مجلة شهرية - العدد (529)  | أكتوبر 2020 م- صفر 1442 هـ

Mindhunter.. رحلة في عقول إجرامية غير مسبوقة

(جون دوجلاس)، (مارك أولشاكر)، (آن بورجيس)، ثلاثة أسماء لأعضاء فريق بحثي واحد قرر أن يخوض داخل العقلية الإجرامية ليعرف الأسباب الحقيقية والدوافع الكامنة وراءها في سبعينات القرن المنصرم بالولايات المتحدة الأمريكية.
حيث انتشر في أرجاء البلاد نوعية جديدة وغريبة من المجرمين أصبحوا يعرفون فيما بعد بـ(القتلة المتسلسلين). وهو قاتل يكرر جرائمه بشكل متتابع منتظم، وهو يختلف عن (السفاح) في ثقافتنا الذي يقتل مجموعة من الأشخاص دفعة واحدة أو يتورط في قتل عدة ضحايا في فترة قريبة نسبياً غالباً بشكل عارض وليس بتخطيط مسبق، وهو يختلف أيضاً عن قاطع الطريق أو (الهجام) الذي هو لص في الأساس ويضطر أحياناً للقتل لإتمام عملية السرقة، ذِكر تلك الفوارق غرضه إيضاح أن القاتل المتسلسل نوعية من المجرمين غير مسبوقة، ولا يمكن فهمها بمنهجية علم نفس الجريمة الكلاسيكي في تلك الفترة، لذلك كان من الضروري أن يقوم أحدهم بتلك الخطوة رغم كل ما فيها من صعوبات أمنية وبحثية وهو ما يلقي المسلسل الضوء عليه بالتفصيل.
تنطلق أحداث المسلسل عام 1977، العميل الخاص بالمباحث الفيدرالية (هولدن فورد) -المبني على شخصية جون دوجلاس- يحاول أن يتفاوض مع أحد المختلين عقلياً على أن يُسلّم نفسه ويُسلّم الرهائن الذين بحوزته وينتهي المشهد بانتحار المجرم فجأة دون مقدمات، ذلك الاستهلال ليس هدفه فقط إلقاء الضوء على الحالة الجنونية التي انتابت الشارع الأمريكي، ولكن لنفهم أن فورد رغم نجاحه بالمقاييس العملية للمباحث الفيدرالية حيث تمت العملية دون إيذاء أحد الرهائن، إلا أنه لم يكن راضياً عن النتيجة لأنه كان يريد أن تنجح عملية التفاوض وأن يقوم المختطف بتسليم نفسه، لاحقاً نتابع فورد وهو يقوم بتدريس الأسس العلمية للمفاوضة في إحدى قاعات التدريب، وعند مغادرته ومروره بجوار قاعة أخرى تذهب حياته بأكملها إلى منحنى جديد تماماً، فالمحاضر في القاعة الأخرى كان يشرح حالة القاتل المشهور إعلامياً بـ(ابن سام) ويقول إن دوافعه لارتكاب جرائمه مجهولة تماماً وإنها كالثقب الأسود، من هنا يلتقط فورد طرف الخيط ويقرر أن يبحث وراء المجهول.
الأسباب الأولية لتحليل الأمر كما قابلها فورد كانت تنقسم إلى شقين: سياسي واجتماعي. الشق السياسي أشار إلى كم الأحداث المهولة التي عصفت بالبلاد من اغتيال كينيدي وحرب فيتنام وفضيحة ووترغيت، أي أن الأمر انعكاس للاضطرابات السياسية وفقد ثقة المواطن الأمريكي في مؤسسات الدولة وفي العملية الديموقراطية برمتها، أصبح العالم مكاناً مجنوناً فأصبحت الجرائم أكثر جنوناً، أما الشق الاجتماعي ارتكن على نظرية للفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي (إميل دوركايم) تقول: إن كل أشكال الانحراف مجرد تحد للقمع السائد في الدولة، أي أنه عند وجود مشكلة في المجتمع يكون الإجرام هو رد الفعل لها.
تلك الأفكار جعلت العميل فورد يعي تمام الوعي أنه من الضروري أن يستعين بالشق العلمي الأكاديمي لفهم الموضوع، وعندما يخبر رئيسه في العمل بنيته للذهاب إلى الجامعة والاستعانة بالمتخصصين، يستنكر الأخير بحجة أن مكتبة المباحث الفيدرالية تم تحديثها بالفعل عام 1972 ويستطيع أن يجد بها كل ما يريده، ولكن فورد يشير إلى أن تلك الكتب تعود إلى خمسة أعوام بأكملها إلى الوراء، أي أنها أصبحت من عصر آخر وغير مواكبة للأحداث، وهو ما يسلط الضوء على أهمية البحث العلمي ومواكبة كل جديد، وبالفعل يبدأ فورد بالتردد على الجامعة ودراسة الإجرام منذ المؤسس الطبيب الإيطالي وعالم الجريمة (تشيزري لومبروزو) الذي قسّم المجرمين إلى خمس فئات: المجرم بالفطرة، والمجرم المختل عقلياً، والمجرم الشغوف، والمجرم بحكم العادة والمجرم بالصدفة، وانتهاءً بآخر الأبحاث وقتها عام 1965 التي لم تجد إجابة على سؤال: (هل المجرم يولد مجرماً، أم أنه يتحول لاحقاً إلى الإجرام)!
