مجلة شهرية - العدد (517)  | أكتوبر 2019 م- صفر 1441 هـ

لكي تصبح الرواية المحلية عالمية

فازت رواية سيدات القمر لجوخة الحارثي من سلطنة عُمان بجائزة مان بوكر العالمية، على نسختها التي ترجمتها إلى الإنجليزية مارلين بوث بعنوان أجرام سماوية. فرِحنا بهذا الفوز العربي، وهلل من هلل لما في هذا الفوز من تسجيلٍ للثقافة العربية، والثقافة الخليجية على وجه الخصوص، وامتعض من امتعض لما في رواية سيدات القمر من استقصاد للاقتراب أو كسر بعض مجاهل التابو ومحاذيره ومفاتنه، باستنطاق المسكوت عنه في الحياة الاجتماعية العربية، وأظن -وليس كل الظن إثماً- أن هذه المحاذير تجتذب الكُتَّاب والأدباء، لما في هذا المنحى من تجارب تستدني القُرَّاء من نصوصهم. لكنّ العجيب في الأمر، وأقولها بمرارة، أن بعض أولئك الكتاب الذين أشغلهم اللهاث وراء هذا الأمر عن النواحي الفنية وهي الأكثر أهمية في العمل الأدبي؛ جعلت أعمالهم أقرب إلى الفقاعة الخفيفة التي يحملها الهواء ثم لا تلبث أن تتلاشى، فكان مصيرها النسيان دون أن تترك أثراً.
مَنْحُ جائزة مان بوكر البريطانية العالمية لرواية سيدات القمر خلَقَ المزيد من الحماس لدى القارئ العربي للتعرف عليها، خصوصاً أولئك الذين ليست لديهم متابعة حثيثة للإنتاج الروائي، فلم يقرؤوها في نسختها العربية التي صدرت عام 2010 ولكنهم قرؤوها بعد إعلان الفوز، وكأن إعلان الفوز هذا أضفى قيمة أخرى على الرواية، فهو أشبه ما يكون بشهادة حازتها الرواية على فنيَّتِها وإبداعها. وهذا الفوز المستحَق فتَحَ الباب لمزيد من النجاحات لها، لعل من أسرعها ما أعلنته مكتبة (تنمية) المصرية عن توفيرها طبعة جديدة من رواية سيدات القمر بسعر يناسب القُدرة الشرائية للقارئ المصري، بالتعاون مع ناشرها الأصلي (دار الآداب).
ولعل الجائزة أيضاً مثّلت جواز سفرٍ حمَلَها إلى منصة الكتب الرقمية في الموقع العالمي أمازون، وأحسب أن قَدْراً لا بأس به من القراء تمكنوا من قراءتها على القارئ الإلكتروني كِندِل (kindle) الذي يمثل ثورة أخرى في القراءة وانتشار الكتب، وهو ما ينبغي للكاتب العربي الالتفات إليه، لما فيه من انتشار أوسع وحضور أكبر وسهولة أكثر مما في الكتاب الورقي المطبوع، بعيداً عن مجاهل التوزيع والوِراقة، وليس ذلك فحسب بل إن وجودها على القارئ الإلكتروني كِندِل يخوِّلها أيضاً للدخول المباشر إلى عوالم التقييمات والتعليقات في الفضاء الإلكتروني غود ريدز Goodreads، وهو الشبكة الاجتماعية والفضاء الأشهر والأكثر انتشاراً في تبادل الخبرات والآراء في المراجعات النقدية والتعليقات.
أذكر أن للروائي والمفكر العربي عبدالرحمن منيف مقولة مهمة جداً في هذا السياق، وهي أنه كلما كانت رواياتنا محلية أصبحت عالمية. وهي مقولة أثبتت صِدقها في هذا العمل لجوخة الحارثي، حينما رصدَت الكاتبة طبيعة المجتمع العماني التقليدي خلال حقبة معينة، سواء ببعض العادات في الأعراس والمياتم، أو في العلاقات الاجتماعية الريفية والبدوية، أو حتى في استخدام اللغة المحكية في الأمثال الشعبية التي تشير إلى رؤية هذا المجتمع للحياة والناس، ولعل هذا هو السبب الأكثر أهمية لإيجاد قارئ أجنبي لعملٍ محلي، وبخاصة إذا ما توافرت في العمل الأدبي أدبيته وقيمته المعنوية. ولن نذهب بعيداً عن روايةٍ عربية اجتاحت السوق الغربية قبل ما يناهز عَقدين من الآن، ووصلت إلى القراء الغربيين في لغات كثيرة قبل اتساع هيمنة الإنترنت، وقبل التحول الرقمي في الكتابة والنَّشر، وطبعتها دار شهيرة جداً؛ هذا العمل الجميل هو رواية الحزام لأحمد أبي دهمان، نشرتها عام 2000 دار غاليمار الباريسية، وصنَّفَتها مجلة لونوفيل أوبسرفاتور بين الروايات الأكثر مبيعاً، وتُرجمت الرواية فيما بعد إلى العربية إضافة إلى أربع لغات أخرى على حدّ علمي. فرواية الحزام حفلت بالنمط الحياتي في القرية الجنوبية من المملكة العربية السعودية، بتفاصيل كثيرة جداً من أشكال المعيش اليومي، وقرأنا فيها خصوصية العادات في مجتمعٍ نسمع به إذ ذاك في حكاياتنا ولا نكاد نبين أحقٌ هو أم ضرب من الخيال؟!
كم أتمنى فعلاً أن يصرِف كُتابنا الروائيون اهتماماً جيداً نحو المعنى الروائي، بعيونٍ محليةٍ تغوص في أعماق المجتمع لتستخرج ما فيه من خصوصية وفرادة، وتتعرف على أنماط الشخصية العربية بشكل أعمق، فالطاهر بن جلون مثلاً في رواية ليلة القدر إنما نقل مجتمعاً محلياً خالصاً بكل ما فيه من عجر وبجر، وكذلك فعل نجيب محفوظ من قبله.

ذو صلة
التعليقات