مجلة شهرية - العدد (519)  | ديسمبر 2019 م- ربيع الثاني 1441 هـ

سينما بروس لي

سطع نجم بروس لي (1940 - 1973م) منذ أربعين عاماً، تقريباً، فأمتع الملايين، بما برع فيه من فنون قتالية وسينمائية غير مسبوقة، لافتاً الانتباه إلى ما يمكن أن تحققه من معايير فنية رفيعة، وإيرادات مالية عالية، ممهداً الطريق لنجوم أتوا بعده، مثل: جاكي شان، جيت لي، جيسون ستاثام، فان دام، وغيرهم. مما أدى إلى نشأة ما يعرف بسينما الكونج فو، أو سينما الفنون القتالية.
وكما ألهم، الكثير، لم يزل يلهم آخرين بما تركه من تراث سينمائي مؤثر، يشهد على عبقريته الفنية، لدرجة يعتبر معها حتى الآن، البطل الأول عند الشباب.
أسهمت قدراته الفائقة، وشخصيته الجذابة، ونظراته وتعبيراته الواثقة، والهالة الخاطفة للأبصار والعقول، وحركاته الصعبة، في تكوين كيان مختلف مكنه من طرح مشروعه الطموح، الذي قام على ما اعتنقه من مبادئ إنسانية، وما درسه من فلسفات، وما أداه من أدوار، وما أودعه في أفلامه من نزالات حقيقية، بل وإبداعه في التأليف والإخراج والتصوير. مقدماً صورة سينمائية أكثر حداثة، صححت المفاهيم الخاطئة عن الشعب الصيني، وزرعت الحماس في القلوب، فاجتذب الجماهير كفنان، ومعلم محترف.
ولا غرو، فقد جعل فنون القتال، ضرورة سينمائية، مدشناً بأعماله، سينما ارتبط نجاحها، بتبسيط الفنون القتالية وتقديمها بشكل حقيقي مبهر. فضلاً عن نشره لفنون القتال بشكل عالمي، فافتتح، في البدء، مدرستين في سياتل وهونج كونج. وكان يخطط لافتتاح مدارس أخرى في باقي المدن والعواصم، خدمة للثقافة الشعبية الصينية والمجتمعات الإنسانية، لكن القدر لم يمهله.
لم تكن رحلته إلى النجومية سهلة أو يسيرة، رغم سنواته المعدودات التي قضاها في إبداع أفضل أفلامه، حيث أنجز خلالها أربعة أفلام..
التنين الصغير
تبدأ قصة بروس لي مع التمثيل السينمائي منذ نعومة أظفاره. فقد ولد في سان فرانسيسكو. بوصوله للشهر الثالث من العمر، عاد به والداه إلى الصين، إلا أنه لم يلبث أن عاد ثانية في الثامنة عشرة من عمره، للإقامة والدراسة. ونستطيع القول إنه ورث قدراته الفنية من والده الممثل الأوبرالي. فما كاد يبلغ عمره 6 سنوات حتى مثل معه في إحدى مسرحياته، بعد أن كتب الأب لطفله دوراً مكنه من الاستحواذ على إعجاب الجمهور. تعلم الكونج فو على يد معلمه (ييب مان) معلم مدرسة (وينغ شو) حيث تصادف أن كان أحد المخرجين يتعلم مع والده فيها، مما أتاح للموهبة الوليدة أن تكتشف. لتبدأ رحلته مع الفن السابع، ويلقبه النقاد: (التنين الصغير).
في السابعة من عمره، لعب أول أدواره السينمائية، في فيلم (عودة طفل). بعد عامين اشترك في فيلم (ابنتي). وكان من ضمن الأفلام التي قام بالتمثيل فيها، فيلم (الولد شولنغ). اشترك كذلك، في أداء أدوار مسرحية صغيرة، من خلال والده في الأوبرا الصينية، بكل ما تحمله من عراقة فنية، وثراء إبداعي.
