مجلة شهرية - العدد (529)  | أكتوبر 2020 م- صفر 1442 هـ

الوباء والسينما.. الحياة تنتصر

إنه هنا موجود حولنا (في أنفاسنا، وأطعمتنا، وملابسنا، ومشاعرنا، وأفئدتنا كأنه الرفيق الذي مهما توارى فلابد من حضوره وظهوره من وقت لآخر) مثل كل الأشباح المخيفة وينثر الموت والرعب من حوله، كي يختفي مجدداً، ليعود حاملاً اسماً جديداً.
فكم تواجدت الأوبئة مع الكائنات الحية، وهددت الحياة على مدى التاريخ، ورغم شراسة تلك الأوبئة، نتائجها وآثارها، فالحياة مازالت مستمرة، وفي عصر السينما، حكت القصص ما حدث للإنسان من أوبئة وما نتج عنها من المآسي الجماعية بين البشر والمخلوقات الحية، والكثيرون منا لم يعيشوا أوبئة التاريخ، وبخاصة في القرن العشرين إلا أننا شاهدنا السينما تعيد تجسيد تلك الظواهر، وكأننا كنا هناك، رغم بشاعة الأمر، والكآبة التي تسببها الأفلام للمشاهدين، فقد نقلت السينما العالمية الكثير من الروايات التي تحدثت عن الأوبئة في أفلام مثل (ساحرات ساليم) هن مسرحية لأرثر ميلر، و(الطاعون) عن رواية للكاتب الفرنسي البير كامي، وأيضاً رواية (الموت في فينسيا) للكاتب الألماني توماس مان، وفي مصر لم تكن الأوبئة التي عاشها الناس بالبشاعة نفسها لما حدث في أوروبا مثلاً، أو في آسيا. والغريب أن الأفلام التي قدمتها السينما أغلبها عن روايات عالمية، حتى رواية (اليوم السادس) للكاتبة آندريه شديد المكتوبة بالفرنسبة، فهي رواية فرنسية، في المقام الأول رغم أنها تدور حول وباء الكوليرا الذي أصاب المدن المصرية عام 1947، أما الفيلمان المأخوذان عن رواية (الطريق اللولبي)، فللأسف فإنه لم تتم الإشارة إلى المصدر العالمي، والفيلمان هما (عاصفة على الريف) إخراج توجو مزراحي، عام 1941، ثم (صراع الأبطال) إخراج توفيق صالح 1963، وكذلك فإن فيلم (من أحب) الذي أخرجته ماجدة بعد عامين لم تتم فيه الإشارة إلى أنه مقتبس عن رواية وفيلم (ذهب مع الريح).
وقبل الحديث عن الأفلام المصرية التي تحدثت عن الوباءات التي أصابت مصر، وأهمها وباء الكوليرا في الأربعينات، وباعتبار أن الوباء ظاهرة عالمية تنتقل بسهولة بين الأوطان فإن السينما العالمية كلها قدمت صوراً متعددة للوباء، وإذا كان البعض يتصور أنها من أفلام الخيال السياسي، وهي نوع من الأفلام منبثقة عن فيلم التخيل العلمي فإن هناك فرقاً ملحوظاً بين أفلام الحرب الجرثومية التي يشنها البشر في الدول المتقدمة من أجل السيطرة على العالم، أو هي حروب يشنها علماء مجانين في أفلام كثيرة، منها (عدوى) فإن هذا النوع من الأعمال يسمى بسينما التحذير. بمعنى أنها تتضمن تحذيراً للقادة السياسيين: (إياكم والحروب الجرثومية)، أما النوع الثاني من الأفلام فهو مأخوذ عن حكايات دارت في التاريخ، خصوصاً في البيئات البدائية، كما أشرنا، مثل مسرحية (ساحرات ساليم) التي تحولت إلى فيلم أكثر من مرة آخرها عام 1993، لكن رواية (الموت في فينسيا) هي الأكثر أهمية لعدة أسباب، منها أن مؤلفها توماس مان حصل على جائزة نوبل في الأدب عام 1929 وهي رواية قصيرة مستوحاة من حياة الموسيقار الألماني جوستاف مالر، تحول في الرواية إلى أديب يحمل اسم آشنباخ، والسبب الثاني أن المخرج الإيطالي لوكينو فيسكونتي هو الذي حولها إلى فيلم عام 1969، من بطولة ديرك بوجارد وسيلفانا مانجانو والفيلم أعاد الشخصية الرئيسية إلى موسيقار. وهو موجود في مدينة البندقية (فينيسيا)، التي يذهب إليها في رحلة، وتصاب في أثناء وجوده بوباء يغلفه ضباب كثيف، وأجواء ترقب الموت، والخوف الممزوج بالصمت الذي يملأ الشوارع، ولذا فإن المصابيح مضاءة ليل نهار، ومن الصعب السيطرة على أي شيء إلى أن يموت آشنباخ وسط طرقات المدينة.
