مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

رباعيات البنتون الماليزية

1
بالرغم من أن قصيدة الهايكو اليابانية وجدت طريقها إلى الثقافة العربية، إلا أن شعر البنتون الشهير في ماليزيا والمنتشر منذ القدم في عموم دول أرخبيل الملايو؛ مايزال طريقه مُتعثراً إلى ثقافتنا العربية، أرجع البعض ذلك إلى أن العرب لم يكن ليعرفوا الهايكو إلا بعد انتشاره في أوروبا، ولدى كثير من ثقافات وآداب العالم، بعكس البنتون الذي يكاد يقتصر تأثيره في الآداب العالمية على مجموعة من شعراء فرنسا الذين أغوتهم الكتابة الشعرية على طريقة البنتون، في حين يرى البعض الآخر أن كثيراً من اللغات لا تتوافر لديها الخصائص الفينومينولوجية القادرة على فك طلاسم هذه النوعية من الرباعيات الشعرية، وبخاصة فيما يتعلق بالارتباط الدلالي والمعنوي بين أجزاء الرباعيات.
2
تصنف رباعيات البنتون باعتبارها الشعر الأكثر شعبية وذيوعاً في ماليزيا، وكانت قد انتشرت في بداياتها شفهياً، ثم انتقلت إلى مرحلة التدوين والتوثيق والتطوير. وترتبط رباعيات البنتون ارتباطاً وثيقاً بالعادات والتقاليد المتوارثة منذ القدم، ومن ثم نرى المبدعين فيها يكثرون في ذكر عادات وتقاليد السكان، ومظاهر الطبيعة المحلية. وإلى جانب ماليزيا ينتشر هذا الفن الشعري أيضاً لدى شعوب إندونيسيا وبروناي وسنغافورا، كما يتم تداوله بشكل كبير في الثقافة المحلية لمُقاطعة باتاني في تايلند.
3
وقد اشتهرت تلك القصائد بـ(الرباعيات) كونها تتركَّب من أربعة أبيات مُقفاة، ومتوازية في الأصوات، وعادة يكمن مدلول رمزي في البيت الأول وكذا الثاني، ويُطلَق عليهما (مرآة المعنى)، وهما بمثابة التمهيد والإعداد لتلقِّي المعنى الذي سيأتي لاحقاً في البيتين الأخيرين من القصيدة، ويُطلَق على هذين البيتين (المقصود)، حيث تتجلَّى فيهما المزيد من المعاني العاطفية والأخلاقية، وتبرز الحكمة المرصودة في النص الشعري، من خلال الاعتماد على صور شعرية مأخوذة من الطبيعة والوجود.
4
وليست النواة الفاعلة في رباعيات البنتون قاصرة على التركيبة المُقفَّاة والمتوازية صوتياً وكفى؛ وإنما أيضاً تمتد لتشمل المزيد من الصور التي تُفضي إلى تناغم قِسمي القصيدة، مع ملاحظة أن هذه الصورة لا تكون صريحة، أو بالأحرى شديدة الوضوح، حتى لا يُصبح المعنى مُبتذلاً؛ وأيضاً لا تكون غارقة في الرمزية، أو بالأحرى شديدة الغموض، حتى لا يضيع المعنى بين السطور.
5
ومن أهم الخصائص والسمات الفنية، التي تتميَّز بها رباعيات البنتون:
- الإيجاز: وليست الرباعيات أكثر الأشكال الشعرية الماليزية إيجازاً فقط، ولكن أيضاً تركيزاً للفِكرة، وتكثيفاً للرمزية.
- الاستقلالية: حيث أن كثيراً من الرباعيات قائمة بذاتها، بمعنى أن كل رباعية مُستقلَّة عما قبلها، أو ما بعدها، وهذه الظاهرة تُشبه إلى حد ما ظاهرة البيت الواحد، في إطار القصيدة العربية التقليدية، إذ يُعد البيت وِحدة القصيدة، ويُمثل في ذاته قيمة فنية وأدبية تستحق التقدير.
