مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

الدبلوماسية.. وجدت لتبقى

ارتبطت الدبلوماسية قديماً وحديثاً بفهمنا لها، دارسين وممارسين. إنها وارِثَة (الحكمة) التي تراكمت عبر الزمن من تجارب الإنسان التفاوضية، وقدرته على صياغة حُجَّتِه، وتقديم مُسوغاته، وترتيب مبرراته، والتعبير عن منطقه بلباقة ولياقة وأناقة، سعياً لحل مشكلة قائمة، أو أزمة طرأت، أو تحصيل مصلحة أينعت ثمرتها وحان قِطَافها. وقد نُسبت هذه (الحكمة) إلى السياسة، رغم أنه في الفضاء العام ما يزال التعامل مع الدبلوماسية يتم بشكل عام -وفي الغالب خاطئ- على أنها مجرد مهارة، أو مهنة، أو تجارة ترهقها شطارة. وكثير من هذا الفهم مبعثه المراقبة العامة لما يحدث، على ما يبدو، في: الممارسة، بمساراتها الرسمية والشعبية؛ وجزئياً، بالنظر لوسائل وطريقة تشغيل الأنشطة الدبلوماسية في إدارة تفاصيل العلاقات الدولية. وقد لا يتسنى لغير المختص إدراك الفهم العميق للنظرية الدبلوماسية من خلال الأخلاق المهنية والأنشطة العملية. ومع ذلك، كثيراً ما يجري في المجال الأكاديمي تقديم هذه الأخلاق، وكأنها ذلك الشكل الطوباوي الذي يفرد له معنى أحادي غير ديناميكي وغير جدلي. على سبيل المثال: السلام هو أمر أخلاقي، والعنف يجلب الشر؛ لذا فأخلاقياً لا بد من الحفاظ على السلام لأنه إيجابي. وهكذا، تختلف الأمور كثيراً عند النظر إليها من خلال جدلية التاريخ، التي لا تعرف، أو قد لا تعترف، بأي أخلاق مشتركة لإدارة الصراع، أو تحصيل المصالح.
إن التاريخ يُخْبِرنا أن منطق تكوين واختفاء الأمم والحضارات له جذور مغروسة في طبيعة الصراعات الإنسانية، وغالباً ما يُظْهِر كل طرف أن العنف الذي يمارسه ضد الآخر تفرضه (ضرورة) الحفاظ على مصالحه، أو تعظيمها. ولكن، ومع استصحاب كل المبررات والذرائع؛ فإن هذا العنف يمثل في عُرف الدبلوماسية (ضرورة) غير أخلاقية. لهذا، تتطلب مناقشة الكثير من القضايا الراهنة كسر النظرة التقليدية للدبلوماسية، والتي عادة ما تعني استنهاض همة التفاوض، وإيقاظ البصيرة، وإعمال منهج المرونة، والالتزام بسياسة المداراة، ومراعاة الحساسيات المختلفة لدى كل الأطراف، لمنع حدوث العنف، وكسر دوامته إذا وقع. ويتبدى ذلك في سجلات كل القضايا التاريخية الشائكة والعصية، والتي كان للدبلوماسية فيها السبق بالنجاح، فضاً لصراعات، أو منعاً لتحولها إلى عنف. وما كان لذلك أن يحدث دون تعمد كسر النظرة التقليدية، والممارسات الدبلوماسية المعتمدة، بمساراتها وطرائقها المختلفة. ومع ما نواجهه اليوم من معضلات وصراعات، يحترب فيها السلاح، وتتعثر فيها السياسة؛ تبرز الحاجة بقوة لدبلوماسية خَلَّاقَة، تغتنم رغبة الأطراف في الحل السياسي لتجعله حقيقة واقعة، تمشي بين الناس، سلاماً وأمناً واستقراراً. وهذا يفترض أحياناً استبعاد ما أشرنا إليه بـ(النظرة التقليدية) للدبلوماسية الرسمية، ويصبح من الواجب استدعاء الدبلوماسية المساعدة بمساريها الثاني والثالث، وكل مدخل آخر يُعين على التواصل لإبلاغ مقترح يقود إلى الحل.