ببلوغه الثامنة عشرة، كان قد اشترك في تمثيل 21 فيلماً تقريباً. خلال ذلك، لم ينقطع يوماً عن تدريبات الكونج فو، والملاكمة وكمال الأجسام، ورفع الأثقال، والجودو، وغيرها، فقد شغف بالتدريب على كل ما يستجد على الساحة من فنون قتالية، وتطبيقها والإضافة إليها. فوصل، من خلال كل هذه الجهود، إلى المهارة الفائقة.
أدرك، كذلك، أسس صناعة النجوم، ومقومات تكوينهم الفني، فعمل على إتقانها، استكمالاً لأدواته، واستعداداً لتكوين فنه الخاص وبصمته المتميزة. كان ذلك بمثابة حلم العمر، وفي سبيل تحقيقه، واصل العمل بإصرار. واشترك في العديد من مسابقات الكونغ فو خصوصاً، لدرجة أثارت الكثير من المنتجين السينمائيين.
فلسفته الفنية
كان بروس لي رجلاً مثقفاً، جمع في مكتبته أكثر من 2500 كتاب في شتى الموضوعات، مثل كتب: اللياقة البدنية، وفنون القتال الشرقية، والغربية، والقديمة، والحديثة، والفنون القتالية باستخدام الأسلحة وبدونها. إضافة للمراجع العلمية في معظم الفلسفات الإنسانية، مثل: الفلسفة الصينية، والغربية، والقديمة، والحديثة. حيث قام بدراسة الفلسفة في جامعة سان فرانسيسكو، وتدريسها لبعض الوقت. كما قام بتأليف كتاب عنوانه: (فلسفة فنون الدفاع عن النفس). فضلاً عن ممارسته لهواية الرسم.
ارتبط بصداقات وثيقة مع تلاميذه، وممثلي هوليود، مثل: ستيف ما كوين، جيمس كوبرن، تشاك نوريس. بالإضافة للاعب كرة السلة كريم عبدالجبار، وغيرهم. حيث دربهم جميعاً على فنون القتال الصينية عموماً، وأسلوبه القتالي المبتكر، خاصة، الذي أطلق عليه: (جيت كون دو)، أو (القبضة الاعتراضية). كان قد شغف بمعرفة كل شيء عن صناعة السينما التي عشقها. فاجتهد في دراسة فنون التمثيل، والسيناريو، والتصوير، والإخراج السينمائي في جامعة واشنطن، وحصل على إجازة فيها. ومن ثم، توجه إلى لوس أنجلوس، لتجسيد دور (كاتو) في مسلسل (الدبور الأخضر) Green Hornt وخلال تصوير المشاهد التجريبية، ظهر كممثل محترف. لينتقل بعده، إلى تمثيل أعمال تليفزيونية أخرى، مثل: (نظرة على العرائس)، و(الشارع الطويل).
أجاد بروس الرقص أيضاً، خاصة رقصة (تشاتشا)، ولعب دوراً في فيلم (اليتيم)، ورغم صغر الدور وصعوبته حاز إعجاب النقاد. لكنه كان دائم البحث عن الأفضل، غير راض عن الأدوار الثانوية.
ورغم حصوله على وعد بتمثيل شخصية (كاتو) بعد تطويرها إلى (بات مان) في مسلسلات أخرى، إلا أن الأمريكيين نفذوها بدونه. في بداية سبعينات القرن الـ20م، حصل على وعد آخر، بتمثيل الدور الرئيس في حلقات المسلسل التليفزيوني الشهير: (كونج فو)، إلا أنهم، وللمرة الثانية، منحوا الدور للممثل الأمريكي ديفيد كرادين، بعد حلاقة شعر رأسه وعمل ماكياج، ليبدو كالصينيين، ليتمكن من لعب الدور وفقاً لأداء بروس لي!
