مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

القيم من منظور تنموي.. قراءة لكلمة ولي العهد في قمة جدة للأمن والتنمية

يقف موضوع القيم في المقدمة من الموضوعات الإشكالية في تاريخ التفاعل الفلسفي والفكري الحديث، بل يمكن النظر إلى نشأة كثيرٍ من النظريات الحديثة في مجالاتٍ عِدّة بوصفها نتيجةً مباشرة لاختلاف الأفهام والمواقف والأحكام حول طبيعة القيم ووظيفتها.

ويعود هذا -في الأساس- إلى عاملين رئيسين:
أولهما: قوة تأثير القيم في الحياة، ويمكن ملاحظة جانبٍ من هذا التأثير في السياق العام الذي تمثله العلاقات الإنسانية بين الأفراد والمجتمعات، وهذا العامل المهم قديمٌ قِدَمَ الإنسان نفسه.
وثانيهما: استثمار القيم من قبل القوى السياسية والاقتصادية بقصد تعزيز النفوذ والهيمنة على العالم، وكلنا نلمس اليوم الدور الذي تلعبه القيم في قرارات السلم والحرب، وفي تفاعلات التنمية والاقتصاد.
لذلك يمكن القول إن السياق الأكثر تعقيداً عند مقاربة موضوع القيم اليوم هو سياق العلاقات الدولية، فهو المتحكّم الرئيس بالقلق والهواجس والأسئلة المرتبطة بالقيم، وجل المفاهيم الدائرة اليوم في سياق العلاقات السياسية هي مفاهيم متصلة بالقيم (الهوية، الثقافة، الاستقلال، السيادة، حقوق الإنسان...إلخ).
نجد هذا البعد الإشكالي في بِنْية القيم أيضاً، فما من مجتمعٍ فاعل إلا وتتجاذب منظومتَه القيمية حالتان متناقضتان، هما: (الرغبة الملحّة في الثبات) و(الحاجة الماسة إلى التغير)، ولا يمكن الحديث عن منظومة قيمية فاعلة اليوم بواحدةٍ دون الأخرى.
إن الثبات القيمي ضمانةٌ للهُوية بلا شك، وعاملٌ مهم في تحقيق الاستقرار الداخلي، ومتطلبٌ رئيس لخلق بُنَى قانونية تتمتع بقبول اجتماعي ممتد، وهذا الحد القيمي هو ما يعزز هوية المجتمع -أي مجتمع، ويحميه من الذوبان في الآخر، وبخاصة في علاقته بالآخر المتفوق حضارياً واقتصادياً وعسكرياً.
لكن في المقابل لا تكون المنظومة القيمية فاعلة مالم تقبل -نظرياً على الأقل- خيار التغير وتتعاطى مع شروطه، فكل تغير على مستوى القيم هو -من هذه الزاوية- نتيجةٌ لتغير طبعي، أدّى إليه تعاقب الأجيال، وتجدّد مصادر الثقافة، وتغير الحاجات والمسؤوليات.
ويتضاعف هذا الإشكال البنيوي بسبب العلاقات الدولية، فقد رأينا في ظروفٍ معينة رغبة بعض الدول في إحداث تغيير إيجابي على مستوى المنظومة القيمية لتحقيق مصلحة خاصة، لكنّ هذه الرغبة اصطدمت -بفعل التزامن- مع رغبة الآخر/الخارج في إحداث التغيير نفسه لخدمة مصالحه، ورأينا كيف انحاز الخطاب القيمي في هذه الدول إلى مبدأ الثبات على حساب مبدأ التغير، أي: إنه انحاز ضد مصالح خاصة لا يمكن تحقيقها إلا بمراجعة المنظومة القيمية ومساءلتها وتطبيع علاقتها بالزمن، بل رأينا كيف تنامى البعد الدفاعي في خطاباتها القيمية، حتى بلغت درجة من التشنّج في الموقف من الآخر، لا تتصل بتاريخ المجتمع، ولا تنسجم مع رغباته وتطلعاته.