تعالوا نبدأ الحديث بالفيلمين المأخوذين عن مصدر واحد دون أن يذكر ذلك أحد، الأول هو (عاصفة على الريف)، وهو يدور في الريف المصري، في فترة إنتاجه عام1941، وهو من إخراج توجو مزراحي.
الفيلم كما نرى يخرج عن الخط المعروف من أفلام توجو مزراحي، إما الكوميدية أو الغنائية، ففي وسط الريف المصري يصل طبيب شاب يجسده يوسف وهبي، يعاني من مظاهر الفقر والتخلف الشديدة، ما يؤدي إلى انتشار مرض وبائي وللأسف فإن الفيلم غير متوفر لدينا، لكن الرواية التي كتبها الأمريكي جان دو هارتوج باسم (الطريق اللولبي) كانت قد نشرت، وأغلب الظن أن مزراحي قرأها، أو قرأ عنها، لكن المؤكد بالنسبة لنا أن السينما الأمريكية أعادت إخراج الرواية مرة أخرى عام 1962، في فيلم من إخراج روبرت موليجان، وبطولة روك هدسون حول طبيب يذهب إلى غابات أفريقيا لمكافحة وباء يرفض أبناء المكان الاعتراف به، وللعلم فإن مكانة موليجان في السينما الأمريكية مقاربة لمكانة توفيق صالح، فهو صاحب فيلم (مقتل طائر بري)، الذي فاز في العام نفسه بالعديد من جوائز الأوسكار، وقد استوحى ثلاثة كتاب مصريين القصة من الفيلم الأمريكي، وهم عز الدين ذو الفقار (منتج الفيلم) ومحمد أبو يوسف، وعبدالحي أديب، بينما كتب السيناريو المخرج توفيق صالح وذلك في فيلم (صراع الأبطال)، الذي قام فيه شكري سرحان بدور الطبيب الذي يتوصل إلى مصدر الوباء بأنه طعام أهل القرية، حيث يولد وباء الكوليرا الذي اجتاح مصر في إحدى قرى الدلتا، ويصدم أن المعسكر البريطاني يقدم نفاياته كطعام لسكان القرية، فيأتي الوباء، ويرى الفيلم أن الوباء ينتشر بسبب خطأ بشري، فالإقطاعي هو الذي يتفق مع رجال الاحتلال على بيع الدبش إلى الناس، كما أنه يلعب دوراً في منع مغادرة الأهالي لقريتهم. أما الطبيب فإنه يواجه أكثر من خصم أولهم التقاليد القديمة، والجهل، وأطماع الإقطاعي، وإصرار الدلالة الكبرى على أن يستمر الأمر على قديمه حتى لا تخسر مكاسبها، كما يضطر الطبيب للزواج من فتاة تطاردها إشاعات علاقة قديمة مع الإقطاعي عادل، في الوقت التي تأتي نتائج تحليل العينات مخالفة لتوقعاته، إلا أنه لا يستسلم للفشل، حتى يأتي الخبر اليقين أن القرية واقعة تحت سيطرة وباء، وسرعان ما تأتي قوات الأمن للمحاصرة، باعتبار أن الموضوع صار خارج السيطرة وأنه الآن بين يدي الحكومة.