وهو السؤال الذي سيظل يدور في فلكه المسلسل طوال حلقاته، يدرك فورد أن الأمر أكبر منه ولذلك يستعين برئيس قسم العلوم السلوكية بالمباحث الفيدرالية (بيل تنش) -المبني على شخصية مارك أولشاكر- والذي سيجوب معه أرجاء البلاد للعمل والتدريس ثم سيكتمل الفريق بانضمام (ويندي كار) الأكاديمية والمتخصصة في علم النفس من جامعة بوسطن -المبنية على شخصية آن بورجيس- وهي من ستضع القواعد العلمية للعملية برمتها لاستخلاص النتائج بشكل دقيق لاستفادة منها.
عند تلك النقطة يقدم السيناريست (جو بينهال) درساً حقيقياً في فن كتابة السيناريو، فالقصة الحقيقة ببساطة تدور حول جون دوجلاس قناص في المباحث الفيدرالية ثم أصبح مفاوضاً ومدرساً للتفاوض، يقرر أن يقوم بمجموعة من المحاورات المصورة على شرائط فيديو مع مجموعة من أعتى القتلة المتسلسلين في حينها، وكل ذلك بمساعدة المؤلف مارك أولشاكر الذي يحوّل معه تلك اللقاءات إلى كتاب متخصص في علم الجريمة، وقاما باستشارة الدكتورة في علم النفس آن بورجيس وهي سيدة متزوجة ولديها أطفال وتعيش في بوسطن، وبعد نجاح الكتاب لحقه الفريق بعدة كتب متخصصة في نفس الموضوع، فما الذي فعله بينهال ليخلق دراما مشوقة لا تستطيع معها أن تدير وجهك عن الشاشة.
المعضلة الأساسية أننا أمام أحداث أقرب ما تكون إلى الأعمال المكتبية، قد يتخللها بعض الإثارة من وقت لآخر عند مقابلة المجرمين، لكن ذلك غير كاف لصناعة دراما قابلة للمتابعة، وبخاصة أن الأحداث تخلو تماماً من أية أحداث عنف أو تصوير للجرائم، فالعمل في الأساس مُنصب على دوافع الجريمة فقط، وهنا خلق بينهال عدة خطوط درامية ذكية وليس فقط لتعبئة الوقت، ولكن سيتم الاستفادة منها على عدة مستويات، وأيضاً قام بتصميم حيوات درامية لأعضاء الفريق الثلاثة ستتأثر وتؤثر في عملهم، فورد على سبيل المثال وحيد بلا حياة اجتماعية تقريباً وحتى عندما يقترن بصديقة نلاحظ أنه يتأثر بحواراته مع المجرمين ويتقمصها بشكل غير واع، فبعد مقابلته مع (إد كيمبر) يطلب شطيرة سلطة بيض مع صديقته رغم أنه لا يحب سلطة البيض ولكن لأن كيمبر تناولها معه، يظل ذلك الخط موجوداً ويصل إلى ذروته بعد مقابلته مع (جيري برودوس) عاشق الأحذية وقاتل النساء، وهو ما يفسد علاقة فورد بصديقته إلى الأبد بعدما ترتدي حذاء مشابهاً يجعله ينفر منها، تنش أيضاً لديه مشكلة تنغص عليه حياته، فلديه ابن متبنى أشبه بالصندوق المغلق لا يتحدث ولا يعرف أحد عما يدور برأسه، في إحدى الليالي يكتشف تورطه مع أطفال آخرين في مقتل رضيع، وهو ما يجعله يبحث عن الخطأ الذي ارتكبه في تربيته، ومن ناحية أخرى نشاهد تنش وهو يدافع عن قاتل يدعى (إلمر وين هينلي جونيور) بحجة أن الأخير وقت ارتكاب الجرائم لم يتخط الرابعة عشرة من عمره وكان تحت سيطرة مجرم حقيقي أكبر منه بالعمر، والأمر يتكرر أيضاً مع ويندي كار عند مقابلتها مع (بول بيتسون)، إذن نحن أمام أشخاص من لحم ودم قد تؤثر مشكلاتهم الخاصة على رؤية الأحداث وهو ما قد يفسد العملية البحثية برمتها لولا أن الأمر يخضع لقواعد علمية صارمة ومراجعة وتصحيح من الفريق ككل.
