مجلة شهرية - العدد (529)  | أكتوبر 2020 م- صفر 1442 هـ

هل ينبغي أن يتعرض الأطفال للتقنية؟

باتت التطورات الحالية في المجال التقني مذهلة. وفي ظل عصر التقنية الجديد هذا، نجد لدينا الآن أجيالاً من الأطفال الذين يتعرضون لأشياء لم يتعرض لها أي جيل سابق. فأينما وليتَ وجهك الآن، سواء أكانت وجهتك مطعماً أو متجر بقالة، أو مركزاً تجارياً، إلى آخره، من المؤكد غالباً أن ترى أطفالاً صغاراً محدّقين في شاشات إلكترونية. قد يكون اللهو بجهاز منها متنفساً للآباء والأمهات الذين ينخرطون في أداء مهامهم اليومية، ولكن هل هذا اللهو مفيد للأطفال؟
يتخذ كثير من الآباء موقفاً معارضاً تجاه أطفالهم الذين يتجاوز استخدامهم للتقنية فترةً زمنية محددة يومياً. وتتضمن أسبابهم أن التقنية يمكن أن تصبح سبباً للإدمان وأنها يمكن أن تعيق التفاعل الاجتماعي. ويحتج آباء آخرون بأن التقنية تقدم للأطفال فرصاً تعليمية لا حصر لها، حيث يكون في متناول أيديهم معلومات عن العالم. لقد أجرت كلية التربية في جامعة ستيرلنغ بالمملكة المتحدة دراسة أثبتت أن موقف الآباء تجاه التقنية في المنزل يؤثر على مدى ارتباط الطفل بالتقنية. وذكرت الجامعة أن (التقنية لم تهيمن على تجارب الأطفال أو توجِّها، بل إن رغباتهم وثقافتهم الأسرية هي التي صاغت أشكال تعاملهم وتفاعلهم).
في عام 2012، حثّ الدكتور أريك سيغمان، أخصائي علم النفس، الآباءَ على تقليل وقت نظر أطفالهم إلى الشاشات الإلكترونية، مشيراً إلى أن الأطفال باتوا يقضون وقتاً أطول من أي وقت مضى، علاوة على شروعهم في النظر إليها مبكراً.
وقال سيغمان إن إطالة النظر إلى الشاشات الإليكترونية يمكن أن تؤدي إلى زيادة معدلات الإصابة بأمراض القلب والسكتة الدماغية والسكري والاكتئاب، مضيفاً أن الأطفال لا يمكثون أمام الشاشة لفترة طويلة جداً وحسب، بل قد يكون لأوقات إطالة النظر للشاشة تأثير ضار أيضاً على مادة الدوبامين الكيميائية في المخ، مما قد يفضي إلى قصر فترة الانتباه وإلى الاكتئاب.
كما أفادت جامعة ريدنغ البريطانية أن الأبحاث اكتشفت آثاراً سلبية للنظر إلى الشاشة على النمو الإدراكي للأطفال دون سن الثالثة. وفي عام 2017، حدّثت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال إرشاداتها الخاصة بوقت النظر إلى الشاشة، منوهةّ إلى أن الأطفال الذين تقل أعمارهم عن سنتين يجب ألا ينظروا إلى أي شاشة إلكترونية، وأمَّا الأطفال الذين تزيد أعمارهم عن السنتين فيجب أن يقتصر نظرهم إلى الشاشة على ساعتين فقط في اليوم.
