مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

القيم النبيلة.. حيث لا مساومة فيها

بدءاً أسعى لتعريف القيم لغة واصطلاحاً، حتى أمضي -بعد ذلك- في التوصيف الصحيح، مستلهِماً المعاني المتضمَّنة في ذلك المصطلح.
مما ورد في معنى القيم لغة: قيمة الشيء: قدْرُه، ويقال: «ما لفلان قيمة، أي ماله ثبات ودوام في الأمر» المعجم الوسيط ص768 ط4.

أما اصطلاحاً، فقد تعددت التعريفات، لكنها كلها تحمل فكرة واحدة، وأوضحها وأدقها أنها: «صفات ومعانٍ قد تكون فكرية أو سلوكية، وهي ذاتية وثابتة ومطلقة، لا تتغير باختلاف مَن يصدر الحكم عليها» مجلة البحوث الإسلامية، مجموعة مؤلفين، ص271.
ومن المعلوم أنَّ المعنى اللغوي هو الأصل الذي تتطور منه دلالات المصطلح، وسنلاحظ في المعنيين اللغوي والاصطلاحي التشابه بينهما، حيث ركَّزا على أنَّ القيمة هي الشيء الذي يتمتع بالثبات والدوام.
من هنا ننطلق، مصطحبين معنا عبارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين قال في خطاب رسمي خلال زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى المملكة مؤخراً بحضور عدد من زعماء المنطقة، ما نصه «... قيمنا النبيلة، التي نفتخر بها ولن نتخلى عنها ونتمنى من العالم احترامها كما نحترم القيم الأخرى بما يعزز شراكاتنا ويخدم منطقتنا والعالم».
هي عبارة جامعة مانعة، مكتنزة بكل المعاني العميقة، والقيم النبيلة، والدلالات المستنيرة، كما أنها توحي بالاعتداد بالذات، والاعتزاز بالدين، وبالمجتمع الذي له قِيمٌ، لا يمكن التنازل عنها.
فقد تناصَّ ولي العهد مع التعريفَين اللغوي والاصطلاحي للقيم، حيث وصفها بأنها (قيم نبيلة ويفخر بها ولن يتخلى عنها)، هذا هو مبدأ الثبات والدوام في مفهوم القيم، كذلك ذكر أمراً مهماً في هذه العبارة، وهو أنَّ المجتمع المسلم يحترم القيم لدى المجتمعات الأخرى، ولابد تبعاً لذلك أن تحترم المجتمعاتُ الأخرى قيمَ المجتمع المسلم.
ثم ختم عبارته العميقة بقوله: «... بما يعزز شراكاتنا ويخدم منطقتنا والعالم» فكأنه يشير إلى أن احترام المجتمعات الأخرى لقيمنا شرطٌ لاستمرار الشراكة معهم، بما يخدم المنطقة والعالم، وهنا مفهوم من زاوية أخرى، وهو أنَّ عدم احترام قيمنا (النبيلة) سيؤدي حتماً لفضّ الشراكة بيننا وبين الدول والمجتمعات التي لا تحترم قيمنا، وتفرض علينا ثقافتها وقيمها.
هكذا يكون القائد الواعي، المستبصر ببواطن الأمور، المتمتع برؤية ثاقبة، الذي يعلم قدر المسؤولية الملقاة عليه.
إذن لا ينبغي الارتماء في أحضان المجتمعات الأخرى، وأخذ ما لديهم دون تمحيص، كما لا يصح أن نتقبل كل إملاءاتهم دون رويَّة، فالتداخل بين المجتمعات شيء محبب، وتبادل المعارف، وتلاقح الخبرات أمر محمود، لكن تبقى العزة الحقيقية حينما تفحص ما يرد من المجتمعات الأخرى دون أن تنسلخ من الهوية، وعندما نتلقى ما لديهم من الأشياء المفيدة دون أن يحدث الاستلاب.
لتدرك جميع المجتمعات أن التنوع سمة مميزة، فرضها الله على خلقه، وأن الاختلاف واقع لا يمكن نكرانه، فقد قال تعالى: (... ولا يزالون مختلفين)، (هود 118)، فلكل مجتمع خصوصيته المميزة له، التي يكتسبها من دينه وعقيدته وتراثه وعُرفه وعاداته، فلا مانع من استغلال هذا التنوع في الثراء المعرفي، والتبادل الفكري، والتكامل مع تقدير الخصوصية، واستفادة كل طرف من الآخر، لكن ليس بالتنازل عن القيم.

ذو صلة
التعليقات