسم المشترك بيننا، فبها يسعد الفرد وتستمر الأمم. وقد قال أحمد شوقي -يرحمه الله:
وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ
    فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا

ذو صلة
التعليقات