لذلك، نستطيع القول إن الشاشة الصغيرة، لم تستطع أن تستوعب موهبة كبيرة بحجم بروس لي. فعاد إلى هونج كونج، لتمثيل أنجح أفلامه، بعد أن وجد فرصته أخيراً، ودعاه المخرج والمنتج ريمون شو لتوقيع عقد فيلمين، لعب فيهما دور البطولة. بعرضيهما، تحول بروس لي من ممثل صاعد إلى ممثل مخضرم، وسينمائي مبدع، استطاع تغيير شكل السينما في العالم. وحتى الآن، لا يعرف النقاد أفلاماً، توازي إبداعاته، حيث تجتذب الكبار والصغار، ولم تزل تؤثر فيهم بقوة.
وبسبب هذه الأفلام الخمسة، تحولت سينما بروس لي، إلى ظاهرة فنية لها أصداؤها الواسعة والمؤثرة، بعد أن ساهم كل فيلم منها، في جعله نجماً أسطورياً. مجسداً دور المقاوم الذي لا يعرف اليأس ويرفض الهزيمة ويتحدى الصعاب وصولاً للانتصار، ضارباً بالتمييز العنصري، والأفكار غير الإنسانية، عرض الحائط. فذهب بتميزه الفني إلى آفاق غير مسبوقة.
احترف بروس لي التمثيل، وسعى إلى تكامل إبداعاته السينمائية بالدقة والنوعية، وعمق التعبير، خاصة. ولا تخلو أفلامه من لحظات تأمل صامت، وذلك لإتاحة الفرصة للمشاهد كي يكتشف الأعماق النفسية للشخصية، ويدرك أبعادها ومبادئها وقيمها الروحية.
اجتهد في تنمية مهاراته الفنية، فلم يكتف بالتمثيل، ودفعه السعي إلى الكمال لتعلم المزيد، بهدف تجويد أعماله، فأقبل على التأليف والإخراج فأبدع فيهما من خلال فيلميه: (طريق التنين)، و(لعبة الموت)، وكان يجهز لفيلم ثالث من تأليفه، هو: (إكس فنج) الذي كانت تدور قصته حول علاج المفهوم الفلسفي للكونج فو، محاولاً نقد أولئك المزيفين الذين يمارسون الخداع على الأمة والشعب، وقيادة الأبرياء للموت، بسبب الحرب والفقر والجوع، أولئك الطغاة الذين تدفعهم أنانيتهم لسرقة الناس ولا يكترثون لشيء، وذلك من خلال شقيقين يمارسان الكونج فو، الأكبر مدني، بينما يعيش الثاني في قصر الإمبراطور، كلاهما أستاذان بارعان في الفنون القتالية، يأمر الإمبراطور الشقيق الأصغر بالقضاء على عصابات لصالحه، الشقيق الأكبر (إكس فينج) رئيس لإحدى العصابات، يبحث حوله، فلا يجد سوى جشع كبار الموظفين، بينما العامة غارقون في شظف العيش، فماذا يفعل البطل، علماً أنه مقدر لأحدهما أن يموت، على أن يلعب بروس لي الشخصيتين.
حتى الأفلام التي لم يؤلفها ويخرجها بروس لي، صنع بنفسه قصتها وأحداثها وأخرج تفاصيلها الفنية. كانت فلسفته في فنون القتال وطريقته في أداء حركاته وتطويرها، مذهلة حقاً. ويرى المخرج زاك سنايدر، أن بروس لي تميز في التمثيل، واشتهر بأسلوبه الخاص في التصوير بالاعتماد على الزوايا الجيدة للكاميرا، واختيار لغة تعبيرية قوامها التعبير بملامح الوجه، والحركات القتالية الصعبة، والنظرات العميقة، والحوارات القصيرة. لتصبح طريقته بمثابة، مدرسة في الأداء السينمائي. اعتمدت أفلامه على تجسيد المهارات القتالية، واستوحت الكثير من نزالاته ومعاركه الشخصية، فكانت مبهرة ومثيرة بشكل يصعب على أي ممثل آخر حتى الآن، القيام بها، رغم تطور تقنيات التصوير والمونتاج والإخراج، فلم يكن يمثل، بل يعيش جزءاً من أحداث حياته، ويوثق قصته مع الفن، وأفكاره تجاه الإنسانية.
