مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

السمكة الليبية الحجرية

    في البدء كان الحجر!
كل الطُرق تؤدي إليها..
    اتخذ الصحراء مسلكاً،
الرمال دليلاً..
ومن السراب
الضوء الشحيح
الذي يتوه فيه
عن كل الطرق المؤدية إليها..
ليبيا عند الإغريق قارة أفريقيا، وقورينا قبل الإسكندرية، كانت أثينا ليبيا، القارة جنوب القارة الهلينستية، اليونان جاء نفر منهم وأنشؤوا عند سفح الجبل الأخضر مدينتهم، حيث ثمة ثقب في السماء، كناية أن مطرها غزير، ومن ذا عمروا (البنتا بولس) أي مدنهم الخمسة، فأنتجت حضارة مميزة، وتميزت بالفلسفة القورينائية. حين جاؤوا وجدوا البلاد عامرة بسُكانها الليبيين القدماء، فكانت منهم أُسرٌ حكمت مصر، اشتهر منها الفرعون (شيشنق).
في الصحراء الليبية نشأت حضارة عامرة، عُرفت بالحضارة الجرمانتية، وفي ذي الصحراء الليبية عمرت واحات من أقدم واحات العالم، كـ(غدامس) جوهرة الصحراء في أقصى الغرب الليبي، العامرة إلى يومنا هذا بفنون ومعمار لا مثيل له، و(مرزق) في وسط البلاد، عاصمة القوافل، ومركز عبور تجاري بين أفريقيا وأوروبا والعالم، فـ(أوجلة) في الشرق ما سكنها الأمازيغ. لما وصل هيرودوت، وجعل كتابه الرابع عن ليبيا؛ كانت الواحة الأقدم التي احتواها تاريخه.
ضياع الصحافي
كنتُ في مهمةٍ صحافية، نهاية العام الثامن والسبعين من القرن المنصرم، رفقة الشاعر أحمد الحريري، تاه سائق (الكروزر) العسكري العنيد عن (زلة) بعد أن تخلى عنا آل الفُقها: واحة أحفاد الرسول كما يقولون، تصوروا أننا سندعو لتنفيذ قرارات الدولة الخاصة بترحيلهم لمنطقة أخرى، تتمكن فيها الدولة من توفير الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء، لكن كيف لهم ترك موطن أجدادهم من آل البيت، الذين هجوا من مذبحة الدولة الأموية، هم من نجا من الفتنة الكبرى، مقتلة المسلمين الأشهر.
هكذا لم يرافقنا دليل صحراوي، في جبل الهروج البركاني الأسود الذي سطحه أشجار متحجرة، وفي وديانه صدف بحري، وهياكل عظمية سمكية، بين غابات حجرية وبحيرة، تيبست عروقها؛ ضعنا بعد إغواء قطيع غزلان لنا بمطاردةٍ لم يوقف سائقنا العنيد عنها غير مشهد هيكل جمل في حالة قعود، رقبته ممدودة يستنشق الموت من جفاف التراب. غير بعيد من المشهد الأول، طلع علينا من ثنايا الهروج المشهد التالي: جثة سيارة (رندروفر) أكلها الجفاف دون داء، عرفنا أنها سيارة زملاء لنا كانوا قد غرقوا في بحر الرمال هذا مطلع الستينات من القرن العشريني. أرهبتنا مشاهد متتالية ففقدنا الرشد. بالمصادفة المحض، بحب الحياة، بتاريخ أجدادنا في حربهم ضد قبيلة القبلي ربة الجفاف؛ تمكنا من زلة التي غادرها كل ذكرٍ قادر في قافلة البحث عن الضائعين نحن، لم نجد غير عجوز أسود قبسُ مضحكهِ في الظلمة دليلٌ ساطع عن النجاة. هذا من ربع قرن أو أكثر.
ضياع هيرودوت
النخلة لم تسكن الجبل..
أرادت أن تكون اليقظ في الصحراء النائمة..
