مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

خالد تاجا: فنان الوقار والبراءة

برحيل الفنان الكبير خالد تاجا في الرابع من أبريل الجاري، تكون الساحة الفنية السورية والعربية قد فقدت أحد أبرزها وجوهها الفنية التي تمتعت بملامح خاصة انطوت على الصرامة والوقار والجدية من جهة، وعلى الحنان والبراءة وخفة الروح من جهة ثانية. هذه الملامح والسمات الخارجية اقترنت بموهبة تمثيلية (استثنائية)، فكان تاجا، وطوال أكثر من نصف قرن، وهو عمر تجربته الفنية، وجهاً مألوفاً ومحبباً ومطلوباً سواء على خشبة المسارح أو في الأفلام السينمائية أو في الأعمال التلفزيونية، حتى لقب، حسب وصف ينسب للشاعر الراحل محمود درويش، بـ(أنطوني كوين العرب).
يصف تاجا، المولود لأسرة كردية في حي ركن الدين بدمشق سنة 1939، يصف رحلته الفنية الطويلة بالقول «حلم من الجنون كومضة شهاب زرع النور بقلب من رآها، لحظة، ثم مضت»، ويقال بأنه قد أوصى بكتابة هذه العبارة على شاهدة قبره. لكن هذه العبارة الوجدانية المؤثرة لا تفي الفنان حقه، ذلك أن تلك الشخصيات التي جسدها في عشرات الأعمال لن تبارح الذاكرة بسهولة. 
من الصعوبة بمكان الإحاطة بتجربة فنية على هذا النحو من الثراء والتنوع والغنى، في مقال صحفي، فقد بدأ تاجا مشواره الفني عام 1957 مع فرقة المسرح الحر التي ضمت نخبة من الفنانين الكبار أمثال صبري عياد، حكمت محسن، أنور البابا، وكان يرأسها الفنان الراحل عبداللطيف فتحي، وقدم العديد من الأعمال المسرحية التي شكلت جزءاً من ذاكرة المسرح السوري في عصره الذهبي. 
وكانت انطلاقته السينمائية الأولى في عام 1966 حيث قام ببطولة فيلم (سائق الشاحنة)، وهو من إخراج البلغاري بوشكو فتشينكش، وهو أول إنتاجات المؤسسة العامة للسينما في سوريا، بالإضافة لعدد من الأفلام التي تركت بصمة في تاريخ السينما العربية.
وبعد انتشار البث الفضائي على نطاق واسع بدءاً من منتصف تسعينات القرن الماضي، والتطور الذي عاشته الدراما السورية في السنوات الأخيرة، سواء من ناحية الكم أو النوع، برز اسم تاجا كأحد أعمدة الدراما السورية، حيث وقف أمام عدسة أبرز المخرجين ليجسد شخصيات مختلفة ومتنوعة تراوحت بين أعمال البيئة الشامية، والمسلسلات التاريخية، ومسلسلات تتناول قضايا اجتماعية معاصرة، فضلاً عن أعمال كوميدية.
وما يميز تجربة تاجا هو أنه ابتعد عن التنميط، ولم يستطع أي مخرج أن يؤطره ضمن أدوار معينة، إذ نجح تاجا في أداء جميع الأدوار، وأثبت جدارته في الكوميديا وفي التراجيديا معاً، وفي القيام بأدوار مركبة وبسيطة، ومن أهم الأعمال التي شارك فيها: خريف الأيام، هجرة القلوب إلى القلوب، الدوغري، الأبواب السبعة، شبكة العنكبوت، جريمة في الذاكرة، المليونير الصغير، نساء بلا أجنحة، نهاية رجل شجاع، إخوة التراب، أيام الغضب، المحكوم، تمر حنة، أسرار المدينة، يوميات مدير عام، الغريب والنهر، النصية، آخر أيام التوت، شام شريف، الزير سالم، ملوك الطوائف، ربيع قرطبة، صلاح الدين الأيوبي، أحلام كبيرة، الحصرم الشامي، التغريبة الفلسطينية، أهل الراية، حاجز الصمت، غزلان في غابة الذئاب، قاع المدينة، العار... وغيرها من المسلسلات التي أظهرت تماهي الراحل مع الدور الذي يؤديه، وحرصه على تقديم الأفضل لديه حتى اختارته مجلة (تايم) الأميركية من بين أفضل خمسين ممثلاً في العالم عام 2004، فضلاً عن العديد من الجوائز والتكريمات والاحتفاء الذي حظي به في أكثر من مناسبة ومهرجان.
يقول المخرج تامر إسحاق الذي يتولى إخراج مسلسل (الأميمي) الذي شارك تاجا في بعض مشاهده لكنه لم يستطع إكمال دوره بسبب اشتداد المرض عليه، «إن الراحل قامة فنية عظيمة قدمت الكثير للفن في سورية والعالم العربي بمجمل الأعمال الدرامية والمسرحية والسينمائية التي عمل فيها». ووصف الناقد السينمائي بندر عبدالحميد الفنان الراحل بأنه «هرم فني أغنى الحركة الفنية في سورية والعالم العربي بإبداعات استثنائية». وفي حين قال الفنان دريد لحام إن الفنان الراحل «لم يبتعد في حياته عن القضايا الوطنية والقومية والقضايا الإيمانية وأعماله الوطنية والاجتماعية تشهد على ذلك». رفيق دربه الفنان سليم صبري رأى أن فقدان خالد تاجا «أكبر من فاجعة، لأنه ليس فقدان فنان أو زميل فحسب، بل هو فقدان رفيق عمر».
واللافت أنه ورغم الإنجازات الفنية الكبيرة التي حققها تاجا، إلا أن محطات حياته الفنية لم تكن وردية دائماً، فقد عانى كثيراً من الخيبات والانكسارات، لكنه كان دائماً يملك عزيمة قوية للنهوض والبدء من جديد. يقول تاجا في حوار معه: «قلائل هم الذين عاشوا عذابات الحياة ومرارتها كما عشتها. جلست أكثر من عشرين عاماً بلا عمل في الفن، علماً أن انطلاقتي كانت في العام 1957، وكنت وقتها أشارك في أعمال مسرحية باتت خالدة في أرشيف المسرح السوري».
والواقع أن تاجا من الفنانين القلائل الذين جمعوا بين القول والفعل، أو بين التنظير والممارسة، فالقيم السامية التي كان يعبر عنها في فنه سعى إلى تطبيقها في حياته على الصعيد الشخصي، وربما من هنا لاقى صعوبات كثيرة إلى أن استطاع أن يتبوأ مكانة سامقة لم يعد أحد معها يستطيع أن يتجاهل هذا الفنان، إذ أصبح رقماً صعباً يفرض شروطه بدلاً من أن يفرض الآخرون عليه شروطهم، وهو لم يكن متعالياً بل كان متواضعاً، ودوداً ولبقاً، لا يطلب خلال عمله في الوسط الفني سوى الصدق والإخلاص والوفاء.
ذو صلة
التعليقات