مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

(ديكارت) برؤية جديدة (1-2)

قال أبو عبدالرحمن: صدرتْ طبعةٌ جديدةٌ عام 2016م/ 1437هـ بعنوان (ديكارت/الفلسفَةُ الديكارتِيَّة برؤية نقدية/التَّأمُّلاتُ/انفعالاتِ النفس).. والأسلوب العربي أنْ يكون العنوان هكذا: (ديكارت برؤْية جديدةٍ عن: التَّأَمُّلاتِ، وانفعالاتِ النفس)، وهو مِن تأليف (أنْدْرِيه جُوْمْبِيْ)، وجاء التعريفُ به موجزاً ص 221، وهذا نَصُّهْ: «هو رئيس تحرير (المؤلفات الكاملة) لـ(رينيه ديكارت) في إطار ما كُتِبَ عن فلاسفة القرن التاسع عشر، وقام بالتدريس في كندا وأوروبا وأوغندا»، وقد قام بترجمتِه الدكتور (بدوي عبدالفتاح محمد)، وعَرَّفَ بنفسِه ص 222، فقال: «إنَّه عضو هيئة التدريس بكلية الآداب/جامعة القاهرة، وعضوٌ مؤسِّسٌ بالجمعية الفلسفية المصرية.. حصل على جائزة (الهيئة العامة للكتاب) لأفضل كتاب مترجم في تبسيط العلوم عام 1999م /1420هـ، فحصَلَ على الجائزة عن كتابِه (قصةُ العلم).. وحصل على جائزة (الإبداع الفلسفي) من المجلس الأعلى للثقافة عام 2007م عن كتابه (فلسفة العلوم/العلم ومستقبل الإنسان: إلى أين؟).. ومن مؤلفاته: (وايتهد وفلسفتُه في العلوم الطبيعية)، و(الأُسُسُ الفلسفية لمفاهيم علم الفيزياء)، و(أزمة التجْرِيبية المنطقية مع مفاهيم الفيزياء المعاصرة)، وكتابُ (الاصطلاحيةُ وَسَأمُ العقل/(أيْ) أزمة الحقيقة بين فايهنجر ودوهم وبوانكاريه)، وكتابُ (تجريبيونَ بلا تجارِبٍ، ومجرمون بلا تجريبيَّةٍ/(وهو) تحليلُ مفهومِ التجريبية في الفلسفة)».
قال أبو عبدالرحمن: «يظهر لي أنَّ هؤلاء الذين ذَكَرَهم نَكِراتٌ؛ ولا فراغ لي في التَّنْقِيْبِ عنهم.. ومن ترجماتِه: (قصة العلم) /بالاشتراك مع (ج.ح. كراوتر)، الهيئة العامة للكتاب، و(كانط وفلسفتُه النقديَّةُ) تأليف (روجر سكروتن) دار الشروق، و(مفكرون سياسيون باشْتِراك جماعةٍ من الكتاب (تحت الطبع) المركز القومي للترجمة، و(تقدُّمِ المعرفةِ) لِـ(فرانسيس بيكون) /مجلة الفكر العربي/العدد الثالث والستون /يناير 1991م».