ضاع هيرودوت عن نفسه، في زيارته الأولى لقورينا، أثينا الليبية، بعض سكان ليبيا من ليسوا إغريقاً ذكروا له أنهم يعيشون في بحر الرمال بعد مدينة هِسْبرِيدس (بنغازي)، حوالي 200 فرسخ أو أقل قليلاً، تهجى له أحدهم اسم جزيرتهم، في بحر الرمال، فكانت (أوجلة).
خط ذلك في الكتاب الرابع من تاريخه عن ليبيا، لكن ما لم يُصدقهُ هيرودوت: يوجد جبل من حجر ملح بعد عشرة أيام من السير، والناس يسكنون عنده، منازلهم مشيدة من قوالب الملح هذا! لأن سكان هذه المنطقة من ليبيا المحرومة كلياً من الأمطار بنوا منازلهم من الملح. لا تبقى الجدران وهي من الملح قائمة لو كانت ثمة أمطار أليس كذلك؟ هل هيرودوت سأل نفسه الضائعة هذا السؤال أم كتبه وهو المذهول؟
قبل ذلكم كانت أنهار تلعب هناك، مصادرها جبل الهروج أو الجبل البركاني الأسود، وقد يكون جبل تيبستي حيث سلسلة أكاكوس، وهو ما سيكون مصدر أساطير رواها إبراهيم الكوني في رواياته. جفت هاتيك الأنهار، التي سلطت الشمس عليها سياطها إثر غيرة اجتاحت الشمس، بعد أن فضلت الأرض القمر، القمر الذي يتغنج في سماء أوجلة، رفقة نجوم خليعة تعرض مفاتنها كل ليلة على السابلة.
عليكم الحذر، ثمة واحة غير موجودة ستظهر لكم، لا تظنوا بوجودها، لقد حدث أن خرجت هذه الواحة المسكونة لمن ظن أنه فالح، سُمع لغطٌ وهمهمات ولم يُرَ أحدٌ، لم يُكتشف أثر قدم في رملها حتى كُلّ من الفحص، لكنها حديقة غناء بالنخل، المُثقل بالثمر مما ندر، مثل الصعيدي والدقلة.
من شرب من مائها العذب الغزير، فطن لحيلة، اقتطع الجريد من النخل، وكل ما سار مسافة غرس جريدة، ظن أنه حدد الطريق إلى تلك الواحة غير الموجودة، نام قرير النفس، فاق الصبح محاطاً بالجريد ما غرست يداه، هكذا تيقن أنها الواحة الممتنعة على الجميع، إلا من تاه وضل الطريق فسماها: (واح صَبرو). التي قد تكون أوجلة غير المرئية، هاتيك تدل القوافل إلى أوجلة التي تهواها الجِمال، وتهيم بها كل قوافل الصحارى الكبرى.
مرة فيما سلف من الزمان: قدماء ليبيا، عمَّ العجاج مسكنهم، والعجاج يركب ريح الجنوب، (القِبلي)، وهي مهاري لامحة، ما مرت بزرع أو ضرع إلا جف من هول مرآها.
يقول هيرودوت: قبائل تدججت بالسلاح والغضب، صرَّ الليبيون على محاربة القبلي، اليوم ليس لريح الجنوب عاصم من حرب شعواء، لم تكللْ تلكم الحرب بالنصر، لكن كان على جباه الرجال الذين ذهبوا في حربهم حتى الفناء، كان على جباههم إكليل غار أو كما يقول هيرودوت: من لم يذكر أن المحاربين كانوا قد تمترسوا ولبسوا دروع (أُوجلية).
ضياع المستشرق
النخيلة القصيرة القامة قالت للريح:
المرأة الممشوقة القوام مثلي تهفها خفة الروح..
تثقلها سلافة القلب..
فاستكيني عند محاذاة ظلها..