أما الخطوط الدرامية للأحداث فهي متكاملة ومتشابكة، الخط الدرامي الأول هو الصعوبات البيروقراطية التي تواجه فريق العمل مع المدير المسؤول عنهم في المباحث الفيدرالية من جهة، ومع مشكلة التمويل من جهة أخرى، وسيتطور الأمر إلى صعوبات جديدة مع مدير جديد في الموسم الثاني، الخط الدرامي الثاني هو مقابلة الفريق للمجرمين، بما في ذلك من صعوبة استنطاق كل مجرم على حدة وعدم تفهّمه أو عدم رغبته في التعاون، حيث أصبح المدخل الصحيح لكل مجرم هو لغز في ذاته وطريقة الوصول إليه متعة حقيقية، خلق ذلك حيوية جبارة على تلك اللقاءات وكشف ما جرى فيها خلف الكواليس، حيث إن جميعها محفوظ على الإنترنت ويمكن مشاهدته على موقع يوتيوب، الخط الدرامي الثالث مبني على أن دوجلاس كانت تتم استشارته في بعض الجرائم المحلية من واقع خبرته العملية والنظرية مع المجرمين، فالتقط بينهال ذلك الخيط وتوسع فيه وجعل له فائدتين، أولاً أصبح واضحاً بشكل جليّ للمشاهد الفائدة العملية المباشرة لتلك اللقاءات، فعندما تحتار الشرطة المحلية في مقتل عدة سيدات مسنات الواحدة تلو الأخرى، يستفيد العميلان فورد وتنش من الخبرة المعرفية والعملية التي اكتسباها من مقابلة إد كيمبر، وهو ما جعلهم يستخلصون المواصفات الجسدية والاجتماعية والنفسية للجاني، وهو ما ضيّق دائرة البحث بشكل كبير وجعلهم يصلون إلى المجرم بالفعل وبسرعة مذهلة، ثانياً تلك الجرائم التي تتم استشارة فورد وتنش بها تجعل المشاهد يفكر معهم في الجاني المحتمل، وبذلك يكون قد أصبح فاعلاً حقيقياً في العملية البحثية وليس مجرد متلق سلبي، وهي نقطة كبيرة تحسب للسيناريو، ناهيك عن كم التشويق الذي يجعل كل حلقة من حلقات المسلسل دسمة بالأحداث.
المسلسل أيضاً هو جزء من مشروع كبير للمخرج (ديفيد فينشر)، الذي أخرج فيلم (سبعة) كأول فيلم حقيقي في مسيرته الفنية، الفيلم الذي مثّل نقلة نوعية في أفلام الجريمة والإثارة المختصة بالقتلة المتسلسلين، قبل أن يعود إلى موضوع مشابه في فيلم (زودياك)، باقتباسه كتاب (روبرت غرايسميث) عن القاتل المتسلسل زودياك والذي لم يتم تأكيد هويته رسمياً حتى الآن، وهو أيضاً فيلم ذو بصمة مختلفة وبخاصة أنه يعتمد بشكل كلي على -الترجيحات لا الأدلة القطعية- وعلى بحث شخصي للمؤلف غرايسميث الذي تفرغ تماماً لتلك القضية لسنوات طوال حتى بعدما أغلقت الأجهزة الأمنية ملف القضية، يعود فينشر إذن إلى ملعبه المفضّل -معظم أفلامه الأخرى تدور أيضاً في أجواء من الجريمة والإثارة- هنا يقدم ذروة ما يمكن تقديمه عن عالم القتلة المتسلسلين، يقدم دراسة حقيقة لهؤلاء الأشخاص من داخل عقولهم الواعية واللاوعية على حد سواء، فينشر وعلى عكس المعتاد لم يكتف بإخراج الحلقتين المؤسستين في بداية المسلسل كما فعل من قبل مع مسلسل (House of Cards)، بل قام بإخراج سبع حلقات كاملة في موسمين فقط ليتأكد أن كل شيء يسير وفق رؤيته في العمل، وكالمعتاد يعمل على سيناريو دسم بالأحداث والشخص والتفاصيل الصغيرة التي لا يتم إدراكها والتقاطها بالكامل من المشاهدة الأولى، ولذلك فإن المشاهدة الثانية للعمل تمثل متعة حقيقية لأنها تجعل المتلقي يستقبل طبقة مخفية من التفاصيل الصغيرة المهمة التي تكشف الكثير من جماليات العمل سواء على مستوى الكتابة أو الإخراج أو الأفكار التي يناقشها العمل.

ذو صلة
التعليقات