قال أبو عبدالرحمن: أُرِيْدُ الآن أبْدأَ ملامساتٍ على الفصل الرابع بعنوان (أنا وصانِعِيْ اللهُ)، قال أبو عبدالرحمن: يعني أنَّ الله صَنَعَه؛ وهو صانَعُ كلَّ مَنْ سِواهُ جلَّ جلاُله؛ وهذا الفصْلُ ذو أُسْلُوبٍ أعْجَمِيٍّ؛ وهو مِثْلُ بقيةِ فصولِ كتابه؛ ولقد استهلَّ هذا الفصل بقوله ص 81: «التَّامل الثالث من أكبر التأملات وأوسعها مدى؛ وهو يعادل تقريباً 20 صفحة من صفحات (آدم وتانري)، وفي نفس الوقت أطول من كلِّ ما سبق؛ وهو في جزء منه يمثِّل أيضاً حقلاً صعباً من حقول المعرفة؛ لأنَّ (ديكارت) بدأ وكأنه يريد أن يميل بعيداً عما اعتزمه حتى يتجنَّبَ اللغةَ الأكاديميةَ الاصطلاحية، ويؤَسِّسَ حُجتَه على التقابلات كالتقابل بين الكذب الشَّكْلي والكذب المادي.. والتقابلِ بين الحقيقة الشكلية والحقيقة الموضوعية؛ وهي بالتأكيد لغة عميقة، وليست مسألةَ ألفاظٍ فقط.. وقد تم الإعلان عن هدف (التأمل) في عنوانه (في الله: (أي في الكلام عن الله) وأنه موجود»؛ لذا سيدور التأمل حول البرهنة على وجود الله؛ ولكن ما إنْ نبدأُ بالقراءةِ حتى نُفاجأ بما يُقْلِقُنا؛ فبعد النُّقطةِ الوسطى مباشرة: وجدنا مَن يخبرنا أنه بناء على ما حدث: يجب أنْ نستنتجَ: أنَّ الله موجود بالضرورة؛ الأمرُ الذي يبدو كأنه يريد أنْ ينْهي الموضوع.. ومع ذلك وبطريقةٍ ما تَسْتَمِرُّ المناقشاتُ في ستِّ صفحاتٍ أخرى حتى وصلنا إلى قراءة، 53،51، ,Csm2 At7؛ أي الفصل7، الفقرة 2،51، 53.. «قال أبو عبدالرحمن: يعني مِن كتابِ (أندريه جُوْمْبِيْ)».. ويجب أنْ نستنتجَ أنه تمَّتْ البرهنة على وجود الله بوضوح؛ فهل نفهم من ذلك: أننا أمام برهان ثانٍ، أم أنَّ (ديكارت) يربط ببساطَةٍ بين الأطراف التي تركها مفتوحةً في الدعاوَى المبكرة؟.. على أنه مهما تكن الإجابة: فالتقدم يبدو أقلَّ سلاسةً عما كان في (التأملات) المبكرة، وإن كان هذا لا يعني القولَ بأنَّ الفكرة الموجِّهة كانت مبهمة.. والحقيقةُ أنَّ الاعتباراتِ التي لجأ إليها (ديكارت) في برهنتِه على أنَّ الله موجود، وفي وصف الله وكيف يبدو: ليست في الحقيقة بمعزِل عن عصرها؛ فقد كان لها كما سنرى جاذبيةٌ خاصة بالنسبة لِقُرَّاء القرن السابع عشر؛ لذلك وإنْ كان ذلك غيرَ مألوفٍ عند (ديكارت): فالمظاهر في (التأمل الثالث) ممنوعة أكثر من الحقيقة)».
قال أبو عبدالرحمن: هذه ترجمةٌ أعجميةٌ لِنَصٍّ أعجمِيٍّ شديدِ الغموضِ؛ وقد ذَلَّلْتُهُ حَسَبَ استطاعتي، وسَيُعينني ربِّـي سبحانه وتعالى بمدِّهِ وكرَمِه على تحليلِه بلغةٍ عربيةٍ مفهومَةٍ؛ ثُمَّ وجدتُ فيما بعد ذلك من الصفحات: «أنَّ (ديكارت) وَقَف مع كلِّ الفلاسِفَةِ ذوي النزعة الديكارتية ابتداء بالقدِّيس (أُغْسْطِيْن)؛ ومن جاء بعده».. «قال أبو عبدالرحمن: بِرَبِّكُمْ هل تستطيعون أنْ تَتَصَوَّرُوا كونَ (أُغْسْطِيْنَ) ومَن بعده كانوا ذوي نزعَةٍ ديكارتيَّةٍ و(ديكارت) لم يُـخْلَق بعدهم إلا بقرون؟!.. أليس الكلامُ المعقولُ أنْ تكونَ الديكارتية نَزْعَةً أُوْغَسْطَيْنِيَّة؛ ثُمَّ يُفَقَّط ما لِـ(ديكارت) من إضافَةٍ».. ثم تأتي الطامَّة الكبرى بالافتراء على (ديكارت) بأنه وصف رَبَّنا سبحانه وتعالى ذا الجلالِ والإكرامِ بأنه مخادِعٌ؛ فيا وَيْـحِي كيف اسْتَطَعْتُ النُّطقَ بهذا الكفْرِ الأرعن.. إنَّ هذا افتراء وُقُبْحٌ وعِيُّ في فَهْمِ كلامِ الناسِ من غيرِ افتراء عليهم؛ وإنما وصفَ (ديكارتُ) بالخداعِ الشيطانَ الرجيمَ لعنه الله الذي حَذَّرَتْ كلُّ الأديان الإلهية من كيدهِ ومكره، وأنه عدوٌّ لكلِّ مُؤْمِن من الإنسِ أو الجنِّ إلَّا أنْ يكْفُرُوْا.. ثم أفْحَمَ (أدْرِيْه جونْبِي) في تأليفه في هذا السياق (أَدَوْلْفْ)؛ وعلى الرُّغْمِ مِنْ أنَّ حاكِيْ الكفْرَ ليس بكافر: فإنني أسْتَحْيِيْ مِن ربَّـي جلَّ وتقدس أنْ أذكر ما في سياقِه ص 82-83 مِنْ كُفْرٍ أرْعَنٍ في حَقِّ رب الناس الكبير المتعال.