إن الإيمان بهذه الطبيعة خطوة أولى باتجاه التعامل الواعي مع القيم، وأفضل ما يمثّله في هذه المرحلة المنظور التنموي، وهو منظورٌ يمايز بين المعنوي العميق والمادي/الإجرائي في منظومة القيم، لذلك يجمع بين الموقف الدفاعي الذي يتصدى بقوة لكل ما يهدد القيم، والتوجه التحديثي الذي يترك الباب مفتوحاً لمراجعة القيم وتطويرها، لتكون أكثرَ قدرة على التعاطي مع المرحلة ومسؤولياتها.
ولو تتبعنا الدول ذات الخط التنموي الصاعد لوجدناها تتمتع بهذا الوعي في إدارة منظومتها القيمية، وتحديداً من هذا المنظور. وفي جميع هذه النماذج نرى أن الجزء الثابت من القيم هو غالباً الجزء الخاص بالقيم المعنوية أو القيم العليا، تلك التي تقوم بدور مهم في تشكيل وجدان المجتمع، وتجميع القواسم المشتركة العميقة بين أفراده، في حين تأخذ مساحةٌ واسعةٌ من المنظومة فرصتَها للنمو والتطور أو التغير وربما التغيير، بوصفها قيماً ذات وظيفة مادية إجرائية، للزمن ومصادر الثقافة والمصالح دورٌ كبيرٌ في تقييمها.
إذا عدنا إلى كلمة سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في قمة جدة للأمن والتنمية (يوليو 2022م)، وقرأناها في ضوء هذه الرؤية؛ سنلحظ الآتي:
- بدأ ولي العهد كلمته باستدعاء القيم في سياق الحديث عما تواجهه المنطقة والعالم من تحديات مصيرية كبرى: سياسية، وأمنية، واقتصادية، واجتماعية، وأيضاً ثقافية، وما من شك في أن دمج القيم في هذا السياق يعبر عن وعي بأثرها في تشكيل هذه التحديات، وهذا معطى مهم يحمّل القيم نفسها المسؤولية، على عكس الخطابات المتحيزة التي ترهن قراءة هذه التحديات لقيمها الخاصة، أو لمواقفها وتصوّراتها المسبقة.
- في هذا السياق أشار ولي العهد إلى دور القيم على مستوى العلاقات الدولية في مواجهة هذه التحديات، وذلك من خلال (تكثيف التعاون المشترك في إطار مبادئ ميثاق الأمم المتحدة، التي تقوم على احترام سيادة الدول وقيمها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، واحترام استقلالها وسلامة أراضيها)، وعبّر عن تطلعه إلى أن تنجح قمة جدة للأمن والتنمية في تأسيس عهد جديد من هذا التعاون.
- لم يعبر ولي العهد عن القيم بلغة استعلائية، تنزع إلى تقديس أو تجميل القيم الخاصة، أو إلى الدفاع المطلق عنها، أو إلى المفاضلة بينها وبين قيم الآخر، بل استدعى القيم دون محددات، لتكون معبرة عن القيم بالمطلق، وهذه جزئية مهمة تتطلبها مناقشة موضوع القيم من المنظور التنموي، خصوصاً في هذه المرحلة.
- تضمنت كلمة ولي العهد الدعوة إلى (تبني رؤية واضحة للأولويات لتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار، ترتكز على الاحترام المتبادل بين دول المنطقة، وتوثق الأواصر الثقافية والاجتماعية المشتركة، ومجابهة التحديات الأمنية والسياسية لتحقيق تنمية اقتصادية شاملة)، وفي هذا السياق وجه سموه الدعوة إلى إيران (للتعاون مع دول المنطقة لتكون جزءاً من هذه الرؤية، من خلال الالتزام بمبادئ الشرعية الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والوفاء بالتزاماتها بهذا الشأن)، وقد وضع سموه هذه الدعوة في سياق قيمي مشترك، أشار فيه إلى قيمة الجوار، وإلى الروابط الدينية والثقافية التي تربطنا بالشعب الإيراني، ما يعني أن القيم التي تستند إليها إيران في خطاباتها المتحيزة، وفي ممارساتها لتأجيج الصراع في المنطقة؛ يمكن أن تكون -من المنظور التنموي الذي انطلق منه سمو ولي العهد- طاقةً محفّزةً على التعاون المشترك بين البلدين، وفرصة للتقارب ولو بقصد تحقيق أهداف مادية، ربما تكشف لاحقاً عمق العلاقة القيمية بين البلدين.