فيما بعد حير سواح الصحراء الليبية متحف الصخور أو المساخيط، كتابٌ مخطوطٌ كتبه فرنسي مجهول الهوية، ويحمل تاريخ سنة 1685م، وظل مخطوطاً في المكتبة الوطنية الفرنسية، ذكر: بعد مسير متواصل لأيام ثمانية، الحملة وصلت، رأت المدينة المتحجرة، حيث مسخت جميع المخلوقات إلى حجر. في منطقة أوجلة هذه تصاب برشح الدهشة، أغرب الأشياء وأعجبها مطمورة هنا، أجساد بشر، أجساد حيوانات، أجساد شجر، مسخت حجارة، ولا تزال تحتفظ بروح طبيعتها بهيئاتها وألوانها.
لم تكتفِ فرنسا بشهادة شاهد من أهلها، ففي يناير من سنة 1707م كتب شارل لامار القنصل الفرنسي إلى وزيره حول هذه المدينة الحجرية: حملني على اتخاذ قرار بإيفاد نائب القنصل الذي عينته لمدينة درنة، مصحوباً برسالة من البِك، إلى شيخ أوجلة التي تبعد ثلاثة أيام من درنة، ليرى ما إذا كان في إمكانه العثور على جسد بشري متحجر، فذاك شيء سيكون جديراً باهتمامات جلالة الملك. كل الذين بلغوها أكدوا لي مشاهداتهم لعدد من الأجسام البشرية في أوضاع مختلفة، وكذلك قطعان الكباش برعاتها وكأنها حية، والرمال السافي تكشفها وتغطيها بحسب الرياح.
هذا ما جاء في كتاب: واحات الجنوب البرقي بين الأسطورة والتاريخ، للمؤرخ الليبي محمد مصطفي بازامة، الذي نقل ما ذكر أولئك، وحَسبُه ذلك جهد.
ريبة المتيقن
في زلة ربيبة الريبة ينام العاشق، لتيقنه من ريبته، في غيرها لا ينام.
زلة قليل من رطب الحياة، مدسوس في حوض الرمل، الذي لم يعرف البلل منذ آلاف السنين، حيث تجفل الغزالة وتجفو المعشوقة. لم يكن للشاعر الشعر، لكنه انتزعه من جفول زلة عن الخلق، ونأيها عن الماء، لم يكن الشاعر للشعر الفصيح، لكن الفصيحة تغتال العامية، فأرادها عركة للذود عن مملكة زلة العامية، بهذا وجدنا في زلة متراساً من شعراء العامية، كي نعارك قبيلة القبلي بجند لا يعلمها غير الله من الشعراء.
الشعر خجول، والبنت الخَجِلة وزلة ظله، وإن اشتد الضوء اشتد الظل، لكن الشعر الزلاوي ليس له في الضوء مبتغى، فالشعراء في زلة يهيمون في كل واد، غاب العقل فتعقدت خصلات الشعر وتاه الشعراء.
زلة ترسم بقلم الشفاه على الفضاء شعرها، وترسله محملة قوافل الريح خيوطه الحريرية، تاركة الخيوط الصوفية منه تتبدد في حواش من فياف، الشاعر يدون بأبجدية العرب كلام الريح، وكثير منا لم ينصت لغيره، ولغير نتف تمكنت من الفرار من جهنم زلة، الواحة التي انفردت بخيباتها.
ولأن زلة مكان يعول عليه، فقد تأنث بشعرية مغناج، لم نسمع الشعر من الأصوات النسائية الليبية التي حفلت بها زلة، وإن سمعنا شعرية الأنوثة ذاتها، ما منحتنا روحها لمكابدة الطريق الذكوري الجاف، لذا شغفنا بروح زلة الرطبة الريانة فينا.
تأنثت أسطورتها حين كان لـ(نانا) مليحة سطوة على السادة، كانت ملكة العبيد الذين تحررهم كل عام أيام ثلاث هي أيام مزارها، في أيامها هذه يصير كل عبد حر، ويستبدل به ابن سيده، يطلق العبد بسطوة نانا مليحة الجسد من عقاله، والروح لتوقها. ويُرد كرم نانا هذا بهرج الطبول (الدنقة)، التي ترقص الجسوم مجسدة التوق للحرية، تُطلق الطبول عنانها ليوم الحرية هذا، وإن غلط سيد في عبده، فلا فكاك من حبل مسد تربطه به، وحتى أنه لا يتسنى له السفر دون إذنها، وما لمسافر لم يستأذنها فكاك من عقاب. تاقت نانا مليحة الخالدة أن تتسمى زلة باسمها، لكن ذاكرة الناس مثقوبة، هذا جعلها تحرج في خاطرها، ولم تفصح، حتى أن مخيالها لم يتمكن من مخاتلتها مرة في هذا الجحود والنكران.
