مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

من قصص أغاني التراث العراقي الأصيلة

أغنية (خدري الجاي خدري...)، كلمات الشاعر العراقي محمد حداد.
الجاي (وتلفظ بالجيم الأعجمية): هو المشروب الأكثر شهرة في العالم ولاسيما في منطقتنا العربية، وأخص بالذكر العراق هنا موضع البحث. تتحدث الأغنية (والتي كُتبت وغُنيت بصيغ متعددة، وبحذف أبيات وبإضافة أخر...)، عن صديقة تزور صديقتها وتراها على غير عادتها من المرح والمسرة، فتبادرها (على غير العادة) بطلب الجاي- وتقول لها: خدري(1) الجاي... خدري- (حيث من المفروض أن تبادر المضيفة لعمل الجاي لمضيفتها، وليس من اللائق أن يطالب الضيف بما درجت العادة على تقديمه، ولكن همها وانشغال بالها حال دون القيام بالواجب المتعارف عليه (لسبب تبينه تفاصيل الأغنية لاحقاً- وهو غياب المحبوب).
فتجيب المضيفة مستاءة (باللهجة البغدادية التي تسبق كل جملة بكلمة (عيني)!! فتقول لها: (عيني... إلمن أخدره) أي لمن أخدر أي أصنع الجاي؟ ومن يستاهله؟ إلا أن (الصديقة) لا بد وأن تجد العذر لصاحبتها وتسألها وهي تواسيها: (مالج يا بعد الروح؟ دومج مكدرة؟)، أي ما بك؟ بقيتِ وبقيَت روحك بعد مغادرة روحي لجسدي (أي بعد مماتي- وهذا دعاء وكناية لمعزة المخاطَب في الكلام العامي العراقي الدارج والدعاء له بطول العمر)، ولماذا أنت متكدرة (أي لست على طبيعتك- الصافية- البشوشة والمرحة؟).
تجد الحبيبة لنفسها أكثر من مبرر لصعوبة عمل الجاي بغياب (المحبوب)، فتجيب صاحبتها:
كالوالي خدري الجاي
وشلون اخدرة
وشلون اصفي الماي
وشلون افورة
للحصول على (نكهة الشاي الجيدة) كان لابد من تصفية الماء الذي كان يجلب من النهر أو الساجية (الساقية) القريبة من الكوخ أو الدار -وماؤها عكر (بالعامية خابط) على الغالب-، وبالرغم من كون هذا العمل يومي وروتيني، إلا أنه يمسي من أصعب الأعمال التي لا تطاق (بغياب المحبوب).. وكذلك غلي الماء، (تفويره باللهجة البغدادية).
وتتمادى الحبيبة في جزعها وتجيب بعد إعادة الطلب من صاحبتها:
هيهات اخدر الجاي
بيدي واشربه
من عكب عين هواي
إلمن آنه اصبه
أي لن يوجد من يستحق أن أسكب (أصب) له الشاي بعد غياب محبوبي، واستعملت الجزء (العين) كناية عن الكل (المحبوب الغائب)، فهي تقدم الجاي تقديراً لعينه!.
ومما يفاقم من لوعة المحبوبة (غير المحظوظة) أنه بعد متعة اللقاء تشتكي أن حبيبها قد تركها، والظاهر أن هذا هو وجه من أوجه الحب من طرف واحد، وأنها تعرف سبب تركها لها لأنه قد سافر إلى منطقة بعيدة عن بغداد هي البصرة (وتعتبه بأنه نكر -أي تناسى- صحبتها وعشرتها، وتقسم على ذلك...).
راح اللي يشرب الجاي
وسكن ديرة البصرة - نكر والله العشرة
وتعود لنياحها وتقول بأنه سافر عن (طريق البر) وشمر (أي ابتعد) عنها وابتعد كثيراً، ومع ذلك فإنها لا تريد ان تحسده (عيني باردة عليه) لأنه ربما أصبح أحسن حالاً، بل وتتمنى له السعادة. أما هي فقد آذتها الحسبة وسوء الظن والوسواس الذي أصابها لحد حرمها متعة الحياة. (والواهس كتلني).
