مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

الخبز المعجون بالألم والدمع

عندما بدأت في التعرف على ملامح هذه الحارة العريقة، أعني باسمها الحديث نسبياً وهو (حارة الأغوات)، والقديم الذي يعود إلى العصور الأولى، وهو (حارة بني الحسن)، ولقربها من الحرم النبوي الشريف فليس غريباً أنها كانت تحمل هذا الاسم الأخير، والذي يُفهم منه أنها كانت موطناً لأسر من آل البيت النبوي الطاهر. وقد أخذت هذه المعلومة من المهندس السيد سامي عنقاوي، والذي كان مسؤولاً في الحقبة الماضية عن معهد خادم الحرمين الشريفين للحج والعمرة، وكان أحد الذين استشرفوا المستقبل بأنها سوف تدخل ضمن مشروع توسعة المسجد النبوي الشريف الكبرى، وهذا ما حدث فعلاً، وقادته حاسته الاستشرافية إلى تصوير أهم معالم الحارة وآثارها.
والحكايات التي كان يرويها السكان عن حارتهم كثيرة، وقد تعرضت في الحلقة السابقة لحكاية (ولد التواتي)، الذي قضى غدراً ولم توجد جثته إلا بعد أيام في أحراش منطقة الصيران، والتي كانت تمتلئ بأشجار النخيل، الذي لا يثمر رطباً جنياً. وللتاريخ فقد أفدت هذه المعلومة من مؤرخ المدينة المنورة في العصر الحديث، الشريف إبراهيم العياشي -رحمه الله-، أثناء ملازمتي له مع صديقي وأخي السيد أسامة السنوسي، وإخوة وأصدقاء آخرين كانت تبهرهم تلك الدقة التي كان يتمتع بها عندما كنا نخرج معه لأماكن الغزوات النبوية، مثل: أحد، والخندق. وعلى هذا الخلفية أفدت منه كذلك أن البستان الذي كان يقوم بعيد مقبرة شهداء أحد، والتي استشهد فيها عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، سيدنا حمزة بن عبدالمطلب، رضي الله عنه، وعن آل البيت والصحابة أجمعين؛ هو أن هذا البستان الذي يُسمى منذ أمد بعيد باسم (الصرح)، ما هو إلا ميدان من ميادين معركة أحد المشهورة، نسبة إلى الجبل الشامخ أحد، والذي جرت في سفحه أحداث تلك المعركة، والتي بذل فيها أصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم، حياتهم فداءً لنبيهم، ومعلمهم، صلى الله عليه وسلم.. بأبي أنت وأمي يا رسول الله.
أعود ثانية لحكاية ولد التواتي، فلقد سمعت القوم في الحارة يتحدثون عن شدة بأسه، في وقت كان يُفترض فيه أن يكون ابن هذه الحارة قادراً على حماية حارته من أي اعتداء على كرامة أهلها، وحدث أن سوّلت لأحدهم نفسه أن يدخل الحي مع انبثاقة نور الفجر، لعله يرى صديقاً له من أبناء الحارة، فأوهم أصحاب الحوانيت المبكرين في الخروج من منازلهم بأنه يريد النزول إلى عين الماء الموجودة على مفترقي أزقة الحارة، وفي سبيل ذلك هبط الدرج الموصلة لتلك العين، التي كان يستقي منها أهل الحي بأنفسهم، أو عن طريق من كان يقوم بتلك المهمة، ويُدعى (السقا)، وتظاهر بأنه يريد أن يتوضأ حتى يتمكن من أداء الصلاة في المسجد القريب جداً من الحي، وعلى غير موعد أو ترتيب كان (مشكل) الحي كما كانوا ينعتونه، وهو (ولد التواتي)، غير بعيد عن حفرة العين، فلمح هذا الغريب، وإذا به ذلك الوجه الذي لا ينكره وأنه أحد خصومه الأربعة، وفي هدوء نزل هو الآخر من الدرج، ولم يكن يدر بخلد الغريب أنه سوف يكون بطريق أو آخر صيداً ثميناً لـ(بطل الحارة)، أسرع الغريب في الوقوف، ويبدو أنه كان يسعى للإسراع والخروج من هذا النفق المظلم، ولكن (ولد التواتي) -كما يذكر الراوي- لم يتركه يغادر الحي دون تأديب، فوضع زناد يده القوية والممتلئة في وجه الغريب، وأصبح يدفعه دفعاً حتى يرتطم رأسه بجدار العين، واستمر هذا الوضع حتى نبه البعض كبير الحي والرستمية المُعلم طيفور، والذي بدوره فض النزاع بين الغريب وولد الحي، وترك الغريب يغادر الحي، ولكن حذره من دخول الحي ثانية تحت أي عذر من الأعذار. لم تستطع مجموعة الأربعة النَيْل من ولد التواتي داخل حلقة اللعب أو خارجها. صديقي (ابن جبل) حدثني في شيء من الأسى.. قال: في الليلة التي سبقت اختفاء البطل بأن هذا الأخير طلب منه من باب المداعبة أن يصارعه.. يصمت (معاذ) وكأنه كان يستدعي الماضي بكل وجده وأحداثه، ثم يعود للحديث: تماسكنا وتصارعنا على مشهد من أبناء الحي، وبينهم المهدي، والذي كانت دارهم تطل على مقبرة البقيع، وخرج الاثنان من ذلك الصراع متعادلين، ولم يكن يتوقع ابن جبل وأبناء الحي أن تلك الليلة هي الأخيرة في حياة (مشكلهم)، فلقد حملت الليلة التالية خبر اختفاء (ولد التواتي)، ثم العثور عليه في أحراش الصيران مغدوراً، وكانت نهاية أليمة وحزينة في عقول وقلوب من دونت ذاكرتهم تفاصيل أحداثها، فتناثر الدم فيما تكره وتأباه النفوس المطمئنة، والقلوب الممتلئة حباً وسكينة.

ذو صلة
التعليقات