قال أبو عبدالرحمن: اصطناعُ الشَّكِّ توسلاً به إلى اليقين: جائزٌ ما دام الظنُّ قوياً بين احتمالين؛ وأمَّا أنَّ أصولَ الدين كوجود الله، وثبوتِ النبوة، والمعارِف البَدَهِيَّةِ: (لابُدَّ أنْ يتقدمها شكٌّ): فَهِيَ مِنْ أفسدِ الآراء التي يدفعها الشرعُ والنظر؛ لأنَّ أصول الدين قامت على التأمُّل العقلي، والشواهدِ الكونية، والمعجزاتِ والخوارِق، والغريزةِ الفطرية.. وكلُّ مولودٍ يولد على الفطرة، وغريزةُ الفطرة هي إيمانُ القلب أولاً؛ وإيمانُ القلبِ مقدَّمٌ على يقين العقل؛ لأنَّ يقينَه إذا لاحت له البراهين في الأمور النظرية: مبنيٌّ على ضعفِ الأدلة المقابلة؛ فغاية يقينِه تمسُّكه بالرَّاجِح مع احتمالِ المرْجُوح؛ وأما القلب فإيمانه فطريٌّ ضروريٌّ؛ ولهذا فإنَّه لا يمكن أنْ يتحوَّل الإيمانُ إلى القلب وهو يَـحْتملُ مرجوحاً؛ ولا غضاضةَ إذا قدَّمنا إيمانَ القلبِ الفطريِّ على إيمانِ العقلِ النظري؛ لأنَّ العقل والقلب غريزتان مخلوقتان، ولأنَّ الضروريَّاتِ: مُقَدِّماتٌ لِلْمُكْتَسَباتِ.. وأكْبرُ الناس إلحاداً لم يتحول إلى الإلحاد إلا بعد نزاعِ مع فطرته؛ وكلُّ دليلٍ نظري يُصادم الفطرةَ فلا وزن له من الحق؛ وهذا مُشاهَد في انحرافاتِ العصر اليوم المصادِمَةِ الفطرةَ مهما كان حظُّها من النظر.. وشكُّ (ديكارت) يُعارض قطعياتٍ حسيةً؛ فقمينٌ أنْ ينْساقَ عقلُه إلى التصديق بِـها؛ ولهذا زعم أنَّ آراءهُ التقليديةَ باطلةٌ، وليست مثارَ شكٍّ وَحَسْب؛ فافترض وجودَ شيطانٍ ماكرٍ استعمل مهارتَه؛ ليضلِّله.
قال أبو عبدالرحمن: إنْ أردتَ التوسُّعَ في هذا التأمُّل فراجِـعْ نصَّه في (التأملات) ص 57-64، بتقديم الدكتور (عثمان أمين) في (التأملات) ص 53-55، وص11-13، و(ديكارت) لـ(عثمان أمين) ص126-129، و(ديكارت) لـ(كمال يوسف الحاج) ص 77-82، و(المعرفة) لـ (الِشِّنِّيِطي) ص97-98.