- التأثير: تُعد رباعيات البنتون، أكثر فنون التراث الشعبي تأثيراً في التجربة الشعرية الجديدة بماليزيا، كما تُسجل أحداثاً تاريخية تقترب إلى الحكايات التي اعتاد الناس في جزر الملايو عموماً على تداولها في مجالسهم واحتفالاتهم الشعبية.
النزعة الصوفية: تميل كثيراً إلى التوجه الصوفي الذي ينتهجه قطاع عريض من الشعب الماليزي.
- النغمة الهادئة: حيث أن المُتابع الجيِّد للشِعر الماليزي يجد ثمة نغمتين تظهران بوضوح: إحداهما صاخبة مُجلجلة تصوِّر الأعمال الشعرية والأناشيد الوطنية عموماً، وتضفي عليها مزيداً من الحماسة؛ وثانيهما النغمة الهادئة، وهي الأكثر انتشاراً في رباعيات البنتون. ويرى غير واحد من المُختصين بالتأريخ للأدب الماليزي أن ذلك منبعه نزعة التأمل الصوفي، ونتيجة سيطرة الاتجاه نحو البوح الفردي على الشِعر الماليزي الحديث، فقد انطبع بتلك النغمة الهادئة، ويُمكن ملاحظة ذلك من خلال أعمال رواد الشعر الملايويين، من أمثال: عثمان أوانج وماسوري وكيونجوك.. وغيرهم.
- الميل الشديد إلى استخدام الألفاظ التراثية: حيث أن القاموس الشعري لرباعيات البنتون تغلب عليه الكلمات والألفاظ التي تحمل عبق التُراث، واستدعاء رموزه. هذا بخلاف الشعر الحديث الذي تغلب عليه الكلمات المُستحدثة التي يظهر فيها بجلاء المؤثرات الغربية ومُستجدات الواقع الثقافي، ويجنح إلى التحرر والتنوُّع بعيداً عن أشكال القالب الشعري المصبوب حرفياً، كما في أشعار هارون الرشيد أمين الذي يُعد أحد أشهر شعراء التجديد في ماليزيا خلال فترة ثلاثينات القرن العشرين.
6
وفيما يلي نماذج من أشهر رباعيات البنتون الماليزية:
الروح تبكي على أبواب قلبك
إنها تبغي العودة إلى هذا العالم
وجه شاحب، وجسد معذّب
الحياة بدون طعم، ولكننا نكره الموت.
***
الحكمة، من أين تأتي الحكمة؟
من حقل الأرز تذهب نحو مجرى الماء
والحب، من أين يجيء إذن؟
من العينين، ينزل إلى الكبد.
***
ازرع الأرز على هضبة جيرام
ازرع ثم استرح على صخرة
كيف للقلب ألا يرتعش
لمرأى نهد من وراء وشاح.
***
إذا ذهبت إلى منبع النهر
اقطف لي وردة الفرنجبان
إذا مت قبلي
انتظرني على أبواب السماء.
***
نمل أحمر في جوف الخيزران
إناء مليء بروح الزهر
عندما يمتلئ جسدي بالرّغبة
وحدها حبيبتي تطمئن روحي.
***
ما أكثر النجوم في السماء!
ولكن نور القمر وحده ساطع
ما أكثر البنات الجميلات!
ولكن عيني لا ترى إلا واحدة.
***
قارب سكران، دفّة مجنونة
نحو المصب بشراع محموم
قمر سكران، شمس مجنونة
ماذا تقول عنكما النجوم؟
***
قوس قزح ذو الألوان الزاهرة
حتى المساء يزين السماوات
لنجتز، إذن، معاً الوادي
عمل الجماعة يصنع المعجزات.
***
فراشة طائرة هنا وهناك
طائرة فوق البحر على أبواب الشعاب
لماذا كل هذا الخفقان في قلبي
القادم من بعيد، ليدوم طويلاً؟

ذو صلة
التعليقات