كاف الجنون
الذئب الجريح أخفى، عواء وحدته، في عُري الصحراء، وفي كاف الجنون، أطلق سراح الروح:
غات واحة السحر، السحر تقنية الوهم، صناعة آل الخفاء، غات كاف الجنون النبع أو أصل الجان، نسج المخيال وخيط الزوال، من حيث اختلس إبراهيم الكوني أكاذيبه الكبرى وحتى الصغرى، فأذاع أنه راوي واحة السحر.
كاف الجنون عملاق، يعتمر عمامة من العتم الرمادي المزرق، سيوف الرمل شمال الطريق القطرانية اللون، تبرق السيوف، فيما يندس جبل الجنون، في عتمة الشمس الواضحة الغموض.
غات حيث ليس من الأساطير في شيء، إن شوهد الجن يلاعب أفراخه أو يتعاشق.
كذا غات كذبة، لا يصدقها غير الصادقين، كذا كاف الجنون، كذبة لا برهان لها غير العاشقين.
في صحراء غات، اغرورقت ساحة المهرجان، بالرقص، وغص القلب بأنين وَحِيدٍ.
غمرت الأنوثة الغاتية ساحة القلعة قبيل منتصف الليل، في مغاير الجبل الذي بنيت فوقه القلعة، أشعل الفتيان النيران على المسرح بموسيقى غاتية، خلائط طارقية وزنجية وعربية، أصوات حادة وقوية تدخل الآذان، حيث صمت الصحراء، مكبر كل صوت.
نسوة كما مسك الليل، إن لم تنتبه لف عنقك، إن كنت غشيماً، نبهك الصوت المبهم لجبل أكاكوس، وإن كنت يقظاً، تغمرك عيون نسوة هي كهوف الضوء، منها ينبثق نور الشمس الغامضة الوضوح.
النخلة التي تتشبث بالصحراء، ترمقني في صمت: هذا الرجل، من يسكره عصيري، قبل جَنْيِه، هل سيُحرم ثماري؟ في كل سكرة تسلم، لكن بهذه ليس ثمة أفق..؟ الغزال: كيف ينهض إن خذله الأفق؟
عند أقدام أكاكوس، تسكن واحة كاف الجنون، محاطة بمهارٍ سنامها فرسان صلب ملثمون، يحرسون حلقة النسوة الطارقيات المغنيات، الحلقة ضابط إيقاعها طبل جافل.
غات ساحة مدججة بالغناء، بالرقص، بالمهاري التي لا تطال، في مقدرتها على الرقص، كثبان الرمل حصير، ونهد من رمل مخدة، والشمس كف، تداعب الخد، فيورد دون خجل، صبايا الصحارى لا يخجلن: فلا حياء في حياة، كذا قول صبية، غمرتها أعين ولهة ومغتبطة، تراقص كثيباً ناهداً، من كثبان ناعمة في مراح غزالات غات..
غات دسها الجنون، بسترة من سلسلة جبل أكاكوس..
كل العيون الطارقية سمحة، وأنت عيونك في كل عيون سماح، لا مفر منك حتى إليك، أينما وليت وجهي ثمة وجهك، أنت غات، سراب الصحارى، الغزالة الجافلة في المخيال، غات، أوجلة، زلة: أخيلة تعترض طريقه/ لوجه واحد/ في الليل شموس، تندس في محجريه/ في النهار ظلال، ترقبه عن بعد/ تبدد الوجه/ الأخيلة ما تعترض طريقه، الصحراء الليبية الصحارى كلها.

ذو صلة
التعليقات