مجلة شهرية - العدد (531)  | ديسمبر 2020 م- ربيع الثاني 1442 هـ

فكر (علي عزت بيجوفيتش)

قال أبو عبدالرحمن: معالي الدكتور (عبدالوهاب المسيري) رحمه الله تعالى: كنت قبل وفاته أصارحه بإعجابي بموهبته، وسعة علمه، وسرعة استيعابه للغوامض من العلوم؛ وكنت أحاجه في مسؤوليته أمام الله سبحانه وتعالى إن لم يصرف موهبته لتقديم دين رب العالمين الذي كل من سواه من البشر وملائكة الرحمان الذين لا يعصون الله فيما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون؛ وهم أعظم المخلوقات عبادةً لربهم، ومع هذا يخافون ربهم ويتوسلون إليه خوفاً من أن تزل بهم القدم. إلا أن (المسيري) مع تواضعه في تفسير ما كان النقاش حوله من مؤلفاته: كان على عكس ذلك في غروره واستعلائه على من يواجهه بدين ربه، وأن المآل إلى طاعة فاطر السموات والأرض ربنا سبحانه وتعالى الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكل باطل مهلهل مدحور ببيان خالق الخلق جل جلاله. قال أبو عبدالرحمن: حديثي اليوم عن كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب) تأليف (علي عزت بيجوفيتش)؛ فتبارك ربي جل جلاله في منته على المسلمين بما يفهم ويعلم، وقد ترجم الكتاب (محمد يوسف عدس)، وقد اطلعت على طبعته الخامسة عام 2014 ميلادياً /1434هجرياً، وقدم له الدكتور العلامة (عبدالوهاب المسيري) مقدمةً طويلةً فيما بين ص (9 - 33) من الكتاب، وختمه بقوله: (والله أعلم)؛ فنعم ما ختم به؛ فالله خالق الخلق، وهو أعلم بهم، وبما ينفعهم أو يضرهم، وهو أعلم بما انتهى إليه مصيرهم في قبورهم من نجاة أو هلاك؛ ولقد قال المؤلف في الفصل الرابع من كتابه عن الأخلاق: (يوجد ملحدون على خلق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي). قال أبو عبدالرحمن: مدد مدد يا (بيجوفيش) أعوذ بالله من (فش) في خواتم القول؛ فكل فساء أمام الرجال والنساء أهل العلم: يعوذ كل واحد منهم بربه أن يكون فساء!! وإليكم سياق كلامه عن الواجب والمصلحة. قال: إننا لم نتبين بعد ملامح النظامين المختلفين اللذين انبثقت منهما كل الحقيقة. حقيقة الخلق بما اشتمل عليه من حرية وعفوية ووعي وفردية في ناحية التطور بما اشتمل عليه من سببية قصور ذاتي، وقصور في الطاقة، واتساق في الناحية الأخرى؛ فالواجب والمصلحة هما حلقتان في هاتين السلسلتين؛ والواجب هو المصطلح الأساسي في علم الأخلاق؛ وأما المصلحة: فهي المصطلح الأساسي في علم السياسة. ثم إن الواجب والمصلحة وإن كانا متعارضين: فإنهما قوتان محركتان للنشاط الإنساني، ولا يمكن الخلط بينهما؛ فالواجب دائماً يتجاوز المصلحة، ولا علاقة للمصلحة بالأخلاق؛ فالأخلاق لا هي وظيفية، ولا هي عقلانية؛ فمثلاً إذا غامر إنسان بحياته فاقتحم منزلاً يحترق لينقذ طفل جاره، ثم عاد يحمل جثته بين ذراعيه؛ فهل يقال: إن عمله كان بلا فائدة؛ لأنه لم يكن ناجحاً؟ كلا؛ بل هي الأخلاق التي تمنح قيمةً لهذه التضحية وإن كانت عديمة الفائدة من هذه المحاولة التي لم تنجح تماماً، كما أن التصميم المعماري هو الذي يمنح الحطام الأثري جماله. إن مشهد العدالة المهزومة التي تتعلق بها قلوبنا على الرغم من هزيمتها: ليس حقيقة من حقائق هذا العالم؛ فأي شيء في العالم (الطبيعي، والمنطقي، والعلمي، والفكري...): أي شيء فيهن يمكن أن يبرر سلوك بطل يسقط؛ لأنه ظل مستمسكاً بالعدالة والفضيلة؛ فإذا كان هذا العلم يوجد فقط في المكان والزمان، وإذا كانت الطبيعة لا تبالي بالعدالة سواء وجدت أو لم توجد: فإن تضحية البطل تكون بلا معنى؛ لكننا نستبعد أن تكون التضحية بلا معنى؛ فلا بد أنها إلهام من عند الله. إنها تنتمي إلى عالم آخر غير عالمنا الدنيوي. عالم يتميز بمعان وقوانين مغايرة لهذا العالم الطبيعي بجميع قوانينه ومصالحه. إننا نستحسن هذا العمل الغامض بكل جوارحنا دون أن نعرف لماذا، ودون