من المهم الإشارة إلى أن فيلم (من أحب) الذي أخرجته ماجدة عام 1965 مأخوذ عن الفيلم الأمريكي (ذهب مع الريح) لفيكتور فلنمج 1939، وهو يدور في إطار الحرب الأهلية التي استغرقت أكثر من خمس سنوات مثل الحرب العالمية الثانية علماً أن مصر لم تمر بحروب طويلة كهذه. ولذا فإن أحداث الفيلم بدأت في العام 1947 حين ذهب الرجال لمواجهة وباء الكوليرا، وامتدت الأحداث إلى حرب فلسطين حتى زمن العدوان الثلاثي عام 1956، ولذا فإن وباء الكوليرا كان جزءاً من أحداث تمر بها أسرة ريفية تقع أثناءها المرأة في حب رجل آخر يتزوج غيرها، ويترك المرأتين مسافرتين من وباء إلى حرب ثم أخرى.
وسوف يظل الوباء هذا يؤرق المصريين، الغريب أننا لم نقرأ في الأدب المصري نصاً تدور أحداثه عن وباء ذلك العام، لكن من يقرأ الأعمال الروائية للكاتبة أندريه شديد، وهي من أصل لبناني عاشت طويلاً في مصر تكتب الشعر والرواية والمسرحية بالفرنسية فإن أعمالها دوماً كانت ترصد جوانب غير مألوفة من حياة المصريين، مثلما فعلت في رواية (نوم الخلاص)، أما (اليوم السادس)، فهي كلها عن وباء الكوليرا، وقد ترجمت الرواية في أوائل السبعينات إلى اللغة العربية في سلسلة الرواية العالمية، وهي رواية قصيرة بطلتها الجدة صديقة التي تعيش في أحد أحياء القاهرة الفقيرة، المدينة تصاب بالكوليرا، وتنتقل العدوى إلى حفيدها، وأمام رغبتها في إنقاذ الحفيد، فإنها تستقل مركب صيد فوق نهر النيل متجهاً إلى البحر المتوسط، باعتبار أن الوباء ينحصر عند الوصول إلى الماء المالح، وأن أمام المريض ستة أيام فقط كي تكتب له النجاة، وقد انتصرت الكاتبة للحياة، وتم إنقاذ الطفل حسن في نهاية الرواية، أما الفيلم الذي أخرجه يوسف شاهين عام 1986، وقامت ببطولته داليدا قبل انتحارها بشهور قليلة، فقد انتصر فيه الموت، حين مات الصغير بين ذراعي جدته، وقد أشرنا إلى أننا أمام رواية قصيرة، لأن السيناريو أضاف الكثير من الشخصيات، لم تكن في الرواية شخصيات منها صاحب دار السينما المعجب بالراقص جين كيلي، وأيضاً الممثلة التي تعشق الشباب الصغير، وأيضاً لاعب القرود عوكا المعجب بالعجوز صديقة، يتتبعها في رحلتها فوق النهر، وقد صور الفيلم الكوليرا مغلفة بضباب الوباء، حيث ينتشر الموت، ويتساقط المصريون وعلى رأسهم الأستاذ الذي يعتبره الطفل حسن رمزاً للحياة، وعلى المستوى الشخص فإنني لن أغفر للفيلم أنه قتل الصغير حسن في مشهد حزين ما يجعلني أنتصر للحياة مع الرواية، ففي سينما الكوارث تنتصر الحياة، ومهما كانت الخسائر فإن الحياة تبدأ من جديد.

ذو صلة
التعليقات