مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

في مديح الكتابة عن الكتابة

عندما كتبت (درب الكتابة) قبل سنتين جاءتني الكثير من التعليقات بأن التجارب الغربية تغلبُ العربية في الكتاب، وكان تبريري الأساسي هو بأن تدوين التجارب الكتابية ليس شائعاً في الوطن العربي، وجلّ ما يمكن الاستفادة منه هو حوارات متفرقة وشهادات مختزلة.
في معرض الشارقة للكتاب قبل أيام، سعدت باقتناء هذين الكتابين فاتحة خط نشر جديد في دار المحيط تحت عنوان (أنا الرواية) في محاولة لاستنطاق الروائيين للتعبير عن تجاربهم ورحلاتهم مع الكتابة.
(أحد يسكن رأسي) للروائية مها حسن، الذي أنهيته في يوم، وأتبعته مباشرةً بشهادة الروائي فواز حداد (لقد مررت على هذا العصر) الذي لم أقرأ له شيئاً، ولن أفعل على الأرجح، لا لشيء سوى عدم اهتمامي بمواضيع أعماله.
عندما تقرأ كثيراً في موضوع محدد تتشابه لديك الكلمات وتتكرر عليك الجمل لا محالة، ومع ذلك تستمر في القراءة تلبية للحب الذي يدفعك نحوه، وأيضاً تلبية للرغبة في تأكيد سلوكياتك التي تمارسها بلا سابق توجيه فتكتشف اتفاق الكثير عليها.
يشترك الكاتبان في القليل ويختلفان في الكثير من الصفات، تجمعهم الجنسية السورية الأصل، والتورط المبكر في الكتابة، والتفرغ لها، والنشر عند رياض الريس، ويفترقان في الاهتمامات والموضوعات ورحلة النشر، نشرت مها مبكراً ونالت الكثير من الردود بغض النظر عن نوعيتها ورشحت لجوائز وترجمت أعمالها، بينما كتب فواز كثيراً ولم ينشر إلا بعد الأربعين من عمره ولم يحظ إلا بفتات مقالات ومنعٍ لكتبه من النشر في بلده.
أكثرت مها من مناقشة موضوع اللغة واغترابها مع اللغات الثلاث التي تتنقّل بينها، وعن المنفى وأثره، وعن حكايات والدها التي ما انفكّت عن استدعائها كلما نضب مخزون الكتابة لديها، وعن التظلّم من وضع الكاتبة في الوطن العربي. أما فواز فكانت كتابته أكثر تنظيراً حول الأوضاع السياسية والحروب العربية، وعن بداياته التاريخية التي رسمت خطاً لرحلته الكتابية على غير إرادته، وراح يتكلم عن كل رواية وماذا ناقش فيها وكأن غياب النقد عن أعماله دفعه لكتابته.
كلا الكاتبين لم يتطرقا لخفايا الحياة اليومية، لم أعرف المستوى المعيشي لهما، فواز كان يدفع مقابل نشر أعماله الأولى دون أن يخبرنا من أين له ذلك وهو المتفرغ للكتابة، ومها المغتربة في فرنسا لم تطمئننا إن كان التفرغ للكتابة يكفي لعيش حياة هانئة في مدينة النور.
كتابة تجارب الكتابة خطوة معقدة، بين اشتراط تجربة مكتملة، أو على الأقل ناضجة، وبين وعي ذاتي شديد الحضور، وذاكرة قوية تحتفظ بالتفاصيل، والأهم من كل ذلك، الجرأة على كشف الموارد وعرض الخفايا التي تسمح بالحديث عن القراءات قبل طقوس الكتابات، لم يذكر فواز كتاباً واحداً مما أثّر عليه سوى بضعة أسطر من قراءات المراهقة، أما مها فكررت مراراً امتنانها لكافكا وتأثرها بسارتر قبل التخلّي عنه والميل لحبيبته.
كتاب مها أكثر حميمية من فواز، كتابة فيها تفاصيل حياتية لم يتطرق لها فواز المشغول بالمعرفة أكثر من الحياة، وكأن ضيق حدود تنقلاته في سوريا انعكست على كتابته، بينما تنقلات مها بين سوريا وتركيا وفرنسا وغيرها من دول العالم التي استضافتها متحدثة أو زائرة أثمر ارتحالات عديدة في كتابها بين الأزمنة والأمكنة.
آمل أن تستمر الكتابة عن الكتابة، ويستمر تدوين التجارب دون استنقاص منها أو تزهيد بها، وأن يترك الكاتب الذي أمضى سنوات حياته مع الكتابة جزءاً من نور يضيء به درب الكتابة لمن بعده.

ذو صلة
التعليقات