ولفي راح يا ناس
بر وشمر عني
عيني باردة عليه
والواهس كتلني
وهنا تعود لذكرياتها البائدة وتتذكر أيام صفائها مع الحبيب وتغزلها به وتصفها بمنتهى البساطة والصدق، وتتذكر اللحظات التي لن تعود -لحظات شرب الجاي مع المحبوب- بل وشغفها به حين تهيم في بحور الخيال بمجرد أن تراه فتقول له: اشرب وتهنى بشربك للجاي جنبي، وهي في منتهى السعادة.
محلى من أصبه
وأنطيه وأكله، اشرب تهنه
بحيث يخال لها صوت تحريك الشاي عند إدارة الملعقة الصغيرة (الخاشوكة) داخل الإستكان ليذيب السكر فيه (لو خاط إستكانه..)(2) ويصدر ذلك الصوت المألوف الذي يطربها عند سماعه له (وأطرب على الرنة) أي كأنه موسيقى شجية.(3)
لو خاط استكانه
أطرب على الرنه
وهذه واحدة من قصص لوعة المحبوبة لفراق حبيبها لسبب أو لآخر. وتعود ليسرح بها الخيال كونها مرغوبة بشدة من طرف محبوبها، بحيث (أثناء شرب محبوبها للشاي) فهو يسترق النظر إليها (لو عاين من جنوب)- أي من جنب، فتستغل هي الفرصة وتسترق منه قبلة!! (وآخذ بوسة منه)، فإنه سيتقرّب منها أكثر ويكول (تفضل وأخذ عشرة) أي عشر بوسات!!، وهذه من علامات الحب والعشق من جانب واحد، إذ بسبب حنينها إليه تصورته مغرم بها لحد طلب تلك القبلات (العشرة) منها.
ولو عاين من جنوب
وآخذ بوسة منه
مني يكرب ويكول
تفضل واخذ عشرة
ثم تعود للواقع المرير: فلا أحد يستاهل معاناتها (بجلب الماء وتصفيته وتخديره) ثم شربه بعد رحيل محبوبها عنها.
بعد هواي ياناس
المن آنه اصبه
محد بعد عيناه
يستاهل يشربه
وتجدد لوعتها، فهي تقسم الآن بأنها ستخالف الجميع (الذين لابد وأن يخدروا الجاي ويتمتعون بشربه يومياً) بأنها لن تجلس لتحضير الجاي إلا أن يعود المحبوب فهي المولعة بجماله الأخاذ الذي يتمازج بجمال (الجاي) حين يجلسان معاً لشربه:
أحلف ما أخدره
ولا اكعــــد اكبالــــه
الا يجي المحـبـوب
واتهنه بجماله
كما وتقول إنه لو كان لي سلطة الحكم والدين (والشرع) لأحرمنَّ صناعة وشرب الجاي على الجميع بغياب حبيبي (الولف):
وبشرعي لحرم الجاي
والولف غايب
ليس ذلك وحسب، وإنما أبتعد حتى عن مكوناته الخام، أي لن أقرب لا الشاي ولا مكوناته من الشاي الجاف والسكر.
عــــــــــن الشكر(4) والجــــــــــــــاي
جايز وتايب
وأخيراً، وإن ابتعدت هي عن (تخدير الجاي)، فقد يحدث أن تشربه في غير دارها (مع صحيباتها مثلاً)، وهنا تتخذ قرارها المصيري: فبعده (عقبه)، لن تشرب الشاي براحة، فهي تؤكد هنا لوعتها وعدم استمتاعها بذلك (بتهني) وتقسم على ذلك...، كما أنها سوف تعاف -ألزم- أي تترك- (باسة القند)(5)، وأنها ستكسر إناء تحضيره (القوري)(6) كذلك، إمعاناً في التصريح عن أساها لمفارقة محبوبها لها.
عكبه ما أشرب الجاي
لا والله بتهنـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــى
والزم باسة القند
والقوري أكسره
بقي أن نقول إن الفنان العراقي الكبير الراحل ذو النون أيوب وصف الجاي بأنه (خمرة الكادحين)، وهناك لوحة للرسام نزار سليم عنوانها (شرب الجاي)، كما ورد الجاي في قصيدة لنزار قباني في رثاء زوجته العراقية بلقيس، إذ يسألها (أين جايك العراقي المهيّل؟).(7)
كما أن هناك من العادات العراقية القديمة (وقد مارستها شخصياً مع أحد أصدقاء الوالد يرحمه الله عند حاجتي لمبلغ كبير من المال لشراء شقتي في بغداد) كأن تمتنع أو تتأخر عن شرب الجاي عند قدومك كضيف بمعنى أن لك حاجة لدى من قدمت لتحيته، فإن قال لك اشرب فهذا يعني أن طلبك مجاب مهما كان (حتى وإن لم تبح لمضيفك به سلفاً)!، أما إذا سهوت وتركت الملعقة الصغيرة (الخاشوكة) داخل (الإستكان)، ولو دون قصد مسبق (فذلك يعني أنك تقدح بعرض المضيف ولابد له من مسح (العار المزعوم، أما بالفصل -وهو أداء مبلغ مالي له- أو بالدم) وهذا عرف عشائري عراقي بالٍ قديم قد عفا عليه الزمن.

