مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

ما وراء الأبواب

حين يقول بدر شاكر السياب:
أماه ليتك لم تغيبي خلف سور من حجار
    لا باب فيه لكي أدق ولا نوافذ في الجدار

وحين يقول محمد الثبيتي:
أفقت من سغب المدينة خائفاً
    فإذا الهوى حجر على باب النساء
فإن القصيدة الحداثية ليست هي ما يربط بين السياب والثبيتي فقط، حتى الباب كان حاضراً برفقة الخوف والحنين. الباب يتجاوز معناه اللغوي كمكان للدخول في ذاكرة الإنسان ويحتل رمزية لأبعاد مختلفة، في الاستعارات اللغوية، الأغاني، الميثولوجيا، التاريخ والسياسة، وحتى الدين.
للسعادة أبواب يمضي الإنسان حياته بحثاً عن مفاتيحها، ربما رمزية للضياع والبحث والتعددية، للسماء أبواب نعلق عليها آمالنا كرمزية للبعد، وللقلوب أبواب قد يمضي بنا العمر ونحن نتعثر على عتباتها.
الباب المفتوح بكل حضوره كرمز على الآمال الجديدة، كمنفذ على الفضاء الداخلي للمكان أو ذات الإنسان، ومدخل للاكتشافات، والباب المغلق كنهاية أو عقبة ورمز للخيبة.
في الأغاني العربية تعددت رمزية الباب، وكان لأبواب جارة القمر فيروز الحضور الطاغي في المشهد الغنائي، كان الباب دعوة شهية للحب حين شدت (أنا على بابك مساء وصباح وبعيونك ربيعي وحلي)، كان الباب هنا مدخلاً لبستان محبة مزهر، ولم يكتفِ صوت الأرض بتعزيز فكرة أبدية باب الحب المفتوح للحبيبة وحدها لكنه تجاوزها بإغلاق الأبواب بوجه الأخريات (باب المحبة لك مدى الدهر مفتوح، وعن حب غيرك فيه تسعين لوحي). الباب أيضاً كان رمزية للشغف في الأغنية الخليجية (واقف على بابكم ولهان ومسير)، وحسب تصنيف ابن حزم الأندلسي فإن الشغف هو أعلى درجات المحبة، وتتركنا الأغنية في حيرة هل جاد الزمن على العاشق بوصل يروي ظمأه أم أن الباب بقي موصداً. هذا الانتظار على الأبواب مقلق على العاشق يقتات على السلام الداخلي لأن كل الاحتمالات واردة واليقين غائب، فهل يفتح الباب أم يغلق، خصوصاً حين لا تملك صاحبة الشأن أمرها أو تكون غارقة في حيرتها كما صورته لنا فايزة أحمد في أغنيتها
(يما القمر على الباب نور قناديله يما ارد الباب والا انادي له)، تعتبر هذه الأغنية هي النسخة المحدثة من إحدى البرديات المصرية القديمة التي تحمل قصيدة العاشقة العذراء، ورد في نص البردية (لقد أثار حبيبي قلبي بصوته.. وتركني فريسه لقلقي وتلهفي.. إنه يسكن قريباً من بيت والدتي.. ومع ذلك فلا أعرف كيف أذهب نحوه)، قلق الانتظار يناسبه زمانياً برودة الشتاء وعتمة الليل، وتجلى ذلك في أبهى صوره في أغنية فيروز رجعت الشتوية (شتوية وضجر وليل، وأنا عم بنطر على الباب)، يبدو أن عشتار حين قالت عن نفسها (أنا الأول وآنا الآخر) لم يكن ذلك ضرب من الغرور ولكنها فعلاً لا تزال حاضرة في وجدان أبناء الهلال الخصيب آلهة الحب وبنت القمر، فعلى باب ملحم بركات (قمرين)، وهذا ما يمنحه امتيازاً عن الآخرين، فللناس قمر وله قمران! الانتقال من الباب المفتوح إلى الباب المغلق في العلاقات العاطفية هي مقاربة لأفول الشمس، للغروب والوداع، وحدها فيروز جمعت النقيضين فحين غنت للوداع المثقل بالأسئلة القلقة غنته بشكل رقيق وآسر في أغنيتها (لما على الباب نتودع، بيكون الضو بعدو شيء عم يطلع)، في ذات الأغنية تثبت فيروز أن الأبواب المغلقة تملك احتماليه انفراجها ذات