قال أبو عبدالرحمن: يؤخذ على (ديكارت) إسرافُه في الشك؛ لأنَّه عطَّل الحواسَّ لخداعها؛ والواقعُ أنَّ خداعها يقتضي الاحتراسَ منها، ولا يقتضي تعطِيلَها، كما أنَّ المنطق ضمانٌ من الخطأ في الاستدلال؛ ثم إنَّ افتراضَ وجودِ شيطان يُـحاوِلُ الإضلالَ: نَصٌّ على تضليل الشيطان لعنه الله؛ وليس ذلك عن الرحمن سبحانه وتعالى؛ فما ترجَـمَه الدكتور (بدوي) عن (أندريه جومبي) باطِلٌ، وافتراء على (ديكارت)؛ فإنَّه لَـمْ يَدِّعِ قَطّْ نسبةَ هذا الكُفْرِ إلى ربِّنا أرحمِ الراحمين سبحانه وتعالى.. والله جلَّ جلالُه يَـخْدَعُ مَنْ يخادِعُه؛ و(ديكارت) على نصرانيتِه يَلْتَمِسُ طُرُقَ الهداية؛ ليقومَ بعبادةِ ربَّه على يقين؛ ولكنه هلك على نصرانيَّتِه؛ والظُّلْمُ مُـحَّرمٌ لا يجوز أنْ تَظْلْم كافراً ولا مسلماً.. قال ربنا سبحانه وتعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) (سورة المائدة/8).
قال أبو عبدالرحمن: والله سبحانه وتعالى لَـمَّا أَذِنَ لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلَّم بالجهادِ نَظَّم له سياسَة الحربِ ومَرْحَـمتَها؛ فقال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (سورة التوبة/73)؛ فالكافِر في ذلك حَرْبِـيٌّ؛ فإذا طلَبَ الأمانَ ليسمعَ ما عند المؤمنين من حُجَّةٍ عليه وعلى قومه: فإنه يجب على المسلمين القيامُ بتأمينه، وإسماعُه حُجَّةَ الله عليهم من القرآن الكريم، ومِن السُّنَّةِ الْـمُطَّهرةِ، ومن الأثارَةِ مِن كُتُبِهم في التوراةِ والإنجيل؛ فإنْ آمَنَ حُرُمَ إرجاعُه إلى قوْمِه إلا إنْ كان هناك معاهدةٌ بين المسلمين والكفار يجب إرجاعُهم إذا هاجَروا إلى المسلمين مُؤْمِنين بدينهم؛ فيجري العَمَلُ على ما قَضَتْ به المعاهدة.. فإنْ لم يُؤْمِنُوا، أو طلب من المسلمين زيادَةَ وَقْتٍ؛ لِيُفكِّرَوا: فإنه يلزمُ المسلمين إبلاغُهم مأمَنَهم إلى أنْ يصلَوا إلى قومِهم.
قال أبو عبدالرحمن: حسبُنا أنَّ (ديكارت) بَرِيِءٌ من الافتراء على رَبِّه بأنَّه (يَـخْدعُ مَنْ لا يُـخادِعه)؛ وواجِبٌ علينا أنْ نستفيدَ ونُفِيدَ مِن تأصيلِهِ طُرُقَ الاستدلال.. ولقد وُلِدَ (ديكارت) سنة 1596م /1017هـ بقرية صغيرة بفرنسا، وتلقَّى تعليمه الأول في كلية يسوعية؛ فلم يرض عن مقرراتها؛ لأنها تلقين لآراء القدماء، وعدم الرضا بالاتباعية: هيَّأَ فكرَه لطلب اليقين بغير طريق التلقين والتقليد؛ وقد ألَّف (قواعدَ لهداية العقل) عام 1628م /1049هـ ولم يتمها، ولم ينشرها إبان حياته، وقد بسط في هذه القواعد لأوَّلِ مرة منهجُه الذي أراد به أنْ يكون منهاجاً للفلسفة والعلم معاً.. وفي عام 1624م /1045هـ أتمَّ تأليف رسالته (العالَـم) ودفع بها إلى المطبعة؛ فلما سمع بإدانة البابا لـ(جاليلو) بالمروق عن الدين؛ لقوله بدوران الأرض: سحب كتابه من المطبعة؛ لأنه يقول بذلك أيضاً في كتابه المذكور، (قال أبو عبدالرحمن: وذلك هو الصحيح شرعاً وواقعاً من البرهان الحِسِّي).. وفي عام 1641م /1062هـ نشر تأملاته في الفلسفة الأولى مع ست رسائل وردتْ اعتراضاً عليه، وفي عام 1649م/ 1070هـ ذهب إلى (أستوكهلم) بإلحاح من ملكة السويد؛ ليعلمها الفلسفة، وقد أصيب بالتهاب رِئَوِي نتيجة للمناخ السويدي؛ فمات في يوم 11 فبراير عام 1650م.. وكان ديكارت مخلصاً لعقيدته الكاثوليكية، وكان عالماً طبيعياً ورياضياً مبتكِراً؛ وأوَّلُ مَن وصفه بـ(أبي الفلسفة الحديثة) فلاسفةُ الألمان، وعلى رأسهم (هيجل)، و(شلنج).
