مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

فن الساتورا

السخرية والفكاهة لونان متقاربان في مجال العمل الفني، ألفهما ومارسهما الإنسان في شتى مراحل حياته وتباين مجتمعاته بأساليب مختلفة. ورغم ما بينهما من اختلاف في الأسلوب وفي الهدف؛ فكثيراً ما يجتمعان في العمل الفني الواحد: في الرسم والنحت، أو الشعر والنثر، أو الأداء المسرحي والغنائي والمرح، وهو أمر واضح في رسم الكاريكاتير ونحت الجروتيسك، وبعض الهجائيات والأزجال الناقدة، والمقامات والكوميديا والمنولوجات الهزلية.. ونحو ذلك. ونلاحظ أن الرومان قد نبغوا وتفوقوا في فن القصائد الساخرة التي أطلقوا عليها اسم:(ساتورا)، لدرجة أن الرومان أنفسهم شعروا أن فن الساتورا كان أقرب لمزاجهم وطبيعتهم، فأبدعوا روائع غير مسبوقة في هذا النسق الأدبي، فتنافس في صناعته كثيرون من كبار شعرائهم، واتجهوا إلى نقد الحياة الاجتماعية، وهكذا مثل شعر (الساتورا) باباً غنياً خصباً من أروع إبداعات الأدب اللاتيني الذي أنتجه الشعب الروماني. وهو شعر يعكس الشخصية والمجتمع الروماني بقوة ونبوغ، فشعراء الساتورا أطلقوا ألسنتهم كالسياط بلغة نارية وبلا هوادة أو مواربة في التشهير بنواقص المجتمع ومهاجمة الانحراف بين أفراده، لعل المجتمع ينتبه لفداحة ما أصابه وما كان يهدد كيانه، أو لعل المصلحين يتحركون، ربما يجدي الإصلاح.
إن شعر الساتورا يلعب دوراً محورياً في الأدب اللاتيني، الذي عادة ما ينظر إليه على أنه تقليد للأدب الإغريقي، ولكنه تقليد خلاق، أدى إلى استمرار الفنون الأدبية المعتادة، كما أدى إلى تطورها، بل منافستها في بعض الأحيان. ولكن (كوينتليانوس) أستاذ الريطوريقا والناقد الشهير، حين تناول بالنقد كلاً من الأدب الإغريقي واللاتيني، وعقد مقارنة بينهما فناً تلو الآخر؛ عندما وصل إلى فن الساتورا عند الرومان وصفه بعبارته الشهيرة (في الواقع الساتورا كلها لنا)، ويقصد بالطبع الرومان. وهو يقصد ذلك اللون الأدبي الذي ابتدعه لوكييليوس، وكانت تسوده روح معينة، ومنظوم بوزنين، والذي ثبتت أقدامه بفضل سلسلة من الكتاب المعترف بهم ممن يشار إليهم باسم لاتيني.هو فن روماني، بل هو الإبداع الروماني الوحيد الذي تفوقوا فيه على أنفسهم. ويبدأ التاريخ الأدبي للساتورا بإنيوس، فهو أول من جمع أشعاراً ذات موضوعات وأوزان مختلفة في كتاب واحد وسماها ساتوراي، فاختياره لهذا العنوان شيء مبتكر، لأن هذه الكلمة لم تستعمل من قبل للدلالة على فن أدبي. وإذا كان إنيوس أول شاعر روماني يكتب ساتورا، أو بالأحرى أول من أطلق اسم ساتوراي على