أن نسأل عن أي تفسير لذلك. إن عظمة العمل البطولي ليست في نجاحه؛ بل العمل غالباً ما يكون غير مثمر، وهكذا في معقوليته؛ لأنه عادةً يكون غير معقول؛ ومن الملاحظ أن الدراما (وهي تشيد بالبطولة)، وأن أضوأ آثار الألوهية في هذا العالم؛ وفي هذا تكمن القيمة الكونية للدراما التي لا تفوقها قيمة أخرى؛ وهنا تكمن أهميتها عند جميع الناس في كل العالم. لا بد أن يكون وجود عالم آخر ممكناً؛ فنحن لا نستطيع أن نعتبر الأبطال الماسونيين منهزمين؛ بل منتصرون، لكن المنتصرين إلى أين، وفي أي عالم منتصرون؟ إنهم أولئك الذين فقدوا أمنهم وحريتهم، وأحياناً حياتهم؛ فبأي معنى كانوا هم المنتصرون؟ إن من الواضح أنهم ليسوا منتصرين في هذا العالم؛ لأن تضحية هؤلاء الأبطال وتضحياتهم بصفة خاصة: تغرينا دائماً أن نسأل السؤال نفسه: هل للوجود الإنساني معنى آخر يكون معنى مختلفاً عن هذا المعنى النسبي المحدود، أم أن هؤلاء الرجال العظام مجرد نماذج فاشلة؟ إن الأخلاق كظاهرة واقعية في الحياة الإنسانية لا يمكن تفسيرها عقلياً، ولعل في هذا الحجة الأولى، وهي العملية للدين؛ فالسلوك الأخلاقي: إما أنه لا معنى له، وإما أن له معنى في وجود الله سبحانه وتعالى؛ فهو الأول والآخر، والأول أيضاً والآخر إلى الأبد لا معقب لحكمه، ولا نهاية لتدبيره سبحانه وتعالى، وليس هناك خيار ثالث، أو ندخل في المعادلة قيمة يمكن أن نسميها الخلود، فإذا توافر شرط الحياة الخالدة، وأن هناك عالماً آخر غير هذا العالم، وأن الله موجود، بذلك يكون سلوك الإنسان الأخلاقي له معنى وله مبرر. قلة قليلة من الناس هي التي تعمل وفقاً لقانون الفضيلة، ولكن هذه القلة هي فخر الجنس البشري وفخر كل إنسان، وقليل هي تلك اللحظات التي نرتفع فيها فوق أنفسنا فلا نعبأ بالمصالح والمنافع العاجلة؛ هذه اللحظات هي الآثار الباقية التي لا تبلى في حياتنا، ولا يمكن أن يكون الإنسان محايداً بالنسبة للأخلاق، فهو إما أن يكون صادقاً في أخلاقه أو كاذباً، أو مازجاً بين الصدق والكذب، وهي الحالة الأكثر شيوعاً بين البشر؛ فالناس قد يتصرفون بشكل مختلف بعضهم عن بعض، ولكنهم يتحدثون بطريقة واحدة عن العدل والحق والصدق والحرية والمساواة؛ فالحكماء من الناس يفعلون هذا بدافع الإخلاص ومساندة الحق، ويفعل السياسيون وقادة الغوغاء الشيء نفسه نفاقاً وبدافع مصلحي. إن الزيف الأخلاقي الذي يمارسه المنافقون وقادة الغوغاء ليس أقل أهمية من الموضوع الذي نناقشه؛ فالتظاهر بالأخلاق والحرص على التخفي تحت قناع أخلاقي مما يتمثل في الحملات الإعلامية تحت اسم العدالة والمساواة والإنسانية، كل هذا يؤكد حقيقة الأخلاق، مثلما تؤكدها المعاناة النبيلة للأبطال والشهداء. إن التاريخ السياسي خصوصاً في العصر الحديث حافل بالأمثلة على ما يقوم به أعداء الحرية الذين يتسلطون على الناس بأجهزتهم التجسسية والقمعية، وفي الوقت نفسه يحتفظون بأجهزة أخرى (أجهزة الإعلام) لحديث متزايد مرتفع الصوت عن الحرية والعدالة. إن النفاق وهو زيف أخلاقي يبرهن قيمة الأخلاق الصحيحة، مثلما تفعل النقود المزيفة ذات القيمة المؤقتة بالنسبة للنقود القانونية ذات القيمة الدائمة. النفاق برهان على أن كل إنسان يتوقع، أو يتطلب سلوكاً أخلاقياً من جميع الناس الآخرين. قال أبو عبدالرحمن: من يطلع على كتاب (الإسلام بين الشرق والغرب) الذي بين يدي: يجده ترجمةً غامضةً جداً سببها ترجمة (بيجوفيتش)؛ فهذا الفش فش على حقيقته؛ فالفش أخت الفس؛ وكلاهما لا خير فيه، وقد أدركت في صغري بمسقط رأسي في (شقراء) عمرها الله بالتقوى (تشمئز من فش وتش)؛ بل هما تنكيت بمن ذلك مبلغه من العلم؛ وهذا الكتاب الذي بين يدي عانيت منه غموضاً خانقاً؛ فبحثي هذا معاناة لتذليله، ولي إن شاء الله تعالى أكثر من كرة منهن؛ فإلى لقاء إن شاء الله تعالى، والله المستعان.

ذو صلة
التعليقات