مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

الموجود في قبضة المفهوم

إن التشارك في ألفاظ معينة لا يعني الاشتراك في الصفات ذاتها، فلكل وجود ماهيته الخاصة المستقلة، والتوافق في المفهوم الفلسفي قد يحمل معه اختلافاً في مفاهيم الماهية ومفاهيم المنطق.
فكل موجود في الكون له وجوده الخاص الذاتي، الذي لا يتعارض مع وجود غيره، بشرط أن يلتزم الوجود بشروط وجوده حتى لا يحدث التصادم مع غيره.
إن للوجودات مفهومها الخاص القابل للتواجد مع وجود الغير، فلسفياً الاشتراك ممكن، هناك إمكانية لقياس مفهوم موجود بمفهوم موجود غيره، ولكن حين نصل للماهيات والمنطق عندئذ يستلزمنا الأخذ بها لنحافظ على وجودنا مع وجود الغير.

ومن مفهوم الوجود ننتقل إلى مصداق الوجود، فالموجودات كمفاهيم يمكن الاتفاق عليها، ولكن كمصداق للوجود فالأمر يختلف حينما نصل لوجود الخالق تعالى، فمثلاً مصداق مفهوم الكائنات لا يمكن أن نماثله بمصداق مفهوم الله عز وجل، نظراً لعجز الموجود من غيره عن مضاهاة الموجود من ذاته وبذاته.
فإيماننا بمفهوم الوجود لله وللكائنات يختلف عن مصداق وجود الله، وهذا الفرق يصل بنا لحقيقة حتمية قاطعة: وجود الله هو أصل وجود كل شيء.
يستطيع العقل بقدراته الكبرى أن يخوض غمار مختلف التحديات التي تفرضه عليه المفاهيم المتنوعة، فالعقل ينتزع التصورات والمفاهيم للعلوم المختلفة سواءً كانت علوماً حصولية أو علوماً حضورية، وعبر هذه المفاهيم تتكون في الذهن مقدمة ينطلق منها العقل في التصدي لكل قضية وعلم.
وبالطبع لا يفوتنا أن نُشير للاختلاف الذي تتحلى به المفاهيم كنتيجة طبيعية لتنوع مصادرها ومواطن انبثاقها، فالمفهوم الفلسفي والمنطقي والماهوي لكل منها اختصاصاته وطرائقه التي ينفرد بها عن سواه، وبالتالي فالعقل يُراجع ويتعامل مع كل مفهوم بحسب ما يؤدي إلى العثور على الأهداف المطلوبة من كل مفهوم بحسب الحالة أو المسألة المطروحة موضع النقاش والتساؤل.
بإمكاننا اكتشاف المفاهيم الفلسفية من خلال الاستعانة بالقواعد الفلسفية الأولى التي يتسلح بها العقل ليقود عملية البحث بكل يقين وفقاً لطرق واضحة لا تحتمل الخطأ ولا الانحراف عن الوجهة المقصودة، وبالتالي فلكل مفهوم وسائله التي لا تختلط مع مصاديقها وحالاتها، إذن المفهوم قائم بذاته وعبر استعانتنا بأدواته الخاصة نعرف نوعية المصاديق التي تنطبق عليه، وهذا يفيدنا ويعطينا نتائج حاسمة: أولاً عدم الاشتباه بين المفاهيم ومصاديقها من الحالات، وثانياً استقلالية القواعد التي تكوّن المفاهيم، ومركزية العقل في الاستفادة من المفاهيم لتطبيق قواعدها على الحالات التي تكون مصداقاً لصحة المفهوم، ودليلاً على تمتعه بالريادة في تحقيق الاكتشاف واجتراح الحلول للمسائل المطروحة، وثالثاً من النتائج المهمة أنه سينقذنا من الوقوع في فخ الاشتراك اللغوي، فمن المهم أن نكون يقظين في استخدامنا للمفردات التي ترمز لكل حالةٍ على حدة دون التورط في وضع كلمات تؤدي لأكثر من معنى وبالتالي نزيل القطعية عن النتيجة التي حصلنا عليها، أو نشركها مع حالات أخرى لا تناسب موضع البحث المطلوب.
