مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الولايات المتحدة الأمريكية.. بين فرض القيم واحترامها

تقوم الولايات المتحدة الأمريكية تاريخياً وفلسفياً على عنصرين أساسيين، وهما: البراغماتية والليبرالية، أما البراغماتية فهي الوصول إلى المصلحة والمنفعة بأفضل الطرق المؤدية إليها، والسبب في مركزية البراغماتية في التاريخ الأمريكي أن الولايات المتحدة كانت وما زالت أرض مهجر، استقبلت المهاجرين من جميع الأعراق والديانات، ولذلك فالجامع بين كل هؤلاء هو الحصول على المال والمنفعة، ولو كانت الدولة الأمريكية الفتية تأسست حينها على غير البراغماتية لقامت الحروب بين مكونات المجتمع الأمريكي، ولكن بتآلف الجميع على البراغماتية هدفاً وأسلوباً ومنهجاً؛ تصالحت هذه المكونات وجمعتها المصالح المشتركة. بالطبع لم يكن الأمر بهذه السهولة، إذ مرت الدولة الأمريكية بعدد من المصاعب الداخلية والخارجية حتى كادت تودي بها (مثل الحرب الأهلية)، لكنها تجاوزت تلك المصاعب، وفي كل مرة تتجاوزها تترسخ البراغماتية أكثر.