قال أبو عبدالرحمن: لا مِرَاء أنَّ الشكَّ أقْدَمُ من (ديكارت)، والشُّكَّاك السوفسطائيون وُجِدوا في العصر اليوناني؛ فكان منهم منكرة الحقائق، والمتوقِّفة؛ وإنما وُجِدت عُقْدةُ الشك بنوعيها بفعلِ القوَّة الجدلية، والتمويهاتِ الْـمَغْلَطائية في البراهين؛ وهي الآفة التي تبدَّد فيها الفكرُ منذ عرف المسلمون الجدل.. وبعضُ أئمةِ المتكلمين تحدَّث عن نفسِه بأنه يستلقي في الليل على قفاه ينظر في حُجَجِ هؤلاء؛ ثم ينقُضُها بحججِ أولئك، ويعيدُ الكرَّةَ مرةً بعد مرةٍ حتى يطلع الفجر وهو لم يصل إلى حقيقة.. وفي ذلك قال (أبو الوليد الوَقَّشِي) قاضي (طُليطِلة) (408هـ/ 987م – 489هـ /1068م):
بَرَّحَ بي أنَّ علومَ الوَرَى
اِثنانِ ما إنْ لهما مِنْ مَزيدْ
حَقيْقَةٌ يُعْجِزُ تَـحْصِيلُها
وباطلٌ تحصيلُه لا يُفيدْ
قال أبو عبدالرحمن: في كتاب (ابنُ طُفيل).. (506هـ/1110م - 581 هـ/ 1185 م) (حَـيُّ بْنُ يَقْظان) بِتَقْدِيْمِ الدكتور حسن حنفي: قال في تقديمه: «لا يوجد نصٌّ فلسفي كُتِبَ أربع مرات من أربعة فلاسفة مختلفين، وأحياناً مع تغيُّرِ العناوين مع بقاء المضمون مثلُ قصة (حي بن يقظان)؛ فهي مع أصلها اليوناني (سلامان)، و(أبسال): قصة رمزية لابن سينا (-428هـ)، ولابن طفيل (-581هـ)، وللسهروردي (- 587هـ)، وابن النفيس (687هـ)؛ والموضوع واحد؛ وكيفية الوصول إلى الحقيقة بالعقل الخالص دون الاعتماد على نَبِيٍّ، أو وحي، أو معرفةٍ لَدُنيَّة؛ والعقل الخالص هو العقل الطبيعي الذي يتأمل في الظواهر الطبيعية الجمادية، والنباتية، والحيوانية؛ هو العقل التجريبي وليس العقل الاستنباطي (العقل البرهاني).. وللعنوان دلالة رمزية (حي بن يقظان)؛ فالحياة بنت اليقظة.. اليقظة الأصل، والحياة الفرع، وليس العكس، الحياة الأصل واليقظة الفرع مع أنه الأكثر بداهة؛ فالإنسان يحيا أولاً؛ ثم ينبثق الوعي من خلال الحياة».
قال أبو عبدالرحمن: أَنْعِمْ بهم وأكْرِمْ في الْبُعْدِ عن شَرائِعِ الله التي نزلتْ ببلاغِ أَفْضَلِ الخلق من النَّبِيّين والمرسلين إلى كافَّةِ المكلَّفين مِن الأنس والْـجِنِّ، وببلاغِ روح القدُسِ (جِبْريِلُ) عليه سلام الله وبركاته وكافَّةِ إخْوانِه من الملائكة المكرمين إلى النَّبِيّين والمرسلين عليهم صلوات الله وبركاته.. وهكذا بُعْدُهم عن الامتثالِ لضرورات العقلِ، وهدايةِ القلب؛ وكل ذلك بعوارِضَ مُرْدِيَةِ كالتَّمَعْلمِ، وَحُبِّ الإطراء بدافِع (خالِفْ تُعْرَفْ)، وَشَرٌّ من ذلك كُلَّه غَلَبَةُ الكُفْرِ والإلحاد بسببِ كلِّ تلك الأعباء التي سَرَدْتها آنفاً، وأظْلَمُ الأرْبَعَةِ وأقبحهم: (السَّهْرَوَرْدِي)، و(ابنُ سينا)؛ وأمَّا (حسن حَنَفِي) فإنه يفوقُهم في الكُفْرِ والجهلِ بفهمِ المعقولِ وغيرِ المعقول مِن القطْعِيِّ، والراجحِ، والمحتمل، والباطِلِ؛ وهكذا فَهْمُهُ لِلُّغَةِ العربية التي نزلَ بها دينُ الإسلام؛ وكانت مُتَرْجِمَةً الشرائِعَ التي نزلتْ بغيرِ لسانِ العرب؛ فالله سبحانه وتعالى مُعَلِّمُ اللُّغاتُ، ولا تختلف عليه الألسن ولا الألوان؛ الْـمُتَعلِّمُ الإنسان ما لا يعلم؛ فهل يعلمُ أمْثالُ (حسنَ حنفي)، أو مَنْ فوقه في الكفْرِ أو دونه: من يحيط باللغات؛ وهو سبحانه وتعالَـى مُعَلِّمُ البشر ما لم يعلموا، وقد علَّمهم بالقلم.. ثم قال هذا المُسمَّى (حسن حنفي)؛ وليسَ له مِن اسْمِه نصيب، وكُتُبه ومقالاتُه بين يَدَيَّ؛ وكلُّها سَيِّءٌ، ولي جولَةٌ معها إنْ شاء الله تعالى.
