مجلة شهرية - العدد (516)  | سبتمبر 2019 م- محرم 1441 هـ

آلان ديلون أسطورة سينمائية حية

ممثل فرنسي عصامي، اشتهر بـ(المتمرد) رغم ملامح وجهه الأرستقراطي الملائكي، ظهر في عالم السينما في منتصف القرن الماضي، وأصبح أسطورة؛ إنه آلان ديلون (83 سنة)، وهو الذي أضحى رمزاً فرنسياً، إذ يعد أشهر من الرئيس الفرنسي شارل ديجول في العالم، ولا يضارعه في شهرته إلا برج إيفل، كرمز لفرنسا. قدم للسينما أكثر من 80 فيلماً من بطولته وإخراجه وإنتاجه، شاهده أكثر من 350 مليون متفرج في العالم.
ولد في أسرة فرنسية فقيرة لأم خادمة وأب جزار، وتربى في الملاجئ، لم يتعلم ولم يدرس التمثيل لكنه أضحى أسطورة سينمائية، وكرمه مؤخراً مهرجان (كان) السينمائي الدولي الثاني والسبعين.
بداية الأسطورة
ظهر في أول أفلامه (في وضح الشمس) PLEIN SPLEIL من إخراج رينيه كليمان، كي يصعد في قفزة فنية عملاقة إلى قمة سلالم الشهرة والمجد، ويصبح في التو ليس فقط في فرنسا، ولكن في مصر أيضاً في قارة أفريقيا، وفي اليابان في قارة آسيا، وأينما وجدت قاعات السينما، مثل قاعة سينما إيزيس في مصر، التي شاهدت فيها في فترة الخمسينات أفلام آلان ديلون البوليسية في صحبة عمالقة التمثيل في فرنسا آنذاك، من أمثال جان جابان وجان بول بلموندو ولينو فينتورا وغيرهم، كما في فيلم (العشيرة الصقلية) - LE CLAN SICILIEN- من أروع أفلام (العصابات) التي ظهرت في تلك الفترة.
ترويض الوحش
بعد فترة قصيرة، أصبح نجماً يشار إليه بالبنان، كعلامة فارقة من علامات السينما الفرنسية الحديثة. في فترة الستينات، وفي أعقاب ظهور الموجة الجديدة في فترة الخمسينات في السينما الفرنسية؛ كان يكفي، كما يقول عنه المخرج الإيطالي الكبير أنطونيوني: أن ترى آلان ديلون، وهو يمشي- ولا يمثل أبداً- ويسير فقط في أي فيلم يضطلع ببطولته، لكي تحبه في التو.
ولذلك لم يكن غريباً أن تسارع أستوديوهات وصناعة السينما الأمريكية في هوليوود في تلك الفترة باستقطاب آلان ديلون، وبشتى الوسائل والمغريات، لتوظيفه في أفلامها، لكنها مثل كل الرجال والنساء اللواتي عرفهن، مثل النجمة النمساوية رومي شنيدر، وأصحاب السلطة، أي سلطة من أي نوع، في فرنسا وفي أي مكان؛ لم تنجح في ترويض ذلك الوحش - LE MONSTRE SACRE- الذي يسكنه، ويعز عليه أن يفرط في حريته، ولا يقبل بتقييد.
آلان ديلون هو الدون جوان، وساحر النساء، وصاحب الأداء الساحر في أكثر من رائعة من روائع السينما، ليس فقط الفرنسية، بل العالمية أيضاً، مثل دوره في فيلم (روكو وإخوته) أمام الممثلة الفرنسية العملاقة آني جيراردو، ودوره في فيلم (الفهد) أمام الممثل الأمريكي العملاق بيرت لانكستر، وعروس السينما الإيطالية كلوديا كاردينالي، والفيلمان للمخرج الإيطالي الكبير فيسكونتي.
آلان ديلون.. سيد ولص
في كتاب (نجومنا وإلى الأبد)  NOS STARS DE TOUJOURS  تأليف المؤرخ السينمائي الفرنسي الكبير بيير تشرنيا، الصادر عن دار نشر (لاروس) الشهيرة في باريس؛ يكتب تشرنيا عن آلان ديلون في مقال بعنوان (آلان ديلون السيد واللص)، ويصدر مقاله بكلمة كتبتها الممثلة النمساوية الجميلة رومي شنيدر عن ديلون تقول فيها: (آلان شخص أرستقراطي طبيعي، يكمن في داخله إنسان من عصر النهضة، وعندما تقترب منه، ستكتشف كرماً لا حد له، ورقة غير معهودة).