صُورت المشاهد القتالية، بكاميرا ثابتة من زاوية واحدة. وكانت ضربات بروس لي أثناء التصوير ضربات حقيقية، مما أدى لارتقاء معاييرها الفنية. فلم يكن الأمر مجرد سينما تستعرض فنوناً قتالية، بل الفنون القتالية مضافاً إليها الفلسفة السينمائية لبروس لي. فضلاً عما لعبته اختياراته الذكية لزوايا التصوير، مما كان له أبلغ الأثر في نجاح أعماله. فمن المعروف، سينمائياً، أنه يمكن تصوير مشاهد رائعة، لكنها قد تبدو سيئة إذا لم تصور من زوايا جيدة.
اهتم بروس كثيراً بلقطات التصوير، وأشرف بنفسه على كل شيء. ولم يكن يفضل تصوير المشهد أكثر من مرة واحدة. كان يفهم العمل السينمائي جيداً، ويقوم بالخطوات المطلوبة على أكمل وجه، من التمثيل إلى الكتابة إلى تصميم الحركات إلى الإخراج والإنتاج، وإنجاز كل ذلك بإبداعية رفيعة. ومنذ أول أدوار البطولة، حتى وقوفه خلف الكاميرا، حافظ على مبادئه في تقديم سينما واقعية، تجتذب الجماهير بصدقها الفني، وتثير حماستهم لمتابعتها.
ويعد ذلك، تحولاً رئيساً في أفلام الفنون القتالية، وتطوراً غير مسبوق في السينما المحلية والعالمية. فقد كانت الأفلام الصينية، وفقاً للناقد السينمائي/ ديفيد فير، شبه خيالية، لأبطال وفرسان غير واقعيين، يقومون بأفعال ويؤدون أحداثاً غير جيدة فنياً أو مهنياً، مثل الطيران في الهواء بشكل غير مقنع، بل وينم عن السذاجة وضيق الأفق. ويحسب لبروس لي، تبسيط الفنون القتالية، وتطوير الأفلام الحماسية، فلم يستخدم معدات خاصة، أو تقنيات تعتمد على الخداع الآلي، بل لجأ إلى تصوير معارك واقعية للاعبين حقيقيين، تدربوا طويلاً من أجل تنفيذها.
فنجح في تقديم سينما تفردت بإمعانها في تجسيد ومحاكاة الواقع كما هو، وحملت في ذات الوقت، ملامح الهوية الثقافية لبروس لي. فاستطاع تغيير الاتجاهات الفكرية السلبية عن المجتمع الصيني، مروجاً للمبادئ الحضارية والمعايير الإنسانية التي تميز الثقافة الشعبية الصينية.
كان يدرس حركاته جيداً، ويقدمها بشكل واضح يعتمد على التركيز العالي، بحيث تكون دوافعها النفسية ومثيراتها، والاستجابة لها واقعية، لدرجة أنه كان يصاب بالجروح والكدمات، أحياناً، بعد انتهائه من التصوير. مؤكداً ولافتاً النظر إلى أنه: (لكي تطير في الهواء، عليك أن تتلقى ضربة قاسية). أذهل المشاهدين بسرعته ومرونته وقوة ضرباته من مسافات قريبة. تمتع ببراعة قلما نرى مثيلاً لها عند سينمائيين آخرين. لم يكن يؤدي حركات خطرة فحسب بل كان رياضياً متفوقاً وممثلاً مبدعاً، يعيش الشخصية التي يؤديها، ومؤلفاً، يوظف أفكاره وفلسفته الخاصة، وأحداث حياته، وفناناً يمتلك من القدرات ما مكنه من مزج وتنفيذ كل ذلك في سينما جديدة ومثيرة. فأبدع وبرع بشكل لم نر له مثيلاً حتى الآن.