بمعرفة الفصل بين المفاهيم ووظيفة كل مفهوم ومدى القضايا التي يشملها نكون قادرين على الإحاطة بالموجودات، من خلال النظر في فلسفتها ومنطقها وماهياتها، ويصلنا ذلك للموجود البديهي الذي يحتوي جميع الموجودات بوجوده الذاتي، الموجود بعين وجوده ذاته دون لزوم لموجودات أخرى تُسبّب وجوده.
بإمكاننا الاستفادة من مفاهيم الماهية والفلسفة في استطلاع وإنارة الخفايا للأمور الخارجة عنها بينما في المفهوم المنطقي فهناك جوانب تكشف ذواتها دون ارتباط بعوامل خارجية، أي أن الطريقة في عمل المفاهيم والاستعانة بها تختلف في طرائقها وليست متحدة في طريقة التفكير.
فخصائص المفهوم تفرض نفسها في أسلوب الاستدلال، وعلى سبيل المثال لو أخذنا (موت البشر) كصفة كلية تلحق بجميع البشر فإننا لا نستخرج صفات الحياة من الموت ذاته، المفهوم المنطقي يشير إلى أن (الرجل الميت ليس رجلاً حياً) هذا حكم كلي ينطبق على كل الأموات، ولا يتأثر بالعوامل الخارجية فيما لو حاولت تشويه التأكيد المنطقي، فعبر وجودها المستقل في الذهن نحن قادرون على حملها على أعداد لا حد لهم من البشر الذين تشملهم الأحكام الكلية أياً يكن موقعهم أو جنسهم أو عمرهم أو زمانهم، ونحن هنا نستدل على الموت لا على الحياة، ومن أجل الاستدلال على الحياة وتأكيد وجودها فنحن بحاجة إلى الاستعانة بالمفهوم الفلسفي أو الماهوي لنكتشف نوعية الإنسان الحي وتفريقه عن الإنسان الميت في جميع المجالات المتاحة سواء بالاستعانة بالتجارب الحسية المختبرية، أو بالاستعانة بالمتلازمات العقلية الثنائية التي من خلالها يتمكن العقل بالبحث الفلسفي أو الماهوي من إظهار دلائل الحياة، عبر الربط بين المفهوم والعوامل الخارجية نحقق الهدفية التي نبلغ بها غايتنا.
إذا نظرنا لوجود عوامل خارجية متشابهة في ماهيتها فهي تعزز من الماهية التي أثبتناها في مثالنا وهو (الموت) أي أن المشتركات الخارجية تكون عامل تعزيز للمفهوم وليست عامل اختبار لصحة أو خطأ المفهوم الماهوي.
والعقل باستعانته بالمفهوم الماهوي بإمكانه أن ينظر في قضايا مختلفة ويصنفها بأحكامه بغض النظر عن علاقتها بالقضية المطروحة أو لا، فيمكن للعقل أن ينظر في قضية الحياة كهدف أساسي دون تدخل قضية الموت، وتعداد القضايا التي يتمكن العقل من معالجتها دليل على نظرته الموحدة في ايجاد الأسباب والعلاقات لكل القضايا التي يضطلع بها.
فلو قررنا الاستعانة بمبدأ عدم التناقض لإيجاد الرابط بين أمور مختلفة فنحن ندرك جيداً أنها ليست استعانة منفلتة، بل هي استعانة تحكمها ضوابط للوصول لخلاصات محددة، واشتراك هذه الأشياء المطروحة للبحث في صفة عدم التناقض لندرك أن صدق أو كذب قضية ما ليس من قبيل العشوائية، بل هو من صميم مبدأ انبثق من مفهوم فلسفي غير قابل للتبدل، فنتوصل لنتيجة مفادها أن وجود هذه الأشياء مرتبط بعدم تناقضها، فلن يكون محمد كاذباً وصادقاً في نفس الوقت، إنما سنعرف الأمور التي صدق فيها فنعتبره صادقاً والأمور التي كذب فيها فنعتبره كاذباً وبالتالي نعرف متى وُجِد الصدق ومتى وُجِد الكذب، فتتحلى الموجودات بقوانين ثابتة لبيان اعتماد كيفية وجودها على حساب موجود آخر، ومتى يكون الموجود متاحاً.
إذن للمفهوم ثبات وكينونة ووحدة لا تتجزأ، وهذه الوحدة تمنع التشظي والانقسام فلا يعود هناك مجال للغط والخلط.
