مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

الألبانيون.. بعيون المستشرقين

تقع ألبانيا (بلاد البلقان) على بحر البندقية بعد اليونان. ومع الفتح العثماني هاجر الكثير من أبناء هذه القومية، شأنهم شأن الشركس، إلى تركيا والبلاد الواقعة تحت الحكم العثماني. وكان يطلق على سكانها أرناؤودس باللغة (اليونانية) ثم حُوِّر إلى أرناؤوط بالتركية، وقد انتقلت هذه التسمية إلى العربية أيضاً، وأخذ العرب يطلقون على الألبانيين اسم أرنؤود ثم أرناؤود وأخيراً أرناؤوط، وعلى موطنهم (بلاد الأرناؤوط) في حين غلبت في القرن العشرين الصيغة الحديثة: ألبانية والألبانيون.
وبعد استقرار الحكم العثماني منذ بداية القرن السادس عشر في ألبانيا تحول الألبانيون تدريجياً نحو الإسلام، الذي وصل إلى ذروة انتشاره هناك في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وغدا معظم الألبانيين من المسلمين. وقد صاحب انتشار الإسلام في المناطق الألبانية ازدهار اقتصادي وثقافي وقومي على قدر كبير من الأهمية.
أثرت الأحوال القاسية التي رافقت الألبانيين عدة قرون، وحركة المد والجزر أو الصعود إلى المرتفعات والهبوط إلى السهول تبعاً لتوسع القوى المجاورة وانكماشها في تكوّن الكثير من العادات والتقاليد واستمرارها. وجعلت من الألباني إنساناً قوياً قادراً على العيش في أصعب الظروف، وعلى تحمل المشاق المختلفة، وجعلت منه إنساناً مستعداً دائماً للقتال وهناك مقولة شهيرة: (إن الألباني قد خُلِقَ للسلاح). لقد أثرت هذه الحال أيضاً على تصميم بيوت الألبانيين التي يطلق عليها (البرج الألباني) والتي تبدو كأبراج وقلاع دفاعية أكثر منها سكن، فهو عبارة عن بناء مربع حجري يرتفع طابقين أو أكثر، ويخلو من النوافذ التي يستعاض عنها بالشقوق المخصصة للبنادق، وما زالت هذه الأبنية تلفت النظر حتى يومنا هذا.
وقد شاعت شهرة الجنود الألبانيين في العصر العثماني أيضاً، كما شاعت في العهد الروماني والبيزنطي وأصبح وجودهم يغطي كل الولايات العثمانية في أوروبا وآسيا وأفريقيا في البر والبحر، فلقد شارك الألبانيون في تكوين النخبة العسكرية والسياسية على نحو خاص وبرز منهم الكثير من القادة العسكريين والوزراء العظام الذين تحكموا في بعض الأحيان بمصير الإمبراطورية.
أطلق على قوات الجنود الألبانية (باشي- بازوق) وهي كلمة تركية تتكون من مقطعين وتعني (رأس حر) بلا قيادة وغير منظم مع إعطاء سلطة انتقائية للعمل من تلقاء أنفسهم كقوة غير نظامية تعمل من قبل الجيش الإمبراطوري في حملة لتدمير أكبر قدر ممكن من الخراب بين جماعات وجيوش العدو.
 كما كان للألبانيين وجود في البلاد العربية الواقعة تحت الحكم العثماني وتكوّنت جالية ألبانية كبيرة في مصر وأخرى أصغر منها في سوريا ولكن هذا الوجود اقتصر في البداية على النخبة السياسية المتمثلة في الولاة والعسكرية التي يمثلها الضباط والجنود. وقد تولى الحكم عدد كبير من الولاة الألبانيين سواء بصلاحيات مقيدة في بلدان المشرق أو بصلاحيات واسعة في بلدان المغرب، وقد حاول بعض هؤلاء الولاة الاستقلال عن الإمبراطورية العثمانية وتأسيس حكم وراثي، ولم ينجح في ذلك إلا والي مصر محمد علي باشا الضابط الألباني الذي وصل إلى مصر بفرقة قوامها خمسمئة جندي تنفيذاً لأوامر الباب العالي، وقد أعقبت سيطرته على مقاليد الأمور واستقراره هناك، موجة هجرة جديدة من أقارب الجنود الذين نزحوا للعيش مع أبنائهم وأزواجهم.
وبدأ هذا الوجود الألباني يتخذ طابعاً مدنياً، عندئذ بدأت عملية انصهار تدريجي بين الألبان المهاجرين والجند في نسيج المجتمع المصري.
  وكانت نواة الجالية الألبانية في مصر قد تألفت من الجنود الألبانيين الذين جاءوا مع محمد علي باشا، ثم توسعت في منتصف القرن التاسع عشر مع قدوم الكثير من الألبانيين من اليونان وألبانيا الجنوبية نتيجة للأحوال الاقتصادية الصعبة هناك. ومع تضخم هذه الجالية أصبحت مصر في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين يسكن بها عدد كبير من الطائفة الألبانية وأصبحت مركزاً من مراكز الثقافة الألبانية، ولكن بمرور الوقت فقدت هذه المركزية أهميتها وبخاصة بعد إعلان الاستقلال (1912) وإعلان الجمهورية (1953)، إذ إن عددها تقلص بسرعة نتيجة للهجرة المعاكسة إلى ألبانيا أولاً ثم إلى أمريكا وأستراليا أخيراً.
