مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

تأثّر بالتراث العربي الإسلامي في الكوميديا الإلهية.. دانتي الليجيري

لم يكن موضوع التأثير الإسلامي في الكوميديا الإلهية للشاعر الإيطالي الخالد دانتي وليد اليوم، وقد عزّ على أبناء الثقافة الأوروبية أن يعترفوا بالدين للثقافة العربية الإسلامية في مرحلة عطائها الخصب حين اعترف الباحث الإسباني (آثين بالاثيوس) بما يحفل به التراث العربي الإسلامي من صور الدار الآخرة وأدب المعراج، يكمن وراء أنضج وأقوى أثر أوروبي في العصور الوسطى، وهي ملحمة دانتي الخالدة (الكوميديا الإلهية).
(المجلة العربية) تفتح صفحاتها للتعرّف على عطاء وعظمة الشاعر الإيطالي دانتي، وكيف أنه تأثّر بالثقافة العربية الإسلامية في كتاباته، وبخاصة رائعته (الكوميديا الإلهية).
ابن النهضة الأوروبية البِكْر
فتح دانتي الليجيري D. Alighieri عينيه على نور الحياة في بدء عصر النهضة الفكرية الأوروبية، فكان من أوائل قادتها العظام، وانغمس في النزاع بين الباباوات والسلطات المدنية إلى أذنيه، فكان بين الرؤساء المدنيين في بلده فلورنسا بإيطاليا، وكان من زعماء حزب البيض المعادين للبابا، وحين سقط الحزب تم نفيه بعيداً عن الوطن وحُكم عليه بأن يُحرق حياً إذا حاول العودة إلى وطنه، ولم ينقذه من بشاعة النفي إلا الموت وهو ابن ستة وخمسين عاماً.. إنه ابن النهضة الأوروبية البِكْر الذي تحمّل عذاب المنفى والفقر والحنين في سبيل عقيدته السياسية والوطنية.
ولعل النقطة المحورية في أدب دانتي وفي حياته هي حبه الكبير لفتاته (بياتريشة بورتيناري) التي عرفها في عام 1274 م وكان يكبرها بعام واحد، وراح يغنّي حبه وأشواقه في ساحرة فؤاده.. إلا أن القدر فرّق بينهما حين تزوجت، حاول نسيانها دون جدوى، وبعد فراقهما بتسع سنوات سبقه الموت إليها فحاول أن يجرب حظه مرة أخرى فاقترب من السيدة (جيمادي مانيتو دوناتي) التي عاشت معه زوجة إلى آخر العمر.
ورغم زواجه لم ينجح دانتي في نسيان بياتريشة، بل إنه راح يبكيها بكاءً مُرّاً ويحس بفؤاده يكاد يتمزق بين ضلوعه ولم ينقذه من حزنه إلا منفاه.. فقد انصهرت روحه بالحب العميق الحار، وبالحنين الوطني الملتهب.. فأخرج للعالم روائعه الأدبية العظيمة: (الحياة الجديدة، الوليمة، في الملكية، الكوميديا الإلهية) وأبدع أيضاً (البلاغة الشعبية، والديوان، والرسائل). نجد أثر حبه لبياتريشة في (الوليمة، والكوميديا الإلهية) كما تجلّى من قبل في (الحياة الجديدة).
عُرف دانتي بنهمه الشديد للمعرفة وتعلّقه بجميع مصادرها خاصة بالثقافة العربية وما تتميّز به اللغة العربية من دقة التعبير وعظيم الفائدة للعلماء، فتأثّر بالإسلام وبرسوله الكريم عليه الصلاة والسلام في بعض كتاباته وخصوصاً الكوميديا الإلهية، وقدّر للعلماء المسلمين دورهم وعطاءهم مثل: ابن سينا وابن رشد. لقد زكّت معرفته بالتراث الإسلامي للعالم الآخر في نفسه هذا الإطار (البعد عن الجدل الديني والاستغراق في عالم الملكوت السماوي ونقد المجتمع الفلورنسي)، وحفّزته إلى اتخاذ نموذج الرحلة إلى عالم الغيب قالباً فنياً لعمله، خاصة عندما بهرته المشاهد الإسلامية بما تحفل به من تنظيم دقيق وصور فنية، ولم تكن محاكاة النماذج القديمة شيئاً معيباً في عصر دانتي بل كانت قانون الكلاسيكية العام وروحها الغالب تكتسب بها الأعمال الفذة لوناً من مشروعية الوجود وتبرير النهج.