ولد آلان ديلون في الثامن من شهر نوفمبر عام 1935 -برج العقرب- في ضاحية (سو) من ضواحي باريس الهامشية، في أسرة فقيرة متواضعة، وتنقل في طفولته بين الأسر الفرنسية الحاضنة لأولاد الشوارع الذين لا تستطيع أسرهم أن تتعهدهم بالتربية والرعاية الواجبين، ولذلك أصبح الطفل ديلون وحيداً منفرداً ومتمرداً، ولا يمكن السيطرة عليه أبداً أو تدجينه.
وفي سن السابعة عشرة التحق آلان ديلون بالبحرية الفرنسية - يذكر آلان ديلون في (درس السينما) واللقاء الذي عقد معه في الدورة 72 لمهرجان (كان) السينمائي أنه يدين بكل شيء في حياته لفترة خدمته العسكرية في البحرية الفرنسية التي صنعت منه رجلاً، وسنعود إلى ذلك الدرس لاحقاً- كما شارك في الحرب الهند صينية، ولما انتهي من خدمته العسكرية وعاد إلى باريس صار يتردد على أوكار الدعارة واللصوص والمجرمين والأحياء سيئة السمعة مثل حي (باربيس) وحي (سان جيرمان دو بريه).
وتعرف إلى ممثلة فرنسية تدعى بريجيت أوبير، أحبته وتعلقت به، وصارت تنفق عليه من مالها، وجعلته يسكن معها في غرفتها الصغيرة، ثم تعرف ديلون على الممثل الفرنسي الكبير جان كلود بريالي، وقام وعمره 22 سنة بدور صغير في فيلم (عندما تتدخل النساء) للمخرج الفرنسي الكبير إيف أليجريه، وبمجرد ظهوره فقط في الفيلم، شهد الوسط السينمائي الفرنسي بأن ذلك الفتى الممثل من عنصر أصيل طيب، وبسبب حضوره (المغناطيسي) الطاغي الأثير، سيكون له شأن كبير كممثل، وعندما قامت الممثلة رومي شنيدر ببطولة فيلم (كريستين) اختارت آلان ديلون لكي يشاركها بطولة الفيلم، ووقع الاثنان في الحب من أول نظرة، وصارت قصة حبهما الذي استمر ست سنوات حديث الناس والصحافة وأجهزة الإعلام.
وبسرعة صار آلان ديلون ممثلاً معروفاً، وكان جماله ووسامته وشبابه محط إعجاب النساء وتعلقهن به. وعلى يد المخرج الإيطالي العملاق لوكينو فيسكونتي صعد ديلون إلى خشبة المسرح وقام مع حبيبته رومي شنيدر ببطولة مسرحية (خسارة أن تكون غانية) في باريس، ولعب دورين كبيرين في فيلمين عظيمين لفيسكونتي، هما (روكو وإخوته) الذي ينتمي إلى سينما الواقعية الجديدة -نيو ريالزم- في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية في إيطاليا، وفيلم (الفهد) الجبار الذي ينتمي إلى نوع (الأفلام التاريخية) العظيمة ولكل العصور ويبهرك بجماله وسحره.
إلا أن هذين الفيلمين لم يحققا لديلون نفس الشهرة التي حققها له فيلم (في وضح الشمس) من إنتاج 1959 ومن إخراج الفرنسي رينيه كليمان، المأخوذ عن رواية بوليسية رائعة للكاتبة الإنجليزية باتريشيا هاي سميث، والذي صنع من آلان ديلون أيقونة وأسطورة من أساطير السينما العالمية، ونجوم السينما المفضلين، في العالم، ولكل العصور.