- عبر ولي العهد عن أثر الفعل التنموي في تأصيل العلاقة بين الدول، بما في ذلك الدول المنسجمة قيمياً، فأشاد بالتقدم الإيجابي الذي حققته بعض الدول العربية في علاقتها ببعضها، وكان المثال على هذا التقدم تنموياً أيضاً، كما في إشارته إلى تفاعل العراق الإيجابي مع محيطه العربي والإقليمي، وإشادته بما حققه هذا التفاعل من مكاسب تنموية كالربط الكهربائي بين السعودية والعراق، ثم إشارته إلى مشاريع الربط الكهربائي الجاري تنفيذها بين السعودية ومصر والأردن، ونلحظ كيف تجلى المشترك القيمي بين هذه الدول في خطوط تنموية. بل حتى عند حديثه عن الدول العربية التي تشهد أزمات سياسية وأمنية كسوريا وليبيا؛ ربط معالجتها بالهدف التنموي العام، وهو (اكتمال منظومة الأمن والاستقرار والازدهار في المنطقة).
- أشار ولي العهد في آخر كلمته إلى أن التعاون المشترك بين الدول سيضمن تعزيز الأمل في أوساط شباب المنطقة (بمستقبل مشرق، يتمكنون فيه من تحقيق آمالهم، وحمل رسالتنا وقيمنا النبيلة للعالم)، وفي هذا الجزء يظهر مبدأ الدفاع عن القيم ليكون النتيجة الأكبر لهذا المنظور التنموي: يقول سموه: (إننا نفتخر بقيمنا، ولن نتخلى عنها، ونتمنى أن يحترم العالم قيمنا كما نحترم القيم الأخرى)، وهذه ليست خاتمة الكلمة وحسب، بل هي الهدف الكلي للمنظور التنموي، الذي يعمل على تعزيز قوة الدولة سياسياً واقتصادياً، ويرى فيها السبيل الوحيد لتقوية الهوية والثقافة.
لقد عبر ولي العهد عن القيم من موقع القوة، حيث يجب أن تكون القيم أقوى من التحديات، وحيث يجب أن يكون الإيمان بها أكبر من الخوف عليها، وقد شكّل هذا كله سمة التوازن التي تمتعت بها الكلمة، وهو توازن غير مسبوق في مثل الظرف الذي يعيشه العالم اليوم، وغير معهود في الخطابات التي تستند إلى موقع القوة كما هو موقع السعودية في هذه القمة قياساً على ما تمرّ به أمريكا وأوروبا، وكذلك الدول الكبرى في المنطقة كتركيا وإيران.
ما لا يؤمن به بعضهم أن هذا المنظور هو الأقدر على حماية القيم، ولاسيما في هذه المرحلة.
أن تكون لديك قيمٌ داعمة للتنمية؛ هذا يعني أن لديك نمواً اجتماعياً واقتصادياً مطّرداً، أي: إنّ لديك فرصة كبيرة لتعزيز موقعك السياسي، وهو ما يمنحك فرصة التأثير في التحديات بدلاً من التأثر بها.
لقد كان المنظور التنموي حاضراً في جميع المراحل التي مرت بها بلادنا، لكنه اليوم أكثر قوة، وأكثر حضوراً في خطابها السياسي والاقتصادي والثقافي، وذلك بفضل رؤية المملكة 2030، الرؤية التي اختارت الانحياز إلى التنمية وغاياتها.

ذو صلة
التعليقات