وبعد وفاته، كان البحث محتدماً عن ممثل يؤثر في الجمهور مثله، إلى أن وصل عدد من لقبوا أنفسهم ببروس لي لخمسين تقريباً! حاولوا تقليده في أفلامهم، لكن جميعهم لم يستطيعوا الوصول إلى قدراته العالية في الفنون القتالية والسينمائية. فكان أول من فتح الباب على مصراعيه، للإبداع في سينما الفنون القتالية. فضلاً عن إلهامه لكثيرين أتوا بعده.
الرأس الكبير The Big Boss
هو الفيلم الأول، حيث نجح نجاحاً مذهلاً بعد عرضه عام 1971م. تدور أحداثه حول شاب يترك بلدته الصينية للعمل مع أبناء عمه في أحد مصانع الثلج بتايلاند. ورغم وعده لعمه بعدم القتال مع أحد، إلا أن الأحداث تتغير، بعدما تقتل عصابة غامضة، أبناء عمومته. فيسعى البطل ليعرف من القاتل، إلى أن يكتشف أنه تاجر مخدرات، يلقب بالرأس الكبير، أو الرئيس الكبير. وبعد قتال طويل، يتغلب عليه. حطم الفيلم الأرقام القياسية للإيرادات، بعد عرضه 875 مرة بدور السينما سواء في الصين، أو في القارة الآسيوية. وحظي بروس لي، بسببه، بشهرة واسعة، فذاع صيته بين الجماهير عموماً والشباب خصوصاً. ولا يمكن تصور الحفاوة والإعجاب التي قوبل بها الفيلم، بل والطريقة التي استحوذ بها على العقول. غيَّر الفيلم، مجرى حياة بروس لي تماماً، وأعاد له الثقة بالنفس، خصوصاً بعد إبداعه في تحويل نص ناقص إلى قصة شيقة.
قبضة الغضب Fist Of Fury
هو الفيلم الثاني، كما سمي (الاتصال الصيني). عرض عام 1972م. تدور أحداثه في شنغهاي بشرق الصين، ويحكي قصة شاب عائد من الخارج، ليجد أن أستاذه قد توفي. لكنه يتعجب حين يعرف أنه مات نتيجة لهزيمته من منافس ياباني غير كفؤ، مما يثير شكوكه، ويدفعه للبحث عن السبب الحقيقي. فاكتشف، أنه مات مسموماً. وتدور معارك عديدة بين مدرسة الفنون اليابانية، ومدرسة الفنون الصينية التي تعلم فيها الشاب. الفيلم يعرض لفترة تاريخية كان اليابانيون، وأعداء الصين، يطلقون على الشعب الصيني بعض العبارات العنصرية حيث تضمن الفيلم عبارة: (رجل آسيا المريض)، وهي النظرة الدونية التي أدت لاحتقار الصينيين، ولم يرضها بروس لي/ البطل لوطنه ومدرسته، فيقرر تلقينهم درساً قاسياً، بعد أن تحمل حماقاتهم وتحلى بالصبر طويلاً. وسرعان ما ينتقم اليابانيون، فلا يهدأ حتى يثأر ممن قتلوا زملاءه. لتخير الحكومة اليابانية المدرسة الصينية، في النهاية، إما أن تسلم البطل، أو يتم إغلاقها. ويضطر البطل لتسليم نفسه، فترميه بالرصاص، مجموعة كانت في انتظاره على باب مدرسته.