ومن هنا تأتي أيضاً أهمية العنصر الثاني، وهو الليبرالية والحرية الفردية، ما لم يكن في حرية الفرد ضرر على حرية الآخر، وقد نشأ عنها احترام الثقافات والقيم لكل مكونات المجتمع، سواء أكانوا مسيحين بروتستانت أم كاثوليك، يهود، لا دينين، مسلمين.. أو غيرهم. كل هذه المكونات احتفظت بقيمها، وكفل لها حق العبادة والتدين وممارسة الشعائر، وهذه حقوق دستورية لا يمكن أن ينازعهم فيها أحد، وهذا ما يميز الليبرالية الأمريكية، إذ استوعبت مكونات المجتمع الأمريكي، واحترمت قيم كل مكون، واستطاعت أن تمنح هذه المكونات الفرص لتحقيق الأهداف والمصالح المشتركة، فمثلاً تجد في ولاية مثل بنسلفانيا الآمش الذين يحرمون على أنفسهم التعامل مع كل منتجات الحضارة المادية، مثل الكهرباء وغيرها، وتجد في نيويورك التي لا تبعد عنها أكثر من ساعتين بالسيارة الماديين الملحدين الذي يرون أن المادة هي كل شيء، وتجد هذا المبدأ منطبق مع جميع الأديان والطوائف مهما كان تقدمها أو تخلفها عن ركب الحضارة المادية.
هذا السلوك الأمريكي في احترام القيم الأخرى والتعامل مع أصحابها داخلياً؛ انطبع أيضاً على سلوكها الخارجي في التعامل مع الدول الأخرى، ما دام أن هناك منفعة ومصلحة مشتركة، وليس في هذه القيمة أي ضرر على الدولة الأمريكية، وظهر هذا جلياً بعد القرار الذي اتخذته الولايات الأمريكية في خروجها من العزلة إلى المشاركة الدولية في عهد روزفلت، ومن آثار ذلك الاتفاق التاريخي الذي وقعه الملك عبدالعزيز يرحمه الله مع الرئيس روزفلت على متن الباخرة كوينسكي، هذا الاتفاق جوهره يعكس البراغماتية الأمريكية بكل وضوح، فهو قائم على تبادل المصالح والمنافع المشتركة بين البلدين، دون التدخل في القيم والدين.
استمرت الولايات المتحدة على هذا النهج البراغماتي في سياستها الخارجية إلى وقتنا المعاصر، ومن ذلك ما فعله جورج بوش الأب في غزو صدام الغاشم للكويت، حيث قادت الولايات المتحدة الأمريكية حملة عالمية لرد العدوان العراقي ومعاقبة صدام حسين على فعلته، ولا يشك أحد أن الدافع الأكبر وراء ذلك هي المصالح الأمريكية في الدرجة الأولى، ولكن الذي يهمنا في هذا السياق أن أمريكا لم تتدخل في قيم الكويت والمملكة العربية السعودية والخليج، ولم تساوم أو تشترط شروطاً لها علاقة بتغيير القيم والأسس التي تقوم عليها دول الخليج، بل كانت اللغة القائمة هي لغة المصالح المشتركة، وسعي الجميع لتحقيق الهدف المشترك.
ولكن الأمر تغير في الولايات المتحدة الأمريكية مع تغول اليسار الجديد، أو كما يسمون أنفسهم التطلعيون أو التقدميون Progressive، ولم يعد الوضع براغماتياً نفعياً محضاً، بل أصبح أيديولوجياً يسارياً. وبدلاً من احترام القيم وتقديرها، تغير الأمر إلى فرض القيم والإجبار عليها، حتى لو كانت القيم تخص فئة قليلة مقابل أغلبية ساحقة، كما هو الحاصل في موضوع الشذوذ والتحول الجنسي، لا سيما في المؤسسات التي يسيطر عليها اليسار مثل المؤسسات الإعلامية والأكاديمية.
ومع تغول اليسار في أروقة الحكم وسيطرته على الدوائر السياسية، بات يصدّر منهجيته الجديدة في فرض القيم الشاذة إلى المنظومة الدولية، ويفرضها ولو بالقوة، وقد أشار إلى ذلك المندوب الدائم (سابقاً) للمملكة العربية السعودية لدى الأمم المتحدة السفير عبدالله بن يحيى المعلمي في خطابه في مقر الأمم المتحدة، حين أعرب عن رفض المملكة وبشدة للمثلية الجنسية وما يرتبط بها من مصطلحات ومفاهيم، حيث قال المعلمي -وبكل شجاعة: (إن المملكة وغيرها من الدول الشقيقة والصديقة حاولت التفاوض على نص القرار وإلغاء الإشارات إلى الهوية والميول الجنسية باعتبارها فقرة طارئة على القرار، ولم يتم الاتفاق عليها في قرارات سابقة، وهي فقرة دخيلة على سياق القرار، وليس لها مكان منطقي فيه، فالديموقراطية لا تستوجب من أحد أن يسأل عن الهوية الجنسية لمن يمارس التصويت، ولا علاقة لهذا الموضوع إطلاقاً بمفهوم الديموقراطية ومعانيها، ولكن -مع الأسف- لم نجد استجابة منطقية لمحاولاتنا حول هذا الموضوع).
هذه هي منهجية اليسار الجديد، يريد أن يفرض القيم الشاذة على جميع دول العالم بلا استثناء، من خلال المنظمات الدولية، وبطرقه الملتوية، بعيداً عن الشفافية والوضوح، رغم مخالفة كثير من الدول لهذه المبادئ، كما أشار لذلك السفير المعلمي في خطابه. فليس الهدف هو الإقناع والحوار واحترام الخصوصيات، بل بالإجبار والفرض ولو كان بطرق ملتوية.
في ظل هذا التغير في منهجية الولايات المتحدة في التعامل مع قيم الدول الأخرى، من احترامها والتعامل معها، إلى فرض قيم أمريكا الجديدة الشاذة المخالفة للفطرة السليمة على غيرها من الدول ولو بالقوة؛ يقف الأمير محمد بن سلمان -وفقه الله- وقفة قوية وجريئة، ويضع النقاط على الحروف وجهاً لوجه أمام رئيس الولايات المتحدة الأمريكية بايدن، ويؤكد أن منهج المملكة العربية السعودية لم ولن يتغير، يقول حفظه الله:
(قيمنا النبيلة، التي نفتخر بها ولن نتخلى عنها ونتمنى من العالم احترامها كما نحترم القيم الأخرى بما يعزز شراكاتنا ويخدم منطقتنا والعالم).
فالمملكة تعتز بقيمها ولن تتخلى عنها، وتحترم قيم غيرها من الأمم وستتعامل معهم بما يخدم الجميع، وعلى الولايات المتحدة أن تعود إلى ما كانت عليه من احترام قيم غيرها والتعامل معها وتترك عنها الفرض والإجبار، فإن لم تفعل، فكذلك المملكة لن تفعل ولن تتنازل.

ذو صلة
التعليقات