معراج مُحمّد عليه الصلاة والسلام
كيف وصلت هذه العناصر الثقافية إلى دانتي؟
لا نغفل جملة مظاهر الاحتكاك الحضاري العام بين أوروبا والعالم الإسلامي وفي مقدمتها الحركة التجارية المكثّفة التي أخذت تنشط بدءاً من القرن الثامن بين أوروبا ومختلف المناطق الإسلامية في إسبانيا وشمال أفريقيا وسوريا ومصر والشرق الأوسط، ثم حركة الحجيج التي كانت تتم أحياناً في جماعات كبيرة إلى الأراضي المقدّسة، ثم الحروب الصليبية وما أدّت إليه من إنشاء إمارات مسيحية يحكمها الأوروبيون في قلب الشرق الأوسط، ثم موجات التغلغل الديني على الجانبين معاً.. بيد أن مجال الاحتكاك الأكبر كان هو تلك البلاد التي جمعتها بالعالم المسيحي حدود جغرافية ومناطق مشتركة في معايشة سلمية وحربية طويلة الأمد مثل صقلية والأندلس، حيث تمت بالفعل أكبر عمليات الاحتكاك الحضاري المثمرة.
ففي صقلية اختلطت أبعد العناصر الأوروبية عن التجاور الجغرافي مع العالم العربي، مثل الدانماركيين والسويديين والإنجليز وغيرهم خلال قرنين من الزمان تم على أثرهما وبعد عديد من الغزوات والحروب والمحالفات تكوين مملكة صغيرة أصبحت في القرن الثالث عشر مركزاً إسلامياً للإشعاع والتأثير الثقافي، ينشر العلوم والآداب العربية في جميع أنحاء أوروبا والعالم الغربي عامة.
أما المركز الآخر وهو إسبانيا المسلمة فيعتبر بلا شك قمة التغلغل العربي الإسلامي في أوروبا الذي استمر ظاهراً للعيان زهاء ثمانية قرون، ومرّ بمراحل عديدة لعبت فيها الحضارة الإسلامية دوراً رائداً في بَعث الثقافات الغربية وتلقيحها بأهم العناصر التي أدّت باعترافهم إلى التعجيل بأسباب النهضة الأوروبية وفتح أبواب العصر الحديث.
وتأتي الترجمة وهي الوسيلة الكبرى لانتقال التراث الإسلامي عامة وكانت الوسيلة التي اطّلع دانتي عن طريقها على الثقافة الإسلامية، وشهد النصف الثاني من القرن الثالث عشر وصول حركة الترجمة قمة ازدهارها في عهد الملك الفونسو العاشر، وكلّف طبيبه إبراهام الطليطلي بأن يترجم من العربية إلي الإسبانية كتاب (معراج مُحمّد) عام 1264م.. وهذا الكتاب يقع ضمن دائرة اهتماماته الكبرى بترجمة عيون الفكر والعلوم العربية إلى الإسبانية.. وهو يُعدّ موسوعة تاريخية هامة عن تاريخ العالم كله وإسبانيا بخاصة. ويبدو أن السبب الحاسم في ترجمته أن يعرف الناس حياة وتعاليم مُحمّد وما فيها من أحداث.
وكان لدانتي مجموعة من أصدقائه اليهود مثّلوا له أوسع القنوات التي حملت لدانتي أفكاراً إسلامية مفصّلة عن الإسراء والمعراج، وأنها كانت الترجمة اللاتينية للقصة بعد إتمامها في أشبيلية.
وإذا كان دانتي قد وُلد بعد عام من ترجمة قصة المعراج في إسبانيا، ثم كتب جزءاً من الكوميديا الإلهية عام 1307م، وأتمّها ما بين عامي 1314 و1319 أي بعد مرور خمسين عاماً على هذه الترجمة، فإننا نُدرك حجّة المفكرين الإيطاليين بإمكانية اطّلاع دانتي على كتاب المعراج بأكثر من لغة. أيضاً تأثر دانتي في كوميدياه بالثقافة الإسلامية، وثبت تاريخياً أنه استقى هذه الثقافة وتراث الإسراء والمعراج من المنبع الأساسي لهذه الصيغ الأدبية والصوفية.