أجرى علماء النفس دراسات أثبتت أن معظم الأطفال يقسمون وقتهم بين النظر إلى الشاشة والأنشطة غير التقنيّة، كاللعب خارج المنزل. لا يُبدي الأطفال تفضيلاً للتقنية، وما فتئوا يستمتعون تماماً باللعب بالدُمى واللعب مع غيرهم من الأطفال ومع أسرهم. وأثبتت دراسة أخرى في عام 2011 أجراها تاكيوشي Takeuchi وستيفنز Stevens أن التقنية لا تعيق التفاعل الاجتماعي. في الواقع، كان الأطفال الذين يشاهدون برنامجهم المفضل يميلون إلى اختيار دُمىً تشبه الشخصيات التي رأوها على الشاشة واللعبِ بها بطريقة تحاكي ما رأوه على الشاشة. كان الأطفال أيضاً يرتدون ملابس تحاكي شخصياتهم المفضلة ويستمتعون عندما يجاريهم في ذلك أفراد أسرهم. لم تقاطع التقنية أنماطَ لعب الأطفال، ليس ذلك وحسب، بل إن التطورات التقنيّة جعلت من الأسهل على الأطفال التواصل مع أحبائهم، على عكس الاعتقاد الشائع بأن التقنية يمكن أن تجعل الأطفال غير اجتماعيين.
لأول مرة، يكون الأطفال قادرين على الدردشة مع أحبائهم متى شاءوا على تطبيقي Skype وFaceTime. فبوسعهم ليس فقط سماع أصوات أحبائهم، بل ورؤيتهم أيضاً من خلال الشاشة. وهذا يؤدي إلى وجود رباط أقوى بين الأطفال وأقاربهم، لا سيما إذا كان أقاربهم يعيشون بعيداً عنهم.
وعلى الإنترنت، تهدف الألعاب والتطبيقات الموجهة للأطفال الصغار والكبار أيضاً إلى مساعدتهم على التعلم.
بينما كان للطفل في الماضي عدد معين من الكتب والدُمى التعليمية، وكان عليه أن ينتظر شخصاً بالغاً كي يعلمه، منحت التقنية الحديثة الأطفالَ آلاف الكتب ومقاطع الفيديو وأدوات التعلم عبر الإنترنت. وتسمح القصص والألعاب التفاعلية للأطفال بالتعلم في أي وقت من الأوقات، دون توجيه من معلِّم أو من أحد الوالدين (ولكن يوصَى بوجود توجيه من الوالدين عند استخدام التقنية). إن الأطفال الكبار والصغار يستوعبون معلومات أكثر بكثير من أي وقت مضى ويتعلمون بمعدل أسرع من الأجيال السابقة. وبحسب جامعة سينسيناتي الأمريكية، فإن التقنية مفيدة أيضاً للأطفال الذين يعانون من صعوبات في التعلم.
إن البرامج والتطبيقات يمكن أن تساعد الأطفالَ على تطوير المهارات التي يفتقرون إليها، بالإضافة إلى السماح لهم بالتعلم بالوتيرة التي تناسبهم. يبدو أيضاً أن العديد من الأطفال تزداد عندهم الثقة بالنفس عندما يتعلمون باستخدام التقنية المساعدة، لا عندما يتعلمون في الفصول الدراسية في المستوى الدراسي نفسه، كحال أي شخص آخر. وقد ساعد إدخال التقنية في الفصول الدراسية الطلابَ ذوي الاحتياجات الخاصة ليس في الفصل وحسب، بل وفي المجتمع أيضاً، حيث تساعدهم على المشاركة بطرق لم تكن ممكنة من قبل.
ثمةُ حجج لدى طرفي القضية حول موضوع التقنية والأطفال. فبعض الخبراء يقولون بأنها ضارة، في حين يرى البعض الآخر أنها مفيدة. والشيء الوحيد الذي يتفق عليه معظم المعلمين والآباء والباحثين على حد سواء هو أنه لا بد من الالتزام بالحدود. إن جزءاً كبيراً من الأشياء الجيدة ليس جيداً بالمرة، لكن منع الأطفال تماماً من استخدام التقنية لا يقل سوءاً عن ذلك.
فالتقنية والأطفال كلاهما يمثل المستقبل، وإن تنشئة الأجيال المقبلة على فهم قوي للتقنية لن يساعدهم أثناء مراحل نموهم ودخولهم إلى عالم البالغين وحسب، بل إنه قد يغيّر العالم إلى الأفضل. وفي النهاية، فإن أطفال اليوم سيطورون مستقبلنا بالتقنية في غضون عقود قليلة.

ذو صلة
التعليقات