مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

قيمنا على المحك

لم تخلُ النّقاشات الفلسفيّة والفكريّة يوماً من تناول مفهوم القيم، في مختلف المذاهب والمدارس والأيديولوجيّات، وكان ولا يزال محطّ اهتمام شتّى الحقول المعرفيّة، وإن كانت في بعض المراحل التّاريخية قد شهدت نوعاً من التّهميش أو الرّكود.
وهي، أي القيمة، خاضعة للتّغيّر، نسبيّة عند بعض الفلاسفة من نتاج عقل الإنسان نفسه، الذي يضفي أحكاماً معياريّة على الأشياء. وعند البعض هي ذات علاقة بالفطرة البشريّة، بدأت فكرتها مع طرح الإنسان أسئلة عن غاية الوجود، فالنّشاط القيمي قديم قدم الإرادة الإنسانيّة يعود إلى العصر الإغريقي الذي حدّد القيمة بالمدلول الوجودي، وفي العصر الوسيط بالمدلول اللاهوتي الماورائي، وبالمعرفة العلميّة في العصر الحديث.
وبذلك، فإنّها حقل مفاهيمي لكلّ ما يدور حولنا، في الطّبيعة والكواكب، في أساطير الأسلاف وفي الخرافات، في تقديسنا للآلهة، ما نفكّر فيه كمخلوقات عاقلة، ما يستثير عواطفنا، وما تنتجه تجاربنا وتدركه حواسنا، القيم ترتبط بالدّين تارة، وتدغدغها القوميّة تارة أخرى، لها مكانتها في التّاريخ وتزهو بين جموع وجمود العادات والتّقاليد مرّة، وتتمرّد عليها إذا ما تجاذبها تناقضان في المرّة الثّانية...
إنّها محور رئيس في العلاقة الجدليّة بين كلّ ما هو جديد وقديم، ثابت ومتحرّك، أصيل وهجين، القيمة هي نتاج ذلك التّفاعل الإنساني وهي جوهر الصّراع الثّقافي أو الحضاري، وفي الأحداث التّاريخية التي تجتاح المجتمعات، فهي إمّا ضحيّة قيمة تعلوها شأناً وإمّا تنال رفعة فوق رفعتها وتدوم دوام المجتمع الذي تنتمي إليه.
يجمع البعض على أنّ عصر العولمة هو الأكثر تأثيراً على القيم، سابقاً كان الصّراع القيمي محصوراً في المجتمعات المحليّة الضّيّقة، يحتاج إلى عديدٍ من الأزمنة ليخترق المجتمعات المجاورة والبعيدة، حينها كان التّبادل التّجاري والعمراني مرادفاً للعولمة التّقليديّة البدائية.
ولعلّ ما يجوب مسرح المجتمع العربي من آفات وعوالق العولمة يعود إلى أمرين اثنين: أوّلاً أنّ العولمة بحد ذاتها قد حادت عن مفهومها ومبادئها التي خطّتها لنفسها في أوْج بداياتها، فانتقلت من التّبادل الثّقافي إلى الغزو الثّقافي، فالتّبادل هو معادلة بين مركّبين أو سلعتين اثنتين، وهو ما لا ينطبق بكليّته على علاقة المجتمعات العربيّة بالغرب، أمّا شكل العلاقة الحقّة فهو أنّنا محكومون لتلك المؤثّرات الغربيّة، التي تفرضها علينا مؤسّساتها وشبكاتها وقنواتها دون أن تخطّ مساحة لقيمنا الاستهلاكيّة، وهنا ينشأ صراع ينطوي على جوانب أخلاقية، فالمثليّة الجنسيّة أو زواج المثليّين مثلاً لا يمكن القبول به في مجتمعاتنا العربيّة ولا يتوافق مع قيمنا الدّينية. وفي المسافة بين حمأة الصّراع ونهايته بالظّفر لإحدى القيمتين تخوض النّفس البشرية أشرس المعارك الأخلاقية. ولعلّنا نستدلّ بمقولة الفيلسوف الإيطالي أنطونيو غرامشي لنعبّر عن المخاض الذي يرافق تغيّراً قيميّاً ما في أي مجتمع: «تتجلّى الأزمة تحديداً في أنّ القديم آيل إلى الزّوال، بينما لا يستطيع الجديد أن يولد، وفي فترة التّريّث هذه، يبرز عددٌ كبيرٌ من الأعراض المرضيّة».
الأمر الثّاني يعيدنا إلى دور مرجعيّاتنا القيميّة، دينيّة لا سيما كانت، أم ثقافيّة أم قانونيّة أم مؤسّساتيّة أم مدنيّة أم غيرها، ولعلّ مزاحمة القيم الغربيّة الهجينة اليوم لقيمنا ستوفّر آليّات حاسمة، للفظ ما لا يتوافق وقيمنا في سبيل حفظ الثّقافة المحليّة وصونها من التّأثيرات الخارجيّة، فمواجهة آفات العولمة من خلال التّحريم والعظة والشّجب والتّقوقع والانغلاق والوسائل التّربوية والتّعليمية ذات الطّابع التّقليدي لم تعد تجدي نفعاً.

ذو صلة
التعليقات