مجموعة من أشعاره؛ فإن لوكيليوس يعتبر أول شاعر ساتورا حقيقي، وهو أول من كرس جل نشاطه لهذا الفن، وأول من أسبغ عليه سماته النقدية الصريحة، وأول من جعل الوزن السداسي هو الوزن الرسمي للساتورا، فهو مبدع هذا الفن. ويصف (هوراتيوس) لوكيليوس بأنه سار على نهج أقطاب الكوميديا القديمة، مع تغييره للوزن، ويؤكد على أنه كان ثاقب الفكر، ولكنه كان قاسياً في تعبيراته. وكان سريعاً جداً في الكتابة، إذ كان يمكنه أن ينظم مئتي بيت في ساعة، وهو واقف على قدم واحدة. ويرى بعض الباحثين أن لوكيليوس (القرن الثاني قبل الميلاد) قفز بفن الساتورا قفزة عملاقة، أرست قواعده، وأكدت أهم ملامحه. ومن شعراء الساتورا، ومن النابغين في شعر الساتورا؛ الشاعر هوراتيوس الذي له ثماني عشرة قصيدة حواها كتاباه الساتوراي أو الأحاديث، كما كان يحلو له أن يسميها، وقد نظمها بلغة أقرب ما تكون إلى العامية الراقية البعيدة عن السوقية. والتنوع في أسلوب هوراتيوس بنظم شعره دليلٌ على تمتعه بمهارة فائقة جعلت منه واحداً من أعظم الشعراء، كما اعتبره النقاد من أعظم الكتاب الأخلاقيين، خصوصاً في العصور الوسطى. ولا يقل اهتمام الباحثين المحدثين به عن الأقدمين، فهو مثال للاعتدال والتسامح مع نقائص البشر، وهو أقرب للواعظ منه إلى الشاجب. ومن شعراء الساتورا (برسيوس) الذي ظهر بعد فترة طويلة من اختفاء هوراتيوس، واختفاء العصر الذهبي الأغسطي. وكان برسيوس رواقياً لحماً ودماً، وعاش حياة فاضلة، فهو يعرف أن العزلة تؤدي إلى الفضيلة، ومن ثم فهو يتحول من الديالوج إلى المونولوج، وأصبحت نفسه هي عالمه، وكان جاداً إلى درجة الصرامة. ومن أبرز شعراء الساتورا، ومن أنبغهم؛ (يوفيناليس) (القرن الأول الميلادي)، وهو النموذج الذي حذا حذوه آباء الكنيسة والمعلمون والفلاسفة، وأصبحت أشعاره تدرس في المدارس، كما درسها الإغريق الذين أوسعهم يوفيناليس سباً ولعناً من أول ديوانه إلى آخره، وذلك بسبب عبقرية يوفيناليس التي ضمنت له البقاء على مر العصور بما فيها العصور الوسطى، وتضاعفت أهمية أشعار يوفيناليس، حتى أصبح في القرنين السابع عشر والثامن عشر أشهر الشعراء الكلاسيكيين، وأوسعهم انتشاراً وأكثرهم تأثيراً. وفي منتصف القرن الثامن عشر أصبحت الأحوال أشبه ما تكون بأحوال العصر الإمبراطوري، ومن ثم عكف المصلحون على قراءة أشعار يوفيناليس، أمثال جان جاك روسو والثائر الإنجليزي وردز روث واللورد بيرون الذي اقتبس افتتاحية ديوان يوفيناليس بحذافيرها، باعتبار يوفيناليس رجلاً فاضلاً يدعو إلى الفضيلة، ويهاجم الرذيلة، وثائر على الفساد.