شارك في الفيلم الممثل الياباني ريكي هاشموتو في دور مدير المدرسة اليابانية الشرير بملامح وجهه القاسية. وكان الفرق كبير في التجسيد الفني السينمائي والتعبير، بين المدرسة الصينية ببيئتها الهادئة، وبين المدرسة اليابانية الأشبه ببيئة الساموراي. إضافة إلى خلفية جبل فوجي، والسيف المعروف (كتاكانا)، والخلفيات الفنية الجميلة. حقق الفيلم نجاحاً ساحقاً آخر، وساعد على خلق روح وطنية في هونج كونج. وأضاف لبروس لي الكثير على طريق النجومية، وجعله، جزءاً من حركة مهمة تسعى إلى تجسيد الهوية الثقافية، وترسيخ الخصوصية الحضارية للشعب الصيني، فقد كانت شخصيته ثرية وملهمة.
طريق التنين Way Of The Dragon
صمم بروس لي أن يصور ويؤلف ويخرج أفلامه بالطريقة التي يريدها، وتحت إشرافه شخصياً، حيث ذهب إلى روما كي يصنع هذا الفيلم الثالث. وعزف فيه على نفس الوتر في الفيلم السابق، فمرة أخرى، يلعب دور شخصية صينية شريفة مضطهدة، تنتصر على خصمها غير الصيني. شاركه البطولة الممثل الأمريكي تشاك نوريس، ونورا مياو. الفيلم إنتاج عام 1972م. ويحكي عن تانغ لونغ الذي يسافر من هونج كونج إلى روما كي يساعد ابنة صديقه وعائلتها في التصدي لعصابة تسعى للاستيلاء على مطعمهم بالقوة. وحين تتأكد العصابة من عدم مقدرتها على البطل، تأتي له ببطل مماثل يحاول التغلب عليه (تشاك نوريس) حيث يجمعهما مشهد في معبد الروميثيوم بإيطاليا، يعد من أشهر المشاهد الكلاسيكية في سينما الفنون القتالية، فضلاً عن أن الفيلم يصور بعض الجوانب الحقيقية، الجادة والكوميدية أيضاً في حياة بروس لي الواقعية. ووفقاً للنقاد، يعد الفيلم من أفضل الأفلام، فقد كان بمثابة عمل واقعي متكامل. لدرجة وضعته معها، مجلة إمباير عام 2010م، في المركز الخامس والتسعين، ضمن قائمة أفضل مئة فيلم في العالم.
كان (طريق التنين) بالنسبة لبروس بمثابة الابن. حيث ثبت نجوميته في السينما الصينية، فحتى ذلك الحين، لم تكن نجوميته قد تحققت بعد، في السينما الأمريكية، حيث كان ينتظر الفرصة، بفارغ الصبر كي يعود إلى هوليود.
دخول التنين Enter The Dragon
في العام 1972م كان بروس في هونج كونج، وذهب للاتفاق مع المنتجين على الفيلم حيث عقد صفقة جعلته أحد نجوم السينما الأمريكية. لم تقبل إستوديوهات هوليود أو أي جهة أخرى أن تعهد لطاقم العمل الصيني بإنتاج الفيلم. فقد أرادوا صناعته بالكامل، لكن الفريق الصيني لم يقبل، لأن لديهم قدرات فنية عالية وخبرات كبيرة، تمكنهم من إنجازه وحدهم على الوجه الأكمل، فقد أبدعوا العديد من أفلام الفنون القتالية، منها فيلمان شهيران لبروس لي. الفيلم إنتاج أمريكي صيني مشترك. تتمحور قصته حول مشاركة البطل في مسابقة للفنون القتالية في إحدى الجزر المنعزلة. في حين أنه في الحقيقة جاء للبحث عن قاتل أخته بأمر من أبيه. فيعرف أن القاتل هو الحارس الشخصي لمنظم المسابقة. جمع الفيلم محترفي الكونج فو على مستوى العالم. لتدور الكثير من المعارك والمباريات الشرسة، التي