مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

إنكار الموهبة من أجل الحب

ينبغي أن تشاهد فيلم the wife (الزوجة) مرتين، ليس لصعوبة تَلَقِّيه، ولا للرغبة في اكتشاف أحداث ربما فاتتك في المَرَّة الأولى، فالأحداث ستتكشَّف لك تِباعاً حتى تَصل للذروة، فتُدرك حقيقة ما يحدث، وأنك طوال الفيلم كنت تعتقد أن جو كستلمان حاصل على جائزة نوبل، وإذا بك تعرف أنه ليس هو كاتب الروايات، لقد كانت زوجته هي التي تكتب. قامت ببطولته جلين كلوز، في دور الزوجة جوان كستلمان إلى جانب جوناثان برايس في دور الزوج جو كستلمان أخرجه بيورنج ران، وكتبه ميج ووليتز استناداً على رواية بنفس الاسم، وقام بكتابة السيناريو جاين أندرسون، كما قام هاري لويد بتمثيل دور جو كستلمان في شبابه، إلى جانب الدور المميز لكريستيان سلاتر فى شخصية ناثانيال بون.
تفاصيل خلف الأحداث
حين تُعِيد مشاهدة الأحداث وأنت لديك هذه المعلومات عن الفيلم تبدأ في رؤية الفيلم من زاوية جديدة، ونظرة مختلفة، ستشاهد تصرفات الزوجة جوان وزوجها جو من منظور مغاير، لقد وضع المؤلف والمخرج تصرفات الشخصيات بأبعادها أمامنا، فكان علينا أن نلتفت لكل مشهد بعناية، فندرك ما يدور تحت سطح الأحداث.
الفيلم تم تصويره بمشاعر مرهفة، وتمثيل متميز، من الرائعة جين كلوز الممثلة الأكثر ترشُّحاً لجائزة الأوسكار، وحين تتبع الأحداث وتتعمق في روح تصرفات الشخصيات من البداية، ستدرك أن الحقيقة كانت طوال الوقت أمام عينيك، ساكنة في التفاصيل الصغيرة للأبطال، لكننا لم نكن نشاهدها من وجهه النظر هذه، سنراها من زاوية أخرى لنلتمَّس في التفاصيل الدقيقة ما يرشدنا لحقيقة مشاعر الشخصيات منذ البداية، والتي برع الممثلون في إظهارها، ونجح المخرج في وضع فضاءات يمكن العودة لها عند الحاجة لتتبع وجهة الفيلم.
علاقة مخفيَّة
من البداية تظهر لنا جوان في حالة نادرة من حالات العناية بالزوج جو، فبداية من المشهد السابق لظهور اسم الفيلم على الشاشة لا تريد جوان لجو أن يأكل قطعة من السكريات ليلاً، حتى لا تسبب له بعض الأرق.
منذ اللحظة الأولى نفهم أن جوان تتفهَّم مشاعر جو جيداً، وأنها الراعية الحقيقية له، أما هو فربما لم يكن مهتماً بها عن رغبة أو مشاعر حقيقية، بل فقط لأنه يشعر بالأرق والقلق البالغ، إنه لا يفكر سوى بذاته، يطلب منها أن تظل مستلقية، لم يفكر في مشاعرها، فقط يريد أن يمارس العلاقة وأن يهدأ، إنه أناني لطيف، وحين قالت له: (هذا مثير للشفقة) لم يَنْفِر من العلاقة، بل ردَّد: (أجل، مثير للشفقة).
هذا انطباع يأتينا من أول طلَّة للفيلم عن جو وجوان، لقد نجحت الإضاءة في كشف شخصيتهما، فالإضاءة كانت تنير وجهها، فجاءت جوان واضحة كالشمس ببياض شعرها الفضي، ووجهها الأحمر الجميل، أما هو فقد كان في الجانب المظلم.
هذا جانب رهيف من العلاقة السرية بين جو وجوان، في السر، هي في الشمس وهو في الظل، هو يريد وهي تعطيه، لأنها تشعر بالشفقة من احتياجه هذا، هو يشعر بقلق بالغ، وهي هادئة وواثقة.
كأن المشهد الأول في الفيلم كشف لنا الشخصيتين الرئيسيتين في لحظة فوق السرير، مع أن الكاميرا لم تتحرك كثيراً، إلا أنها كانت بارعة، كان واضحاً أن جوان هي من تتخذ القرار، تقول: (افعل هذا) وينتهي المشهد بأن يصور لها جو خيالاً عن علاقة غير حقيقية، ونشعر أنه يستغل مشاعرها.
في نفس المشهد وقبل أن يبدأ الفيلم نسمع اتصالاً تلفونياً، يكشف فرحة جوان بحصول جو على جائزة نوبل في الآداب، أكثر من فرحته هو بالجائزة، كان المشهد واضحاً مكشوفاً، لكن المُشَاهَدَة الأولى تمرر ذلك، لقد كان جو حريصاً أن تكون جوان موجودة على نفس الخط تسمع لمكالمة المتحدث باسم جائزة نوبل.
