مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

من أجل جودة الحياة.. التثاقف بالترفيه

في 17 شعبان من عام 1439 الموافق 3 مايو من عام 2018م أعلنت المملكة عن (برنامج جودة الحياة)، بوصفه برنامجاً إستراتيجياً يُسهم في تحقيق (رؤية السعودية 2030) القاضي بتحسين جودة حياة الفرد والأسرة من خلال تهيئة البيئة اللازمة لدعم واستحداث خيارات جديدة تُعزّز مشاركة المواطن والمقيم والزائر في الأنشطة الثقافية والترفيهية والرياضية والسياحية وغيرها من الأنماط الأخرى الملائمة التي تسهم في تعزيز جودة حياة الفرد والأسرة.
ولعلنا لا نجانب الصواب إن نحن ذهبنا إلى القول بأنّ الفجوة بين القاعدة الشعبية والنخب الثقافية آخذة بالاتساع، حتى باتت بعض تعابير المثقفين وأقوالهم موادّ دسمة لصناعة الفكاهة والتندر عند القاعدة الشعبية، بحكم تباين خطاب التواصل البيني في المجتمعين العام والمثقف، حتى عاد خطاب المثقف مستغلقاً على كثير من فئات المجتمع العام. ومعلوم أن هذا التباعد ليس وليد هذا العصر، فكثير من الروايات التراثية نقلت لنا استهجان العامة لخطاب المثقفين ولاسيما المتقعّرين منهم، ولعل حكاية (مالكم تكأكأتم عليَّ كتكأكئكم على ذي جِنَّة، افرنقوا عنّي) من الحكايات التي سارت مثلاً على ما نحن بصدد الحديث عنه هنا، ولربما أصبنا كبد الحقيقة إنْ نحن قلنا: إنّ هذا التباعد مضر بمسعى صناعة ثقافة واعية يتشارك إنتاجها أصحاب الرأي (المثقفين) بطرح الأسئلة الثقافية والمعرفية، وأصحاب المنفعة (شرائح المجتمع الأخرى) بالتفاعل مع أطروحات المثقفين وإثرائها وتمثلها، ممّا يؤدي في نهاية الأمر إلى إنتاج صناعة ثقافة واعية رصينة من حيث السلوك الفردي والجماعي وبناء مجتمع فاعل عامل على تنمية ذواته وبناه التحتية.
ولتجسير العلاقة بين ضفتي (المثقفين) و(شرائح المجتمع الأخرى)، وردم الفجوة بينهما، سعت المملكة إلى رسم الإستراتيجية التأهيلية (ما قبل 2030) لتحقيق أهداف أولية محسوسة قبل حلول 2020م، لعلّ من أهمها إقامة (450) نادي هواة مسجّل يقدم أنشطة ثقافية متنوعة وفعاليات ترفيهية وفق منهجية منظّمة وعمل احترافيّ. ومن بين هذه الأنشطة المنظّمة والاحترافية مشروع (الشريك الأدبي) الذي يعمل على تحريك (الفعل الثقافي) في الأماكن العامة التي ترتادها أكثر شرائح المجتمع، ألا وهي (المقاهي)، لكي تردم الهوة التي سبّبتها الفجوة بين المثقف وشرائح المجتمع العامة الأخرى وخلقت حالة من الاغتراب وشاع في الأوساط أنّ الثقافة سلوك نخبوي، وانشغلت هذه الشرائح العامة بتشييد ثقافة خاصة بهم بعيداً عن المشارب الرصينة الحقيقية لها، لذلك سعت هيئة الأدب والنشر والترجمة في وزارة الثقافة إلى رفع شعار (الثقافة أسلوب حياة)، وذلك بنزول النخبة إلى القاعدة، لتفعيل حركة عكسية في المرحلة الثانية من المشروع تتمثّل في رفع القاعدة إلى النخب، وهذه الحركة الثقافية المزدوجة تقوم ابتداءً على مبدأ تنموي فاعل يمكننا الاصطلاح عليه بـ(التثاقف بالترفيه)، بحيث يستثمر المثقف مناطق الاسترخاء عند شرائح المجتمع العامة، لضمان حالات الاستجابة إلى الفعل الثقافي وبناء الوعي لديه، على أن يُحسن المثقف المستهدِف صياغةَ برامجه لتستجيب له الشرائح العامة الأخرى.
وفي الختام لا بد من التأكيد على أن الشريك الأدبي مشروع داعم للفعل الثقافي الأكبر، ومكمّل لغاياته النبيلة بإعادة شرائح المجتمع العامة إلى حاضنة الثقافة الرصينة الحقّة.

ذو صلة
التعليقات