لا يتحقق الفوز فيها إلا بموت الخصم. الفيلم من أقوى وأخطر أفلام بروس لي. حيث يتجسس البطل على الأعمال التي تدور في الجزيرة، فيكتشف أنها أعمال غير قانونية، فيدمر الجزيرة بمساعدة السجناء الذين حررهم. مواجها الكثير من الأبطال. ومع تدرج صعوبات القتال، تتدرج الإثارة إلى أن يصل البطل إلى (هان) Han منظم المسابقة وصاحب الجزيرة، فيقضي عليه ويتخلص العالم من تجارته للبشر وصناعة المخدرات. واجه بروس لي أثناء اشتراكه في الفيلم عداء كبيراً وكراهية شديدة من قبل هوليود، لكونه البطل الأول. انعكس ذلك على بروس لي، فعاد إلى هونج كونج حتى استدعته هوليود من جديد لإكمال الفيلم. فكان الأخير الذي استطاع إكماله قبل أن يتوفى. كان أول يوم للتصوير، سيئاً جداً، وحدث فيه الكثير من الخلافات، مما دفعه للقلق على الفيلم، وبسبب ذلك اضطر الطاقم إلى إعادة أحد المشاهد البسيطة 25 مرة! وكان المخرج يطلب منهم الاستمرار. في النهاية، هدأت أعصاب بروس لي، وأنجز الطاقم الفيلم، حيث كان يعني الكثير بالنسبة لبروس، في تلك الفترة، بعد أن أمضى سنوات عديدة في أمريكا يطرق أبواب الإستوديوهات وشركات الإنتاج، محاولاً إثبات قدراته الفنية، وتحقيق ذاته، لكنهم لم يستجيبوا لمواهبه. إلى أن أجبرت إيرادات أفلامه الصينية أن تنتج هوليود له، محققاً المفاجأة بلعبه دور البطل الأول في فيلم أمريكي. كان المعتاد قبله، أن يلعب الممثلون الصينيون أدوار الشر، والأدوار الثانية، وغير المهمة. لكل هذه الأسباب، كان الفيلم مهماً لبروس، بل وكان بمثابة بوابة دخول إلى السينما الأمريكية. لهذه الأسباب أيضاً، كان للفيلم أصداء واسعة. تم استخدام مئات الممثلين الإضافيين، ونتج عن ذلك نشوب مشاجرات في مواقع العمل، واضطر بروس لي، مراراً، للدخول في مناوشات بعد استفزازه، محاولين اختبار قدراته الحقيقية. فقد كان معظمهم قد سمع عن مهاراته، حيث كانوا يقفون أمامه، ويضعون أيديهم في وجهه، ويتحدونه أن ينازلهم. بينما ينصحه الأصدقاء أن يؤجل ذلك، إلى أن ينتهي التصوير أولاً، وألا يهتم لهم. كان ذلك بفعل الصدامات الثقافية بين الأمريكيين والصينيين، وكان التواصل بينهم صعباً، مما دفع (ليندا) تلميذته وزوجته الأمريكية إلى التدخل، فكان دورها كبيراً. وقفت بجانبه، خوفاً من تدمير الفيلم، موضحة له، أنه: (لا يوجد من يرغب أن يقوم بعمل غير مقبول)، وأن لا يأخذ هذه المهاترات بشكل جدي، لأنها مجرد سوء تفاهم. ثم تتواصل مع الأطراف الأخرى أيضاً. كما كانت تقوم بدور الوسيط بينه، وبين المنتجين الأمريكيين وطاقم العمل، لأن الكثيرين منهم يجدون صعوبة في التواصل مع الصينيين. مما سهل لبروس لي مهمته. كانت تتحدث مع هؤلاء وتقنعهم، ثم تتحدث مع غيرهم وتقنعهم أيضاً. ولولاها لما انتهى الفيلم بنجاح. فقد كانت بمثابة، الصخرة التي اتخذها بروس لي، محوراً للانطلاق. لا يقلل ذلك من حجم الجهود الدؤوبة التي بذلها في الفيلم، ولشدة إرهاقه، مرض وبدأ يفقد وزنه، ولم يمر وقت طويل حتى توفي.