مؤثرات إسلامية في كوميديا دانتي
وكان الأثر الأدبي الإسلامي الأكبر الذي صاغ ملحمة المعراج أوائل القرن الحادي عشر الميلادي هو (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعرّي التي تُعدّ من أنضج نماذج الثقافة العربية.. وإذا قارنّا بين رسالة الغفران والكوميديا الإلهية لوجدنا أننا أمام رحلة للعالم الآخر تتميّز بخلوّها من عناصر الخوارق والمعجزات التي تحفل بها روايات الإسراء والمعراج عادة، فباستثناء الفكرة الأساسية للرحلة التي تقع في نطاق المعجزات تمضي الحوادث بعد ذلك على نسق أقرب ما يكون إلى منطق الحياة المألوف.. فالمسافر عند المعرّي ليس نبياً ولا ولياً ولا من كبار الأبطال ولكنه إنسان عادي يقترف الذنوب ويسعى في الأرض، مثله في ذلك مثل دانتي بطل الكوميديا الإلهية، كما أن الشخصيات التي تقوم بأدوار ثانوية ليست في معظمها من الأنبياء ولا الأولياء والقدّيسين، وإنما هم أناس عاديون مثلما نجد عند الشاعر الإيطالي دانتي.
وكانت بداية (الكوميديا الإلهية) la divina commedia هي قصة بحث دانتي عن الحبيبة، ووصوله إليها أخيراً عبر العوالم غير المنظورة، وسعادته بمرافقتها في رحاب الفردوس وأمام عرش الخالق، وهي أيضاً قصة الصراع السياسي في بلده، والناس الذين أساؤوا لشعبه وأرضه فاستحقوا أن يخلّد عذابهم في الجحيم، والذين، أحسنوا استحقوا أن يرفعهم إلى فردوس النعيم.
وهناك ثمة تأثر وتشابه بين كوميديا دانتي وما ورد عند ابن عربي تحت عنوان (كيمياء السعادة) في فتوحاته المكية الخاصة في اجتياز نفس المراحل التي مرّ بها الرسول صلّى الله عليه وسلّم في معراجه، وهي سبع مراحل تتمثّل في السماوات السبع الفلكية: سماء القمر وعطارد والزهرة والشمس والمريخ والمشتري وزُحل، ووصول الراحلين إليها بنفس السرعة: أحدهما وهو الفيلسوف على مركبه الخاص أو بُراقه الذي يرمز للعقل، والثاني وهو المؤمن على جناح النور والنعمة الإلهية رغم اختلافهما في الحفاوة التي يلقيانها عند وصولهما معاً إلى أبواب السماوات، ولا في الفائدة التي يجنيانها، وعند الهبوط يأخذ المؤمن في الهبوط بحثاً عن رفيقه الفيلسوف، فيعودان إلى العالم الأرضي، ويسارع الفيلسوف إلى اعتناق الدين الإسلامي حتى ينعم بالتأملات الروحية والمشاهد الصوفية التي حُرم منها خلال معراجه، وحتى يرقى إلى رؤية ما لم يتسنّ له رؤيته.
هناك جوانب متعدّدة تتشابه فيها هذه القصة الصوفية الرمزية لابن عربي مع ملحمة دانتي الشعرية، فكلّ من المفكّرين يعتبر الرحلة رمزاً للحياة المعنوية للأرواح البشرية، هذا العالم، حيث ابتلاهم الخالق سبحانه وتعالى كي يستحقوا السعادة الأخيرة التي تتمثّل في الرؤية الإلهية، على أن أحداً لا يستطيع عندهما أن يصل إلى هذه السعادة إلا بمعرفة خارقة، وهي علوم الدين، وأن الفلسفة البحتة لا تستطيع أن ترقى به إلى سماء الفردوس، رمز الفضائل الدينية التي لا يمكن الوصول إليها بدون النعمة النورانية العليا. وهناك تجربة صوفية أخرى تنتمي للأدب الفارسي قورنت بالكوميديا الإلهية، وهي منظومة (سير العباد إلى المعاد) للشاعر الفارسي سنّائي، أو الشعراء المتصوّفون الثلاثة العظام ممن كتبوا المثنويات في إيران، وثانيهم فريد الدين العطّار، وثالثهم جلال الدين الرومي، والمولود في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري.. وقد ذهب المستشرق الإنجليزي نيكلسون إلى أن السنائي هو الرائد لدانتي.

ذو صلة
التعليقات