1. فالعراقيون لا يقدّمونه (فطيراً) خفيفاً كالسوريين واللبنانيين وأهل الخليج، ولا عميق اللون يؤكسده الغليّ الطويل كالمصريين والسودانيين، بل وسطاً رائقاً صافياً مخمّراً بتركه بضع دقائق قريباً من نار خفيفة جداً (أو على الأصح على الكتلي فوق بخار الماء والكتلي فوق النار) عند ذاك يمسي للشّاي طعم رائق حبيب لا مثيل له.
2. ومن الجدير بالذكر أن الجاي العراقي يُشرب بإناء خاص يسمى (الإستكان) وهي يقال إنها كلمة مدمجة أصلها إنكليزي حينما كان جنود المحتل الإنكليزي يشربون الشاي في Eastern – Tea – Can فصارت (الإستكان) بعد دمج الكلمات الثلاث.
 أو قيل إنه قبل مئات السنين كان الكأس الزجاجيّ الصّغير يصنع في روسيا، في منطقة تسمى إستراخان. والخان كلمة فارسية بمعنى مكان، والكان (can) كلمة إنكليزية بمعنى إناء فصارت بدمج الكلمتين (إستكان).
3. كثيراً ما يُسمع هذا الصوت في مقاهي الشاي البغدادية المعروفة (بالجاي خانات).
4. الشكر: هو اللفظ المحلي العراقي للسكر ومن النوادر البغدادية القديمة عن كيفية شرب الشاي مع السكر ومصدرها (على الأرجع تركيا – بموجب استخدام المفردات التركية) إذ يختلف العراقيون عن أهل الخليج والمصريين والسودانيين والتوانسة مثلاً في أنهم لا يضعون السكر مع الشاي قبل غليه، وإنما يضعونه في الشاي منفرداً بعد كمال إعداده. فهناك (الشكرلمة) – أي الجاي الذي يضاف له السكر. وهناك (الديلمه) أي أن توضع قطعة السكر الصلبة في الفم ويُشرب عليها الجاي. وهناك النظر (النزرلمة) – أي أن توضع قطعة السكر بجانب إستكان الجاي ولا تمزج معه وإنما للنظر إليها فقط وذلك للمصابين بداء السكر أو لأغراض الريجيم.
5. وكان يوجد في مدينة (إستراخان) سابقة الذكر معمل للسكر يطلق عليه العراقيون (القند)، والقند في اللغة هو: سُكّر النبات، والقند هو عسل قصب السُكّر، وما يجمد منه ثم يُتخذ منه السُكّر. وعندما جاء الشاي في بداية القرن العشرين إلى العراق، استورد العراقيون سكر (القند) من إستراخان لاستعماله معه.
6. وهو مايقابل (الإبريق أو براد الشاي المصري والسوداني)، علماً أن الشاي العراقي لا يحضر، مباشرة في البراد (القوري) وإنما يتم غلى الماء أولا في (الكتلي) وبعد ذلك يصب الماء المغلي الساخن على الشاي ويُترك ليختمر وليزكى طعمه وتفوح رائحته دون أن يغلي. وتلفظ كلمة جاي كالصّينين بالجيم الأعجمية لا بالشّين كبقيّة العرب كما بقي كلّ ما يتعلق بالجاي على اسمه الأعجمي: الجاي (صينية) بدل الشّاي. السّماور (روسية)، الكتلي إنكليزيّة بدل براد. القوري صينيّة بدل إبريق. القند فارسية بدل سكّر. الخاشوقة فارسيّة أو تركيّة بدل ملعقة الشّاي الصّغيرة.
7. من العادات المحببة للبغداديين هو وضع الهيل مع الجاي ويسمى الجاي (المهيّل)، وهي كناية تقدير.

ذو صلة
التعليقات