مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

الكتاب الرقمي.. المستفيد والمتضرر

 ارتفعت في الآونة الأخيرة مغريات نشر الكتاب الإلكتروني وأضحت الميزات المصاحبة للنشر الرقمي أكبر من أن تقاوم. إذ خلق هذا النوع من النشر الرقمي إمكانيات جديدة للتفاعل المباشر بين الكاتب والقارئ، كتبادل الآراء والردود الفورية والتعليقات الآنية... هكذا وضع الكتاب الرقمي حداً لأحادية النشر الورقي، ومنح إمكانات للتواصل لا حد لها. كسر الاحتكارية والزبونية والشللية، ودمقرط إلى حد بعيد الحق في الوصول إلى المعلومة ورفع الغبن عن الكثيرين الذين ليس لهم وساطات. علماً أن النشر الورقي متحكم فيه من لدن صاحب المطبعة أو دار النشر أو الدورية.
وخلافاً لهذه الأجواء فإن النشر الرقمي اتصف باللحظية وإلغاء الانتظار، وأصبح أمر النشر لا يحتاج لوسيط، إذ تكفي نقرة واحدة ليعبر نصك العالم الأزرق ويصير في ملكية الجميع. كذلك ساعد النشر الرقمي القراء على تجاوز مشكلة القدرة الشرائية وفتح باباً للولوج إلى الكثير من الفضاءات.. ورسخ إمكانية التكوين المستمر، هذا إضافة إلى تجنب تلويث البيئة الناتج عن استخدام أحبار الطباعة. ولكنه من جهة ثانية فتح الباب على مصراعيه لظهور الرداءة. صحيح أنه أشاع المعلومة بين الناس ولكنه أيضاً أساء إليها دون أن يعني ذلك أن الرداءة حكر على النشر الرقمي. وبشكل مواز أيضاً أغرق النشر الرقمي السوق الثقافية في كتب يصعب متابعتها نقدياً لكثرتها.
هذا السياق أسقطنا في مأزق اختفاء الكتاب الجيد ضمن كتب متنافرة ومتضادة فيما بينها. ومنح النشر الرقمي بعض الكتاب الشهرة وإثارة الانتباه، وسوق نوعاً من المجاملات بين الأصدقاء، وأسقط تلك المواكبة الجادة للكتب.
بهذا المعنى شتت النشر الرقمي للكتب ذهن القارئ، وقلص المسافة بين الناقد والأديب المنتج للكتاب، وفسح فضاء جديداً يتواجد فيه الرديء والجيد جنباً إلى جنب. كل هذا قزَّم فرص الحياد والنزاهة في المتابعة، وفتح الباب أمام كثرة المجاملات وتبادل كيل من المدائح والشكر، لأن بعض المعلقين هم في الغالب هواة وليسوا راسخين في أرض المعرفة العلمية.
وبقدر ما منح النشر الرقمي للقارئ فرصة حيازة الكتب مجاناً، أسقط في الوقت نفسه الحقوق المادية لصاحب الكتاب. وفي سياق آخر طرح موضوع النشر الرقمي تخوف بعض الأوساط الجامعية من اعتماد مراجع رقمية لأنها تبدو للبعض عارية من القوة الإبرامية فيلجؤون مكرهين للمصادر والمراجع الورقية، ومن جهة أخرى فإن وضعيات قراءات الكتاب الورقي تظل أكثر رحابة، إذ لا تشترط أن يكون القارئ موصولاً بالإنترنت ولا متوفراً على التيار الكهربائي، وكذلك يمنح الكتاب الورقي إمكانية التسطير على الأفكار المهمة خلافاً للكتاب الرقمي الذي يظل منفلتاً وغير محسوس.
بالإضافة لهذا كله فقد أثرت صورة الكاتب على الكتاب، خصوصاً في صفوف الكاتبات اللواتي تعج بعض منشوراتهن بـ(العري الرقمي). هذا الأمر يشترط التجرد من الأفكار المسبقة عن المرأة، إذ نحن أردنا فعلاً المساواة بين الجنسين في النشر (كاتبة/كاتب).
إذ كم من كاتبة أحيطت بهالة من الإعجاب والمدح فقط لإرفاق كتابها بصورة عارية -إيروتيكية- واستسلمت لوهم التميز وهي فارغة من أي معرفة علمية، (والغواني يغرهن الثناء/ أحمد شوقي). علماً أن الإعجاب هنا لم يكن إلا بالجسد، إذ ما من رصيد معرفي يعتد به. كما ضرب النشر الإلكتروني في مقتل نخبوية المعرفة، وساعد في ازدياد معدل القراءة. ولكنه في الوقت نفسه كرس قيمة سلبية وهي سطحية المعرفة في أحيان كثيرة. إذ اختفى عمق جيل الرواد في الكتابة والإبداع. وعلى الرغم من اتساع قاعدة قراء الكتاب الرقمي، ثمة اليوم من يعبر عن حنينه إلى رائحة الورق وسطوة الكتاب التقليدي/ الورقي/ ووجوده المحسوس. لكن رغم هذا كله تبقى مغريات النشر الإلكتروني للكتاب أكبر من أن تقاوم

ذو صلة
التعليقات