المشاعر الداخلية تحدد مسار الفيلم
هذا المشهد البسيط من المحادثة التلفونية والذي تبادلت الكاميرا التِجْوال بين وجه جو ووجه جوان كان رائعاً، فقد ظهر جو في الظل، بان عليه عدم الاهتمام الفعلي المستحق لحصوله على هذه الجائزة الكبيرة، لم تظهر أي علامات لفرحة حقيقية، أما هي فقد كانت في الضوء، كانت متوترة، تقفز الفرحة من وجهها وعينيها وكأنها صاحبة نوبل، لقد احتجزت الممثلة المبدعة جلين كلوز الدمعة داخل عينيها، كانت حين تسمع مديحاً عن كتابات جو كمن يتم مدح أعمالها هي، فقط قال إنه من المفترض أن يحصل على شيء لقاء جهده لسنوات طويلة، ونسي أن نوبل تمنح لمبدع فائق الإبداع، وليس لمجهود سنوات.
الحق أن مشهد التبادل في لحظة الاستماع المزدوجة للهاتف، حين كان كل منهما يستمع للمتحدث باسم نوبل منحنا بعين الكاميرا أحقية الرؤية بأن الزوجة هي الأكثر سعادة بنوبل، لقد قفزت الفرحة من عينيها حين سمعت أن الروايات أثَّرت في العالم، كانت سعيدة جداً، وكان هو عادياً.
تكرَّرت هذه المشاعر كثيراً على مدار الفيلم، كان مدح أعماله الأدبية يجعل عينيها تلمعان ببريق رائع، وتطفر سعادتها علينا نحن المشاهدين، هذا المدح لها، وهو يعيش في كذبة، هو لم يكن منفعلاً تماماً إلي المديح عن رواياته طوال الفيلم.
المشاهدة الثانية تجعل المُشَاهِد لا يرى في ملامح جو أي عبقرية، وربما وجود اللحية كدلالة على تغليب عنصر الذكورة، أما هي فكانت ملابسها منتقاة بعناية فائقة وشعرها القصير الفضي المضيء، وشخصيتها المميزة، كانت تعطينا أن الكلام عن الروايات يدخل قلبها مباشرة، كانت جوان تتلقى المديح، وكان هو يتلقى الخزي، تتلقى مكافأة سنوات عمل وجهد في الظلام، دون أن تأخذ حقها، وكان هو في المشهد نفسه يُعَاقَب على سنوات الكذب، كان كل هذا قبل أن يظهر اسم الفيلم على الشاشة، لقد منح الفيلم للمشاعر الداخلية للمشاهد، الحقيقة، وسربها له بفن راق، من قبل أن نتعرف على ذلك في الأحداث.
تحت سطح الأحداث
تقوم جوان بالعناية به حتى في أدق التفاصيل الخاصة: القشور الجلدية، شعر الأنف، مظهره الشخصي. كان غير واثق أن حصوله على نوبل حقيقي، وكانت هي واثقة، كانت تعرف أن كل هذا حقيقي، وأن ما كَتَبَتْه يستحق نوبل، إن ما يحدث ليس مزحة بالغة الضخامة، ونسمع جملة تمر علينا في المشاهدة الأولى ونعتبر أن هذا الكاتب عظيم يُقَدِّر زوجته، لكن في المشاهدة الثانية ندرك حقيقة ما يقول، قال: (أنا من دون هذه المرأة لا قيمة لي مطلقاً) وكلمة لا قيمة على إطلاقها تدخل فيها القيمة الأدبية، إنه لم يقل كلمة واحدة عن الأدب، لم يقل أي شيء عن خياله كأديب، فقط كل شيء زوجته، وهومن دونها بلا قيمة، لم يكن ممكناً أن تمر مثل هذه الجُمَل في المُشَاهَدة الثانية.
على مدار الفيلم تبدو جوان مهتمة بالكِتَابة أكثر منه، حتى إنها في الفندق اتجهت أولاً للروايات وللمكتبة الخاصة بطبع كتبه، كان هو لا يعرف شخصيات رواياته، وهي تعرفها، أما هو فدائماً مهتم بالحلويات والبسكويت، والمشروبات الروحية، إنه حتى لا يعرف إن له عملاً تم ترجمته للغة العربية، أما هي فتتذكَّر أنه بأرباح الترجمة تم شراء ثلاجة جديدة للبيت.
كانت تخرج من فمها كلمات تدل على أنها كاتبة وأنه غير مهتم، فحين أَحْرَج من يحاول كتابة سيرته الذاتية، ناثانيل، قالت لجو: (ما من شيء أخطر من كاتب جُرِحَت مشاعرة) هذه الجملة تعبر عن شخصيتها هي، والتي ستظهر في نهاية الفيلم، وأنها ابتعدت عن الكتابة خوفاً من جرح مشاعرها، أما لحظة استلام جائزة نوبل، فقد رأينا جلين كلوز كممثلة بارعة ورائعة، أَدَّتْ الدور دون كلمات تُقَال، كانت تخرج مشاعر البطلة بسهولة ويسر، ندم وغضب وانكسار ورغبة في الهروب، كل هذا في مشهد واحد ولقطة بسيطة على وجهها ساعة استلام الجائزة وإلقاء جو كلمته، تمثيل يستحق أن نقف له ونصفق، دمعة سقطت وعادت، لا تقل كيف حدث هذا، كنا نشعر أنها جائزتها هي، حتى إنها قالت جملة رائعة حين سئلتْ: (هل لديكِ ولع ما؟) قالت: (أنا صانعة رجال) فهي التي صنعت هذا الرجل الواقف الآن يتسلم جائزة نوبل في الآداب.