ولاحظ المتخصصون في هذا الفن أن شعر الساتورا يتطلب من الشاعر أن يتمتع بمواهب خاصة، من: دقة الملاحظة، ولباقة التعبير، وذكاء الصياغة، مع روح الفكاهة، أو ما هو أكثر من: شدة الإحساس بالسخط والنقمة على ما يشيع في المجتمع وبين الأفراد من نواقص وسلبيات أخلاقية وسلوكية. ولعل أول مشكلة تواجه كاتب الساتورا هي أن يستولي على اهتمام القارئ الذي يفعل شيئاً مخالفاً لما يتظاهر أنه يقوم به، هنا يضطر كاتب الساتورا إلى المبالغة للفت الانتباه، لأنه يعبر عادة عن وجهة نظر غير محببة. وكل فنون الأدب تبالغ بطريقة أو بأخرى، فالحياة يعوزها البريق أحياناً، فيأتي الأديب ويمنحها هذا البريق. ولكن مبالغة الساتورا تفوق الفنون الأخرى، فالمبالغة هي أحد أشكال الهجوم، ونهج تقليدي لا مفر لكاتب الساتورا منه. ومن أهم مميزات الساتورا أنها مبدعة، فهي تظهر لنا الأشياء القديمة بطريقة جديدة، إذ تقدم لنا المألوف في شكل جديد، وهذا ما يجعل كاتب الساتورا يتطلع إلى المألوف من المنظور الذي يجعله أحمق وضاراً ومتكلفاً، مما يجعلنا نشعر بأن ما نتقبله كأمر واقع بدون مناقشة، وما يبدو لنا مألوفاً؛ نشعر بأنه زائف. فالساتورا وإن لم تكن أعظم فن أدبي إلا أنها ضرورية، لأنها تؤدي الوظيفة التي لا يقدر عليها الواقعيون ولا الرومانسيون، وذلك عن طريق تصوير المجتمع والناس بطريقة مبالغ فيها. فالساتورا هي تحريف نقدي هازل للمألوف. أما أدوات الساتورا فمنها: النقد القاسي والتهكم والمحاكاة الساخرة، والأسلوب العامي، والهبوط من المستوى الرفيع إلى الحضيض، والفحش في القول، والمبالغة لكى يصدم المتلقي فيتنبه. وهي تستخدم الحوار لإضفاء نوع من الحيوية للفت نظر المتلقي أيضاً، كما تستخدم الأسلوب القصصي بما فيه من مغامرات وسيرة ذاتية وحكايات خرافية ذات مغزى وعظة. إن السمة المميزة للساتورا هي التنوع، سواء أكان في الشكل أم في المضمون أم في الغرض، وهذا التنوع هو الذي أدى إلى استمرارها. وقد يوجد كاتب ساتورا فظ وآخر لطيف، وليس من السهل رسم خط فاصل بينهما، وليس من المأمون اعتبار كاتب الساتورا اللطيف أفضل من ذلك الفظ، فمعظم كتاب الساتورا العظام يندرجون تحت قائمة الكاتب الفظ، فالحنق يفجر ينابيع العبقرية الساتورية. ولعل أهم أثر للساتورا هو المتعة الناجمة من التخلص من الرتابة، فإعادة النظر فيما حولنا، وإعادة تقييمه؛ تجدد القوى، وتحفز الهمم، وهذا في حد ذاته إنجاز صحي ومفيد. والنتيجة التي ينشدها كاتب الساتورا هي أن يقلع الأحمق عن حماقته والشرير عن شره، وبذلك يتحقق هدف الساتورا النبيل وهو إصلاح المجتمع.
أما عن موضوعات الساتورا فهي متعددة بتعدد ما يفعله البشر، ومن ثم فهي متنوعة تنوعاً لا حدود له، ولعل هذا التنوع هو الذي حفظها من الرتابة والابتذال، وضمن لها قوة التأثير والاستمرار لفترة تناهز أربعة قرون. إن أهمية فن الساتورا أنه يلعب دوراً محورياً في الأدب اللاتيني، وكانت للساتورا أصول عند اليونان، لكن الرومان تفردوا في هذا الفن، وسلكوا به دروباً جديدة لم يسبقهم إليها اليونان، حتى منحوا الساتورا طابعاً رومانياً متميزاً. ويعرف العرب هذا اللون من الأدب المتعلق بالأدب الساخر، وبخاصة على مستوى الأدب الشعبي الحديث، كما هو معروف في أشعار: أبي بثينة وبيرم التونسي وصلاح جاهين وأحمد فؤاد نجم وقرنائهم في البلاد العربية.

ذو صلة
التعليقات