قال أبو عبدالرحمن: كثيراً ما اسْتَعْذبَ الإمام (ابنُ تيمية) رحمه الله تعالى ترديدَ بيت الشاعر:
حُجَج تهافـتُ كالزجـاجِ تخالُـها
                 حقـاً وكلُّ كاسرٍ مكسورُ
والمتكلِّمون عادةً هم أكثرُ الناس تنقُّلاً في الفكر لا يثبتون على مذهب معين؛ فهذا الإمام (أبو الحسن الأشعري) عفا الله عنه ورحمه يُعْلِن العِداء لمذهب المعتزلة، وقد كان معتزلياً أربعين عاماً؛ فَنَقَضَ مذهبهم بعظمةٍ فكرية جبَّارة، وحَضَرَ أئمةُ المعتزلةِ مناظرتَه؛ فتناولهم واحداً واحداً بالمناظرة، وقاموا على أنْ يعودوا في جلسة ثانية فلَمْ يعودوا؛ فكتبَ (أبو الحسن) على بابه (فَرُّوْا)؛ ولكنَّ (أبا الحسن) الذي كان معتزلياً، ثم أشعرياً: كان أخيراً شاكَّاً؛ لأنَّ آخرَ مؤلفاته (التدليلُ على تكافُؤِ الأدلة)، وقد ناقشه الإمام ابن حزم رحمه الله تعالى في آخر كتابِه (الْفِصَل).. والله سبحانه وتعالى يعفو عن عبادِه جميعاً إنْ صَدَقوا مع أَنْفُسِهم؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى سَيُعامِلُهم وَفْق صِدْقِ نِيَّاتِهم.. وقال الإمامُ ابنُ حزمٍ رحمه الله تعالى: «إنَّه (،قال أبو عبدالرحمن: يعني مذهبَ تكافُؤ الأدلة) مذهب الطبيبين اليهوديّْيَيْن (إسماعيل بن يونس الأعور)، و(إسماعيل بن القراد)، وقد ناظرهما ابن حزم في مجلس من مجالسه التي ناظر بها اليهود في الأندلس، ومذهبُهم أنه لا يمكن تغليبُ مقالةٍ على مقالة؛ بل دلائلُ كلِّ مقالةٍ مكافِئَةٌ لدلائل سائر المقالات، وكل ما ثبت بالجدل فإنه بالجدل يُنقض؛ فيلزم التوقُّفُ عن الأخذ بأي رأي أو مبدأ، وقد ناقشهم أبو محمد طويلاً وقال: إنَّ جهل مَن جهل، وتوقُّف من توقَّف: ليس حجة على عِلم من علم، ويقين من تيقَّن؛ والحق في جهة واحدة ولا بد، والصواب ما رجع إلى محصلات العلم الغريزية في الإنسان.. وقُصارى القول: إنَّ الشك السوفسطائي إنما تولَّد من الجدليةِ التي يكون فيها تمويه الحججِ وزخرفتُها؛ فيبدؤون بالنظر والاستدلال وينتهون إلى الشك والتوقف.. وهناك شك ابتدائي توسليٌّ مصطنع مفتعل؛ وهذا هو الشك الديكارتي، وقد فلسفه المعتزلة قبل (ديكارت)؛ فكان هو الشرط الأوَّلِـيِّ للمعرفة عندهم؛ فقالوا بشجاعة: ينبغي أنْ نبدأَ في كل معرفة بالشك والتحفُّظ حتى إذا وصلنا إلى يقين كان يقيناً معززاً سليماً، وقد قال (إبراهيم النظام).. (قال أبو عبدالرحمن: لا خير فيه مِن واقِعِ سِيرتِه الْعَفِنَةِ): (لم يكن يقين قط حتى صار فيه شك)».