وعلى الرغم من انخراط الطائفة الألبانية داخل نسيج المجتمع المصري، فإنها في الوقت ذاته حافظت على عاداتها وتقاليدها. انتشرت المقاهي الخاصة بالطائفة الأرؤوناطية وكانت بمثابة مركز اجتماعي للاحتفالات والتعازي وعقد الندوات للوصول للقرارات وممارسة النشاطات المختلفة الخاصة بهم كالرقص بالسيوف ومبارزة الديوك.
وأهم ما يميز الطائفة الألبانية ويلفت النظر إليهم، هو الزي الخاص بهم الذي لم تستغنِ عنه الطائفة الألبانية طوال إقامتهم في مصر، والذي يطلق عليه (فاستونيلا) ويتكون من تنورة بيضاء واسعة بها العديد من الثنايات وأسفلها سروال ضيق وصديرية حمراء أو ذهبية ويلتحفون بوشاح فوق رأسهم يعقدونه بشكل مميز.
ويُعَد الزي الوطني الألباني الأشهر بين شعوب بلاد البلقان وكان موضع تقدير وتقليد أيضاً، فقد كتب المؤرخ البريطاني جورج فينلي بعد رحلته التي قام بها للشرق (حتى الأتراك، الذين أثَّروا دائماً في أذواق وعادات الجيش، أصبحوا محاكين للألبانيين، أصبح من غير المعتاد في اليونان ومقدونيا وأسطنبول رؤية أطفال يرتدون الفوستانيلا أو الطرف الأبيض لأصابع القدم).
 أثارت هذه الطائفة بمظهرها وعاداتها وتقاليدها أنظار المستشرقين الذين كانوا يزورون الشرق للبحث عن كل ما هو غريب وقد وجدوا فيهم غايتهم، وذكرهم كثير من المستشرقين في كُتبهم وتم رسمهم في الكثير من اللوحات وبخاصة الجنود (الباشي بازوق) التي أثارت بزيها العسكري المميز وغطاء رأسها والحزام الذي يعقد حول الخصر ليضع فيه الجندي سلاحه شهية الفنانين للرسم.
 الفنان الفرنسي جان ليون جيروم الذي زار مصر عدة مرات في أعوام (1856 و1862 و1868 و1874) أصابه ولع تجاه هذه الطائفة سواء لمظهرها أو لعاداتها وتقاليدها، فرسم لهم مجموعة مكونة من 20 لوحة يطلق عليها مجموعة جيروم عن (ألبان مصر) وهي تمثل قيمة تاريخية وفنية بكونها توثق تفاصيل إنثربولوجية لهذه الجالية التي أصبحت من مكوّنات المجتمع المصري خلال حكم أسرة محمد علي (1805 - 1953). وفي هذه اللوحات نجد العنصر المشترك في الرداء المميز لهم الذي يتألف من التنورة البيضاء المثنية والصدرية الحمراء أو الخضراء إضافة إلى غطاء الرأس المميز. ونظراً إلى أن معظمهم كانوا من الحرس والجند فاللوحات تظهر هؤلاء الألبان يسيرون بخيلاء وهم مسلحون بالخناجر وبنادقهم المميزة وهي ذات ماسورة نحيفة وطويلة وعُرِفَت باسم (البندقية الألبانية) وكانت تصنع في مدينة (بريزرن) الألبانية التي اشتهرت بصناعة الأسلحة وكانت تُحْمَل على قوافل وتأتي إلى مصر.
 وحرص جيروم على رسمهم كعنصر أساسي وفعال في الحياة الاجتماعية المصرية، فوجدناهم وهم يتجولون في الأزقة والحارات ويبتاعون في الأسواق ويصلون في المساجد، ومن أشهر أعماله في هذا الصدد (حرس ألباني يؤدي الصلاة، تاجر متجول في القاهرة).
جسد جيروم ولع الألبانيين واهتمامهم بالموسيقى والغناء في لوحته الشهيرة (الباشبزوق يغني)، وأظهر حرفيتهم الشديدة في لعب الشطرنج في لوحته (الألبان يلعبون الشطرنج) ومن أجمل أعمال جيروم وأكثرها حياة وحيوية هي لوحته (رقصة بالسيف في حضرة الباشا) التي جسد فيها الرقصة الفولكلورية الشهيرة التي ما زالت تُمارَس حتى الآن في ألبانيا.
شارك جيروم في ولعه برسم الألبانيين الفنان (باجا يوفانوفيتش) وهو ألباني الأصل وقد اهتم بتوثيق عادات وتقاليد بني جلدته من الألبان. تلقى يوفانوفيتش دروسه بفرنسا حيث التحق بأكاديمية الفنون الجميلة في عام (1877) وحضر العديد من الدورات المهمة التي كان يدرسها الفنان (ليوبولد كارل مولر) والمعروفة باسم (المستشرق).
 وواصل سفره عبر المغرب ومصر وتركيا. ليضع عدداً كبيراً من الرسومات والملاحظات والدراسات، وتبدو أعماله كسجل وثائقي ومرجع تاريخي مرئي، وقد اهتم في أعماله بإبراز العادات والتقاليد والاحتفالات للألبانيين. وهواياتهم الخاصة إذ تستعرض اهتمام الألبان بتربية الكلاب. وركز أيضاً على إبراز الجانب الثقافي لألبان مصر فرسمهم في المقاهي يمارسون الغناء والرقص وإلقاء الشعر وإقامة مسابقات المبارزة، وتزيين العروس، ومصارعة الديوك.

ذو صلة
التعليقات