يوم، وأن خلف الأبواب المقفلة ملامح تقضم الوقت وهي ترقب العابرين في طرقات الحياة (سكر بابي شوفك ماشي ع الطريق، فكر انزل اركض خلفك ع الطريق). في حين أن عاصي الحلاني ألبس الباب مشاعر المفارق فكان بابه عم يبكي. تخبرنا الأغاني والقصائد وحكايات العشاق أنه بعد أن تغلق أبواب اللقاء تنفرج أبواب الحنين عن مشاعر لا تصد، فباب جارة القمر حين طُرق بعد الغياب كان لسؤال واحد (إذا نيسان دق الباب) كان الفن ممتلئاً بالحكايات (حبيت افتحلوا وعالحب اشرحلوا) لكن لم يكن هناك سوى الورد (طليت ما لقيت غير الورد عند الباب)، لماذا نيسان تحديداً؟ نيسان عند الآشوريين هو شهر التجدد والخير، فمن طقوسهم في القرى الآشورية أن تقوم البنات الصغيرات بجمع الأزهار وتعليقها على أسقف المنازل، كانت هذه الباقات تسمى (لحية نيسان)، في هذا الشهر تزوجت الآلهة عشتار من الإله آشور ورحلا للسماء، واستمر هذا الطقس إلى العصر الحديث كمحاولة لتعزيز الهوية الآشورية في احتفالات رأس السنة الآشورية. تصر فيروز على أن الباب المغلق ليس النهاية وذلك في أغنيتها من عز النوم بتسرقني، وذلك حين يقف الحبيب بينك وبين ذاتك (ولما على حالي سكرت الباب لقيتك بيني وبين حالي). في الأغنية السعودية كان حضور الباب علامة فارقة في التاريخ الغنائي بين قطبي الأغنية السعودية وذلك في نص البدر (أرفض المسافة)، هذا التمرد على الباب لم يكن عابراً كسحابة صيف لكنه خلق جدليه لا تزال حاضرة حتى بعد رحيل صوت الأرض، لا يزال يتردد سؤال بين الحين والآخر بصوت من كانت أجمل! طلال مداح كان يملك أبواباً أخرى في مسيرته الغنائية بجانب باب المحبة والباب المتمرد عليه، يحضر باب الرضا المقفل في إرثه الغنائي لذا توسل أبو عبدالله بالصلوات حتى لا تنقطع الأنس والراحة لعل الباب يفتح!
تعتبر الأبواب الوهمية من خصائص المقابر الفرعونية وهي أبواب لا تفتح، مجرد تمثيل فني، ورمزية للفصل بين عالم الأحياء والأموات، هناك تقدم القرابين وتروح وتغدو روح الميت بين العالمين، هذا الإيمان بالخلود والاحتفاء به لم يكن عابراً في ذهنية المصري، فحين شدت كوكب الشرق من كلمات كامل الشناوي (أنا الشعب لا أعرف مستحيلاً، ولا أرتضي بالخلود بديلاً)، كان عنوان الأغنية على باب مصر! حتى العراق في قلب السياب له باب، يطرق في لحظات الحنين! ما زلت أنقض يا نقود بكن من مدد اغترابي.. ما زلت أوقد بالتماعكن نافذتي وبابي.. في الضفة الأخرى هناك، فحدثيني يا نقود متى أعود؟
لا يحضر السياب في الذاكرة إلا ونستحضر معه حكايات الميثولوجيا، جانوس الروماني وهو إله الأبواب والمداخل، هو رب البدايات والنهايات، هذا الإله يملك وجهين، أحدهما ينظر للماضي والآخر يرتقب المستقبل. وفي ميثولوجيا بلاد الرافدين وتحديداً البابلية يكون حضور الباب باذخاً، فبابل تعني باب إيل أو باب الإله، وبابل تحوي بوابة عشتار إحدى عجائب الدنيا قبل أن تستبدل بمنارة الإسكندرية، هذه الباب بقيت شاهدة على عظمة تلك الحضارة. لا يقتصر حضور الأبواب على ميثولوجيا الشرق الأدنى القديم، فحتى في الشرق البعيد في بلاد الصين كان للأبواب رب يوضع قرب المداخل ليطرد الأرواح الشريرة والذئاب. اندثرت الحضارات القديمة وحضرت الأديان التوحيدية وكان الباب موضع رحمة كأبواب الجنة أو منفذاً للعذاب من خلال أبواب الجحيم.
