مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

إشكالية القيم بين الخصوصية ونشدان الكونية

يظل السجال مستمراً حول طرح الإشكاليات التي نتوهم الحسم فيها حسماً نهائياً مثل كونية القيم وتثاقف الهويات، ذلك أن من يتأمل مسار التاريخ يدرك مسافة فاصلة بين النظر والممارسة نظراً لتحديات الكوني الذي تلحف بلحاف العولمي ولما كان النزاع عميقاً بين الهويات واشتداد مظاهر الهيمنة بات من الضروري التفكير في مقاربات معرفية شاملة ومتنوعة من أجل البحث في شروط إمكان تأسيس قيم كونية قادرة على استيعاب لقاء خلاق بين القيم والهويات المتثاقفة بعيداً عن أشكال الوصاية والهيمنة، وفي هذا السياق تندرج هذه المقاربة التي تتناول تحديات إشكالية القيم بين الكونية ومطبات الهيمنة ذلك أن مجتمعاتنا إن لم تستطع هضم القيم الكونية فإنها ستظل سجينة للانغلاق وربما مهددة بالتلاشي، إذ لا يمكن لأي شعب أن يعيش خارج أفق الإنسانية وما هو كوني هو هذا: أن عالمك الخاص ليس ملكاً لك، الكوني هو لغة تتكلم لغة الإنسانية في عصرك، فمن بداهة القول أن يشكل تحديد المفاهيم أرضية للتفكير في التباس العلاقات بين الكوني والمحلي وهي عين المعضلة التي تواجه مبدأ التثاقف بين الأمم عندما يكون الرهان معقوداً على التواصل بين الشعوب مثل أزمة التشابه الخادع بين الكونية والعولمة،
كما نصطدم بالالتباس الذي يُحدثه مفهوم الهوية خصوصاً في بعض المرجعيات التي تتمسك بالخصوصية وبمزاعم الإرث الفكري وكذلك الشأن بالنسبة إلى عدد الظواهر التي تستخدم العنف والإرهاب وجميع أشكال الإكراه الرمزي التي تضفي عليها قوى الهيمنة أشكالاً متنوعة من الشرعية ولكنها في الحقيقة تفتقر لكل معقولية. لأجل ذلك نجد أنفسنا ملزمين بالتسلح بترسانة من الأسئلة حتى نتمكن من مساءلة البداهات الخادعة، فمن يحدد الكوني؟ كيف نميز بين القيم الإنسانية الكونية والأيديولوجيا الآثمة للعولمة ونحافظ في نفس الوقت على خصوصياتنا الثقافية وأصالة قيمنا؟ أليست قيم الهيمنة ثاوية في كل العلاقات الإنسانية؟ ثم كيف نحصن القيم صوناً لها من كل كوني مميت؟
تستمد هذه الأسئلة راهنيتها من ازدياد التوتر بين الكوني والخصوصي وبين المحلي والعولمي وبين توسع العالمي وتجارب الشعوب في الحفاظ على مقوماتها الحضارية وخصوصية قيمها، كما يبرز هذا التوتر عندما يعمل العقل الكوني على استيعاب الخصوصيات المحلية، إذ يبقى الهاجس الرئيس هو كيف تظل الكونية منظومة قيم ترتهن إلى وعي مستنير متحرر من جميع أساليب الهيمنة المعلنة أو الخفية، أي هل يمكن تجسيد فكرة كوني غير طوباوي حيث يتعايش الخصوصي مع المشترك؟ لاريب أن مختلف تشعبات التفكير في هذه المسألة قد انبنت على منطق الثنائيات يقسم بدوره المجتمعات إلى صنفين: مجتمعات تقليدية وأخرى حديثة أو حضارتين (الغرب والشرق) وصولاً إلى تصنيف غير بريء يشطر العالم إلى شطرين هما (العالم الحر) و(محور الشر) ولكن هل بلوغ الإنسانية اليوم إلى تخوم عالم معولم يعني أنها تسير نحو عالم خال من أية مرجعية قيمية؟ أليس من نتائج العولمة هو ما كشفت عنه من تنوع الثقافات وتعدد القيم، وتبعاً لذلك ألا يمكننا القول إنه لا توجد أزمة قيم بقدر ما توجد أزمة في تحديد معنى القيم؟ إن الإشكال يكمن إذن في معرفة كيفية توجهنا بين القيم أي ألا تقتضي أزمة القيم مساحة من النقد تستأنف النظر في مختلف أساليب عيشنا ومرجعياتنا الأخلاقية؟

ذو صلة
التعليقات