عرض الفيلم بعد مرور شهر على وفاته، محققاً أكثر من مئتي مليون دولار، ولم يراه بروس لي، أو يستمتع بردود الأفعال الأسطورية تجاهه.
لعبة الموت Game Of Death
هو الفيلم الخامس، حيث كان بروس لي قد جهز بعض أفكار قصته وأحداثه عام 1972م، ففكر في خوض قتال جديد مع خصم أكثر خطورة، ودعى الكثير من أساتذة الفنون القتالية في العالم، ليضمن، بحضورهم، تسليط الأضواء على الفيلم، وامتلاءه بالإثارة والتشويق.
فلما عرض عليه فيلم: (الدم والحديد)، الذي غيره إلى: (دخول التنين) من قبل شركة أمريكية، جمد تصوير (لعبة الموت)، ليبدأ تصوير الفيلم الهوليودي. وعندما جاء إلى هونج كونج صديقه، اللاعب المشهور كريم عبدالجبار، قام بروس لي بترتيب مشهد قتال معه. خصوصاً أن طوله كان يبلغ أكثر من مترين، بينما يصل طول بروس إلى متر ونصف المتر فقط!
كان قد صور نحو إحدى عشرة دقيقة وسبع ثوان من الدقائق الممنتجة، حيث مارس في الفيلم، ثلاثة أساليب قتالية، محاولاً من خلال الفيلم، التعبير عن رسالة، ملخصها يجيب عن: الكيفية التي يتعامل بها اللاعب مع الأساليب القتالية المعقدة والمتطورة، حيث يواجه أناساً مختلفين وأساليب كثيرة حديثة، لا يمكنه مواجهتها جميعاً بنفس الأسلوب.
مات بروس لي خلال فترة تصويره عام 1973م، فأوقف التصوير لعدة سنوات إلى أن حاولت شركة الإنتاج الاستفادة مما صورته من مشاهد لبروس لي، فعثرت على شبيه، وأكملت المشاهد الباقية.
ورغم الفترة القصيرة التي عاشها بروس لي، إلا أننا نستطيع القول إنه، أنجز وأضاف، خلالها، الكثير لفن السينما. من ناحية أخرى، يرى النقاد والسينمائيون، أن ظاهرة بروس لي، تعود للظهور من جديد كل عشر سنوات، فهو مثل: جيمس دين، وألفيس بريسلي.
كان نموذجاً مختلفاً للبطل، مما أحدث تأثيراً فنياً كبيراً وآسراً للجمهور، بعد إدراكه وتفهمه لاحتياجات الناس، وما يجتذب اهتمامهم. وترى زوجته أن الجميع، ليس فقط في أمريكا أو في الشرق الأقصى، بل في العالم بأسره، ينظرون إلى بروس لي كبطل قومي لهم، ليس لأنه صيني أو أمريكي، بل لشخصه ولأعماله، فقد جمع صورة للخير من الشرق والغرب معاً، وبكل تأكيد نستطيع أن نتعلم الكثير من ذلك. كان يأخذ ما هو جيد من هنا، ويضعه على ما هو جيد من هناك. وفي سؤال وجهه له مذيع خلال أحد البرامج التليفزيونية: (هل مازلت صينياً، أم أصبحت أمريكياً؟). فأجاب بروس: (إنني أنظر إلى نفسي كإنسان، لأنني لا أريد أن أقول إنني أنتمي إلى بلد ما. كلنا سواء، لكننا في نفس الوقت، مختلفون)!
فقد كان ذلك المذيع، شأنه شأن آخرين، لا يعلم شيئاً عن العلاقة الوطيدة، التي ربطت بروس لي بالمشاهدين كصديق أو أخ أو مدرب أو بطل مفضل لديهم. فقد كان ذلك، أهم مبدأ إنساني آمن به، وأهم سبب من أسباب تحقيق نجوميته الأسطورية، بعد أن رسم لتحقيق ذلك الهدف، طريقاً لم يستطع أحد سواه أن يسلكه.

ذو صلة
التعليقات