ماضي جوان.. دعوة لمراجعة المشاهد من البداية
المُلَاحظ أيضاً أن جميع أحداث استدعاء الماضي، والعودة لما سبق تم عن طريق جوان، فهي من يَسْتَرْجِع الماضي، ومن يفكر في الأحداث، كأنها تضع أمامنا هذا الماضي، فالماضي بالنسبة لها هو كل حياتها، وهو الذي تعيش فيه، أما جو فلم يكن هناك ماض بالنسبة له، حتى ولو كانت الذكريات تجمع بينهما، لقد كان آنياً، يحيا اللَّحظة، لقد كَشَفَتْ هذه العودة للماضي أنه استدرجها للزواج منه، وأنه استخدمها في إعادة صياغة رواياته، بل تأليفها كاملة، لقد وقعتْ في حبه، حتى إنه دفعها للكاتبة إلين موزيل كان رأيها أنه لن يلتفت أحد لكتابتها، هو الذي عرفها بالكاتبة، كانت في عين جوان دمعة، هل استغلها حتى بهذه الطريقة؟ لكن جوان لم يكن لديها شخصية أدبية قوية لتستمر في الكتابة لنفسها، كانت كاتبة عظيمة، وإنسانة هَشَّة ولأنها تحب الكتابة فقد قامت بالكتابة في السر باسم جو، لقد اعترفت فيما بعد أنها لم تكن تملك شخصية لتساعد نفسها على تحقيق هذا الأمر، كانت خجولة جداً، لا تحب أن ينظر أحد إليها.
كان أحدهم حين يمدح مؤلفات جو تظهر في عينيها لمعة غريبة، تكشف شغفها بروايات جو، ذلك قَبْل أن ندرك أنها المؤلفة، وحين اعترف جو بأن زوجته لا تؤلف وأنها لو ألَّفت فسيعاني انقطاعاً دائماً من التأليف، لقد اتخذها الحاضرون على أنها مزحة، لكنها كانت الحقيقة، فالفيلم لم يكشف أنها المؤلفة الفعلية بسهولة.
من أجمل المشاهد التي عاد بها الزمن حين قَبَّلها وهي فتاة صغيرة، كانت تَحْمِل قصتها الجيدة، ومع القُبْلة، سقطتْ الأوراق من يدها، كان هذا كغشاوة على بصيرتها لأنها سقطت كمؤلفة مقابل الحياة الغرامية مع جو، لقد تركت روايتها تهوي مع القُبْلة، وتزوجته.
بعدها قرأت روايته واكتشفت أنها سيئة، وشخصياتها غير حقيقية، وأسلوبها متكلف، وكان هو منزعجاً من تصوُّر نهاية حياته الأدبية، فقالت: (يمكنني إصلاحها، هل تريد مني أن أصلحها؟) وكانت البداية، إصلاح رواية وتغير جذورها، حتى صارت تكتب ثمان ساعات في اليوم، وهي محبوسة داخل غرفة المكتب مع الآلة الكاتبة، وهو يمارس حياة المنزل من مراعاة الأطفال، وإعداد الوَجَبَات، ويمنع ابنهما من الدخول عندها ثم تكتب اسمه على الرواية. وصرخ جو: (سينشرون روايتنا) ولم يقل روايتي، جملة يمكن أن تمر في المشاهدة الأولى، وبالتدقيق نكتشف الحقيقة.
كَشْف الحقيقة بهدوء
لقد ظهر ناثانيل كاتب السيرة الذاتية ليزرع في نفس المشاهد الشكوك حول أحقية جو في الحصول على نوبل، وأن من يستحق نوبل هو زوجته جوان، لقد بحثَ في أعمال جوان فوجدها جيدة، وجد لها أعمالاً منشورة في بدايتها أجود بكثير من أعمال جو، حتى إن زوجة جو السابقة كارول أخبرت ناثانيل أن أعمال جو تحسَّنت كثيراً بعد أن تزوج من جوان، لقد قام الممثل كريستيان سلاتر بدور ناثانيل ببراعة، شعرنا معه بإنسان يمتلك حدث اللَّف والدوران، والقدرة على اختراق الخصوصيات المستورة.
لقد انكشف كل شيء في نهاية الفيلم، كانت كذبة كبيرة ومتقنة بامتياز طوال سنوات عديدة، حتى إنها قالت له: (زوجتك التي ربحت جائزة نوبل تواً). كانت تلك هي النهاية، أما جو فقد أصيب بنوبة قلبية ومات، وظل السر سراً، ولم تبح به جوان، وتركتنا جلين كلوز نرفع قبعاتنا لهذا التمثيل الرائق الذي يدخل القلب دون استئذان.

ذو صلة
التعليقات