قال أبو عبدالرحمن: أَهْلُ هذا المذهب غالَوا في استحسانِ الشك؛ فقالوا: لا يصح إيمان أحد إلا بالنظر والاستدلال؛ ومن شرط الناظر المستدل: أنْ يكون ولا بد شاكَّاً في وجود الله؛ وقد استدلوا بشك (إبراهيم الخليل) عليه السلام في قوله سبحانه و تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) (سورة البقرة/260)؛ فقالوا: إنَّ إبراهيم كان شاكاً في قدرةِ ربه؛ فطلب الدليل؛ وأَيَّدوا ذلك بما ثبت في الصحيحين: (نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم)، وبحديث: (ذلك محضُ الإيمان)؛ يعني الشكَّ، وبأنَّ الله ذمَّ المقلدين في الاعتقادِ؛ وهم الذين قالوا: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ) (سورة الزخرف/22)؛ ولأنَّ الله حضَّ ذوي الألباب على التعقل والتفكر، وبأنَّ الشك جبرية فكرية فلا يستطيع أحد أنْ لا يشك؛ وكل هذه الأدلة سطا عليها (القصيمي) بمراوغةٍ إنشائيةٍ هزيلة في الكلمة التي عَنْوَن لها بـ (العالم يشك، والجاهل يستيقن)؛ والشكُّ عند هؤلاء ليس معناه: أنَّ كلَّ شيءٍ باطلٌ؛ بل معناه عدمُ التسليم بصحة أيِّ شيءٍ قبل النظر فيه؛ فالقسرية الاجتماعية للعقل، وما كان مبنياً على الحدس والتخمين، وما كان منشؤُه العُرْف والعادة: يجب أنْ يرفضَ كلَّ ذلك؛ وهذا الشك لا يدوم إلا ريثما يتوسل به إلى معرفة يقينية؛ فكل هذه العناصر الموجودة في شك أهلِ الكلام هي المقوِّمات لشكِّ (ديكارت)؛ بل ليس هذا الاتفاق في المعنى وحسْبُ؛ بل ثمة اتِّفاق في الألفاظ؛ فالجاحِظُ لا يقبل التصديقَ إلا بما كان واضحاً؛ ولا ريب أنَّ اليقين عند (ديكارت) يُعَبَّر عنه اليوم بالأفكار الواضحة المتميزة؛ ومن كل ما سبق أَسْتَخْلِصُ ما يلي: أولاً أنَّ الشك عند (ديكارت) مُصْطَنَعٌ يتوسل به إلى معرفة حقيقة ما؛ ومعناه: عدم التسليمِ بصحة الشيءِ مع احتمال صحته، أو بطلانه؛ وليس معناه إبطال الشيءِ مطلقاً؛ وهو لا يعترف بمبدأ (تكافُؤِ الأدلة) التي كانت عقدة الشكاك السوفسطائِيّين.. ثانياً أنَّ الشك الديكارتي موجودةٌ عناصِرُه عند أهل الكلام تماماً؛ وفيه تَشابهٌ في المعنى واللفظ.. ثالثاً أنَّ الشك السوفسطائي هدَّامٌ؛ لأنه لم يكن وسيلة إلى طلب الحقيقة، ولكنه غاية في إنكار الحقيقة أو التوقف فيها؛ وهو شك على إطلاقه حتى فيما قام دليله؛ لأن الدليل لا يقوم إلا بالجدل، وما قام بالجدل فإنه بالجدل ينقض؛ وأما إيجابُ المعتزلةِ الشَّكَ في وجودِ الله فهو من الكفْرِ البواح، والله أعْلمُ بِنيَّات عباده، وما تكون عليه خاتمتُهم قبل توديعهم الدنيا، وإلى لقاء إنْ شاء الله تعالى مع تحليلٍ لِأَدِلَّةِ هذه الأعباء المؤلمة، والله المستعان.

ذو صلة
التعليقات