ونصل إلى التأكيد في التأثير المباشر الذي يحققه علم الوجود على كافة الموجودات ووسائل اجتماعها وافتراقها.
وقد توجد قضية واحدة تحفل بعدة مفاهيم، هذا لا يستدعي الوقوع في خطأ الاشتباه والتداخل، بل بإمكان العقل أن يفرز القضية المطروحة باستعانته بالمفاهيم، يستطيع أن يأخذ من كل مفهوم وسائله وأدواته التي تتيح له أن يحل جزءاً من القضية بما يناسب المفهوم حتى يحلل ويحل القضية بكاملها من خلال إجادة استخدام المفاهيم.
جميع القضايا تحتاج للمفاهيم التي تضعها في موضعها المناسب في سياق البحث، وكذلك كما تحتاج القضايا للمفاهيم التي تبينها وتوضحها، فكذلك المفاهيم تحتاج للألفاظ كي تنقلها وتبينها، وسواء كانت ألفاظاً مكتوبة ومدونة أو ألفاظاً متداولة في الذهن، ففي كلتا الحالتين يكون للغة عامل مركزي في توضيح وتصوير المفهوم، فكما المفهوم ينقل الأشياء، كذلك اللغة تنقل المفهوم، وبالتالي فإن دور اللغة دور بارز في إيضاح نوعية ومحتوى المفهوم، لذلك ينبغي التشديد في اختيار الألفاظ اللغوية كي لا تحمل معنى مختلفاً عن المعنى المراد إيصاله، فاختلاف المفردات سيُحوّر معنى القضية ليزودها بمعانٍ مغايرة للمقصود، المطلوب من اللغة أن تكون كالمرآة التي تحدد المفهوم بدقة كي نستجلي كل معنى في المفهوم المحدد.
بهذه الطريقة سنعرف مصدر العلم، بتحديده وبمعرفة أصوله ومنابع وجوده، سنتوصل لفهم العلم ومصادر أصوله، وجوده الذي ظهر منه، ارتكازنا على وجوده سيمنحنا القدرات للمضي قدماً في توضيح العلم، أما إذا كنا لا نعرف مصدراً لوجود العلم المطروح للبحث، فكيف سيتسنى لنا التأكد من كوننا لا نهدر وقتنا في أبحاث لا طائل منها؟! تقدم لنا الفلسفة العون في معرفة أصل العلم إذا لم نتمكن من إيجاد موضوع المادة العلمية المطروحة فسنجد ذلك في علم آخر انبثق منه العلم المشكوك فيه وبالتالي سنصل للأرضية الصلبة التي سننطلق منها في بحوثنا.
سوف نصل حتماً في سياق بحثنا إلى أصل كل علم، وتتيح لنا الفلسفة الأولى -السابقة لكل فلسفة- تتيح لنا الخوض بتبحر وتعمق في ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقا) لنصل إلى الموجود التام المطلق، إن الفلسفة الأولى بما تمنحه من بديهيات تتعالى على التجربة وتشير بوضوح لا لبس فيه إلى الموجود المطلق الذي منه تنطلق مختلف الموجودات وعلومها، الأساس الثابت الموجود المطلق الذي يتيح للموجودات وجودها وبقاءها وفناءها.
كيف سنعرف ونصل لندرك معنى ما؟ هناك فاعل ومفعول للمعنى، هل هناك فاعل ومفعول للوجود؟! الاستنتاج البديهي والعقلي يقولان: لا، وجود الخالق تعالى غني عن وجود يسبقه، وبالتالي فهو الوجود المتكامل الذي تخضع جميع الموجودات لكمال وجوده المطلق، وجود يُدرك كل شيء، وجود لا تدركه الموجودات كافة.
الإثبات نحتاجه للموجودات التي أوجدها الموجود المطلق الوجود، فنتمكن من إدراكها، وهذا يصل بنا لضرورة التفريق والفصل بين ما نستطيع إثباته من علوم خاضعة لغيرها في وجودها، وبين وجود متكامل مستغنٍ عن كل الموجودات في وجوده.
الموجودات كافة -المعنوية والمادية- تنتمي في وجودها للوجود المطلق.
(لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا...) (سورة الأنبياء - الآية 22).

ذو صلة
التعليقات