تحتل الأبواب مكانة عظيمة في فن العمارة الإسلامية، وقد اعتبرها بعض المؤرخين بمثابة الحامل الخشبي للوحات الفنانين الأوروبيين، كان الباب نقطة الارتكاز وإليه تعود كل الرمزيات في الفضاء المعماري الإسلامي. تتنوع الأبواب في الجزيرة العربية، وذلك حسب جغرافية المكان، ففي شرق الجزيرة تلك السواحل التي طالما استقبلت بواخر من الهند وفارس؛ يحضر خشب الجوز من الهند بجانب الأخشاب المحلية كالأثل والسدر المستخدمة في نجد. يعتمد تزيين الأبواب في شرق الجزيرة العربية على الخط العربي والنقوش الإسلامية، وللدلالة على هذا الحضور الطاغي للباب في المنطقة يعرض متحف الدمام الإقليمي أبواباً تراثية من المنطقة بعضها يعود عمره لحوالي 300 سنة. الأبواب في منطقة نجد تعتبر مؤشراً طبقياً على الحالة الاقتصادية لأصحاب البيت، فكل ما تدهورت الحالة الاقتصادية كان الباب خالياً من اللمسات الجمالية والألوان، فالجمال ترف وسط الصحراء! الأبواب في نجد مستمدة من رمزيات النسيج البدوي (السدو) ذات الألوان والأشكال الهندسية. يحتل المثلث والدائرة حضوراً طاغياً في فضاء العمارة النجدية، وقد يكون هذا بسبب تأثر وسط الجزيرة بحضارة بلاد الرافدين والحضارة الفرعونية التي تحتل هذه الأشكال جزءاً من رموزها المتعلقة بالأنوثة وطرد الأرواح الشريرة. أبهر فن القط العسيري الباحثين الأوروبيين، ومنهم تييري موجيه الذي يرى أن هذا الفن يتجاوز الشكل الجمالي، وأنك حتى تفهم هذا الفن لا بد من فهم ثقافة المنطقة ورموزها. هذا الفن في الأصل كان النمط الجمالي للأبواب والنوافذ في المنطقة قبل أن يزين جدران عسير. لا يمكن أن نصل لجنوب الجزيرة وننسى مضيق باب المندب ونحن نتحدث عن الأبواب! هذا المضيق تحيط الروايات بسبب تسميته وكل حكاية موجعة. يقال إن سبب التسمية لأن البحارة كانوا يندبون موتاهم فيه، وذلك لخطورة المكان، والبعض يربطه بتاريخ الرقيق في الجزيرة فكل أم أفريقية فقدت فلذة كبدها كانت تنوح وتندب هناك!
هل سنصغي لحكايات الأبواب في مدننا العربية؟ ونمنحها فرص للثرثرة عوضاً عن هذا الصمت الطويل! ورفقة الريح كما قال السياب: (الباب ما قرعته غير الريح في الليل العميق... الباب ما قرعته كفك).

ذو صلة
التعليقات