محتال في وضح الشمس
في هذا الفيلم لعب ديلون دور شاب فقير ووسيم، يلتحق بخدمة شاب ثري أرستقراطي صديقه، فيدبر مؤامرة في عرض البحر لقتله، والتخلص منه، ويحاول أن يحل محله، ويقلده في كل شيء، كي يوهم الجميع بأن صديقه مازال على قيد الحياة، بل يحاول السطو على يخت وممتلكات صديقه، ويفوز أيضاً بحب وقلب صديقته. ونرى في الفيلم المشوق الرائع الفذ، وبإيقاع لاهث، كيف يتحايل آلان ديلون وبشتى الطرق والوسائل، لكي يحل محل شخصية القتيل، وكيف يتدرب في الفيلم، على تقليد صوته، وتقليد توقيع صديقه على دفتر شيكاته، لسحب نقود باسمه، ونذهل لمصداقية التمثيل في الفيلم لآلان ديلون، ونترك لكم بالطبع متابعة أحداث هذا الفيلم البوليسي المشوق الممتع، الذي يستحق المشاهدة عن جدارة، ونعتبره تحفة سينمائية، مثل بعض أفلام هيتشكوك كما في (نفوس معقدة) أو (دوار) -فرتيجو- لا يجود الزمان بمثلها.
وسوف نلاحظ هنا من خلال عرض المسيرة السينمائية الطويلة لآلان (أكثر من 80 فيلماً)، أنه مر بعدة مراحل سينمائية، وكان الفضل في تميزه فيها وصعود نجمه مثل الصاروخ لهؤلاء المخرجين الكبار والمؤلفين الذين عمل تحت إدارتهم وتوجيهاتهم، من عند الإيطالي لوكيني فيسكونتي (الفهد) إنتاج 1963، مروراً بالفرنسي رينيه كليمان (في وضح الشمس) 1959، والإيطالي أنطونيوني (الخسوف) 1962، والفرنسي جان بيير ملفيل (الساموراي) 1967، والفرنسي هنري فرنيو (العشيرة الصقلية) 1969، إلى حد الأمريكي جوزيف لوزي (مستر كلاين) 1976 والفرنسي السويسري جان لوك جودار (موجة جديدة) 1990، وحصول آلان ديلون على جائزة السيزار الفرنسية كأحسن ممثل عن دوره في فيلم (حكايتنا) للمخرج الفرنسي الكبير برتراند بلييه. ثم كانت سعفة كان الذهبية الشرفية في الدورة 72 لعام 2019 لمجمل أعماله.
اعترافات آلان ديلون
في حواره مع النقاد والصحفيين في مهرجان كان أدلى ديلون باعترافات تلخص مسيرته الطويلة، قائلاً: إنه لشيء صعب للغاية أن يكون المرء بعد مرور خمسين أو ستين سنة مازال على قيد الحياة، ومازال يطلب حب الناس. معترفاً بفضل كل المخرجين الكبار الذين عمل تحت إدارتهم، أو أخرجوا له أفلاماً من إنتاجه ومثل أو لم يمثل فيها. وذكر أنه ينتهز فرصة تكريمه، ويهدي إليهم سعفته الذهبية الشرفية، معتبراً تكريمه في المهرجان، في الدورة 72، أغضب بعضاً من النساء اللواتي سارعن بالاعتراض على التكريم، والتظاهر ضد ديلون، سي السيد، الذي لا يتورع عن الاعتداء عليهن بالضرب، ولم تنجح محاولتهن في إفشال التكريم أو حجبه.
هو أيضاً تكريم لهؤلاء المخرجين الكبار من أمثال فيسكونتي وكليمان وفرنوي ولوزي، وملفيل، وحكى أن ملفيل مات بالفعل من الضحك، حين قال له صديق في التليفون نكتة، فأخذ ملفيل يضحك ويضحك، حتى صعدت روحه إلى بارئها.
وذكر ديلون (83 عاماً) أنه يمكن بسهولة على المستوى الشخصي -مثل أي إنسان- انتقاده، لكن من المستحيل، على المستوى المهني الاحترافي، كممثل ومخرج ومنتج كبير (أنتج أكثر من 25 فيلماً في حياته)، توجيه أية انتقادات له، أو لمسيرته السينمائية الطويلة، التي تكللت بنجاحات عديدة ومشرفة، وحققت إضافات لفن السينما، وبخاصة حين أقبل ديلون على موضوعات سياسية وفكرية شائكة، ناقشها وتناولها في بعض أفلامه، مثل تواطؤ الشرطة الفرنسية ومسؤوليتها في ترحيل الآلاف من الفرنسيين اليهود إلى معسكرات الاعتقال أثناء الاحتلال النازي لفرنسا، كما في فيلم (مستر كلاين) لجوزيف لوزي، من إنتاج ديلون.

ذو صلة
التعليقات