مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

بنت النور

كل صباح تفف بي سيارة النقل العام القادمة من قريتي البائسة في الموقف الخاص بحافلات المدينة. أترجل من الحافلة متجهاً إلى الشارع العام خارج المحطة، أسير قليلاً حتى أصل إلى نقطة حددها لي سائق الحافلة المخصصة لموظفي الشركة التي أعمل بها، فأجد الفتاة نفسها تقف في الجهة المقابلة لي تماماً. لا أدري من أين هبطت ولا من تنتظر، لكنها دون شك طالبة تنتظر حافلتها. ملابسها تشير إلى ذلك، تنورة نيلية، وقميص أبيض تخفيه عباءتها، وخمار يحجب وجهها.
دقائق أمضيها في اختلاس النظرات وتأمل القوام، وما تكشفه هبَّات النسيم من خصلة شعر نافرة، أو جزء من النحر انكشف عنه الخمار، أو الساق الذي تُبين عنه فتحة التنورة النيلية إذا انحسرت العباءة قليلاً.
أغرق في تفكيري وفي تحليلي وفرضياتي، ولا أدري كم يمر علي من الوقت حتى يخرجني من ذلك كله وقوف حافلتي أمامي فتحجب عني رؤية فاتنتي. أركب وأنا ألعن في داخلي السائق المنضبط في توقيته. ما ذا لو تأخر بضع دقائق حتى أشبع نظراتي وفضولي.
لاحظت مع مرور بضعة أيام أنها صارت تبادلني النظرات، وأحياناً تقابل جرأتي بالانصراف عني والصدود، فتلتفت إلى الجهة الأخرى. هل قلت جرأة؟ أي جرأة؟ جرأة لم تتجاوز النظرة من مسافة عشرين متراً هي عرض الشارع الذي يفصلنا. جرأة لا تصل إلى التحية، أو الحديث المتبادل، أو رسالة!
لو كانت لدي الجرأة فعلاً لتقدمت حيث تقف وبادرتها بتحية الصباح، أو بتحية الإسلام: (السلام عليكم).. لماذا يسمونها تحية الإسلام، وهي لا تُتبادل إلا بين الذكور؟ أليست النساء داخلة في دائرة الإسلام، فلماذا يعيبون إلقاء السلام على امرأة؟
لو كانت لدي الجرأة لتقدمت لها: (صباح الخير)، ثم دسست في يدها، أو في حقيبتها -أو ألقيت تحت قدميها- ورقة فيها اسمي ورقم هاتفي. ولكن أي هاتف؟! إنني لا أملك هاتفاً، لا في البيت ولا في الشغل!
رئيسي في العمل لطيف، زالت الكلفة بيننا مع مرور الوقت، وهو شاب مثلي يأتمنني على أسراره، ولاسيما الأسرار ذات الصلة بمغامرات الشباب، فلماذا لا أأتمنه على سري؟ أستطيع أن أعطي فاتنتي رقم هاتف صديقي الرئيس، لكن ماذا لو أعجبه صوتها، فاختطفها مني. إنه صديقي لكنه من هذه الناحية غير مأمون الجانب. لا الأفضل أن أعطيها رقم هاتف دكان الحي الذي تربطني بصاحبه معرفة قديمة، وهو رجل مسن تنطلي عليه ألاعيب الشباب. سيظن أنها أختي أو قريبتي، وسيقول لها: (اتصلي بعد خمس دقائق.. سأذهب وأدعوه لك).
يا لها من قرية ملعونة. وصلت إليها الخدمة الهاتفية منذ سنوات، فوزعت خطوطاً قليلة على الدوائر الحكومية وبعض البيوت، ثم لم يعد أحد يستطيع الحصول على خط هاتفي. دائماً ما يقولون: انتظروا (التوسعة). لكن لماذا علي أن أقضي عمري كله في هذه القرية المتخلفة؟ لماذا لا أنتقل للمدينة فأستطيع التواصل مع رفيقتي أو غيرها، ففي المدينة أماكن كثيرة يمكن فيها لشاب مثلي أن يلتقي بمن أراد.
لكن المدينة باهظة التكلفة على شاب فقير مثلي. واصلت دراستي احتراماً لأبي الذي أراد لابنه أن يكون متعلماً: (على الأقل احصل على الثانوية العامة كي تجد وظيفة تنفعك). قالها أبي وامتثلت، وها أنا حصلت على الثانوية، وتوظفت في شركة بالمدينة. ماذا لو أني لم أحصل عليها؟ ربما أصبحت سائق حافلة لمدرسة البنات، أتأمل كل يوم عدداً كبيراً من الفتيات، وأسمع كلماتهن وضحكاتهن، ولا أتورع من محادثتهن: (تأدبي يا لطيفة. اجلسي في مكانك يا رحمة. يا صالحة لا تحجبي عني الرؤية بوقوفك).
اليوم لا حركة في الجهة المقابلة من الشارع.. فاتنتي تقف وحدها تنتظر كعادتها.. شعرت بجرأة لم أعهدها في نفسي من قبل. كنت قد أعددت ورقة دونت فيها اسمي الرمزي، ورقم هاتف جاري البقال. أخرجتها من جيبي وطويتها، وأمسكتها بيدي وعبرت الشارع، وأنا لا أرى غيرها حتى إن سائق إحدى السيارات شتمني لأني كدت أجبره على الخروج من الطريق أثناء عبوري. وقفت إزاءها برهة: (صباح الخير). والتفتتْ، ولم تقل شيئاً. ألقيت بالورقة تحت قدميها وانتظرت أن تلتقطها. رأيت حافلتي تقف في المكان المعتاد، توجهتُ إليها بعد أن قلت لساحرتي: (الورقة تحت قدميك)! ومضيت.
حين أخذت مقعدي من الحافلة اتجهت بنظري إلى الناحية الأخرى من الشارع. وجدت حافلة مدرسية على جانبها بخط جلي: (معهد النور للـ...)!

ذو صلة
التعليقات