المنظور التقليدي
إن الدبلوماسية القائمة على (الكلمات) لها جذور عمقية في الكتب المقدسة نفسها، التي جعلت (اقرأ) الأمر الإلهي، الذي يؤكد أن في البدء كانت (الكلمة). وبالتالي، فمن الناحية النظرية، يمكن اعتبار الدبلوماسية مدخلاً تمهيدياً لفلسفة التاريخ، بسعيها لبناء مجتمع أكثر إنسانية، تاريخياً، وفي الحاضر، والتأسيس للمستقبل. ولأننا نلج البوابة الأولى لهذا المستقبل، من خلال ما طورناه في حاضرنا من طرائق ومسارات جديدة للدبلوماسية، فنحن بحاجة لفهم متجدد مستوعب لحاجاتنا المتعاظمة لتدخلات ناجزة، تُدرِك ما طرأ على حياتنا من عولمة وشبكات اتصال ضاعت معها معالم الحدود والقيود التي تُعَيِّن البدايات والنهايات في أداء الدبلوماسية التقليدية. ولا أريد أن أكون متطرفاً في استبعاد ما ألفه الناس من (منظور تقليدي) في الممارسات الدبلوماسية، كما نادى بذلك يوماً السيد مصطفى أكسين، من تركيا، في مقال له بعنوان: (الدبلوماسية وكسر الحكمة التقليدية)، نُشر في 31 مارس 1995. إذ قال أكسين إن تعويلنا على هذه (الحكمة التقليدية)... (ربما تكون أمراً خطيراً، ولا ينبغي السماح لها بالاستمرار، إن أمكن). وذلك رغم اتفاقنا معه بأن الدبلوماسية، بتعريفاتها المختلفة، من فن التفاوض والإقناع، إلى صفة الرجل الذي يكون كيساً فطناً، دون أن يكذب من أجل بلاده؛ هي الأصل، الذي سيبقى بمرونة التجديد.
ولكن، إذا كان الأمر كذلك في الماضي، فإن الحاجة إلى التجديد الآن ملحة بشكل أساس، وتُصبح حتمية أكثر في المستقبل. فالدبلوماسية بصفاتها ووصفاتها التقليدية موجهة نحو الخارج، وعَهِدَ الناس تعامل الدبلوماسيين مع نظرائهم الأجانب، حول شؤون لا تعني الرأي العام في كل الأحوال. ولكن، إذا كان هذا طبيعياً في الماضي، وما زالت بعض تَمَثُلاتِهِ في الحاضر، لأن السياسة الخارجية يمكن أن تتم في فراغ اجتماعي، إذا جاز التعبير؛ فإن الأمر قد اختلف كثيراً جداً الآن. ففي الماضي، لم يكن الرأي العام مهتماً بما يبتعد عنه زماناً ومكاناً، ولم يكن حريصاً على التدخل كثيراً في صورة لا يشمله إطارها. وفي الغالب، يَتَعَمَّد صناع قرار السياسة الخارجية اليوم إخفاء الكثير من اتصالاتهم وتحركاتهم الدبلوماسية دون الإشارة إلى الرأي العام، وما إذا كان موافقاً، أو مُجْمِعَاً عليها، أم لا. رغم أن عالم اليوم ليس كما كان بالأمس، إذ لا يكفي أن يعلم الشعب بقرار يرتبط بمصالحه ومصائره الداخلية، أو الخارجية، من بيان يتلوه الإعلام، أو تبثه وسائل التواصل الاجتماعي، فقد انتهى الزمن الذي تقتصر فيه الدبلوماسية على مخاطبة نظرائها الأجانب، دون مراعاة للرأي العام المحلي القابض على أمر تفويضها.
إن هذا القول لا ينفي أن الاتصالات الدبلوماسية السرية هي بالطبع جسر بين الدبلوماسيين ونظرائهم الأجانب، ولا ينفي حقائق الواقع المعولم الجديد بالشروط المهنية التقليدية، أي أنه لكي يكون المرء دبلوماسياً ناجحاً، يجب أن تكون بحوزته حقائق حول كل شيء يُرَادُ بحثه، مع القدرة على رؤية وجهة نظر الطرف الآخر، وأن يكون بمقدوره أن يقنعه بحجته. لذا، تميل وجهة نظر الدبلوماسي إلى أن تكون موضوعية وواقعية وحديثة، وخالية من الأساطير والتهويل. إذن هذه هي الدبلوماسية بمواصفات منظورها التقليدي. ولأنها كل ذلك، فإنها تختلف عن تصورات الرأي العام، لأنها منفصلة عن العالم الحقيقي للناس، وهذا ما كان يجعل الدبلوماسية التقليدية أمراً غامضاً للغاية. رغم أن هذا قد يكون في أيامنا هذه مجرد تعميم يميل إلى التحديد، بطبيعة الحال، لأنه يستصحب تصورات الرأي العام عن الدبلوماسية، التي ظلت تتعامل مع الخارج. وفي ظل هذه الخلفية، يجب على الدبلوماسية الحديثة، إذا كان لا بد لها أن تحقق النجاح؛ ألا تحاول فقط إقناع الأجنبي، ولكن يجب عليها أيضاً التغلب على سوء الفهم المحلي.

الداخل هو الخارج
وبهذا الفهم، نستطيع القول إننا لا ينبغي أن نكون سجناء لبعض الأعراف التقليدية في العمل الدبلوماسي، على أهميتها؛ لأن ما هو منطقي الآن كان عيباً في الماضي، وأصبح من واجب الدبلوماسيين محاولة تصحيح ذلك. ولهذا، تجتهد حكومات دول كثيرة في إعادة هيكلة وزارات الخارجية لتكون أكثر ارتباطاً بقضايا الداخل، وترتيب أولويات دبلوماسيتها لتكون أكثر حساسية للرأي العام المحلي. وعندما تفعل الدبلوماسية ذلك، يجب أن تتوخى الحذر في رؤية أن تدفق المعلومات ليس فقط من الأعلى إلى الأسفل، ولكن أيضاً من الأسفل إلى الأعلى، وليس فقط في اتجاه واحد. وبالمثل، فإن صناع القرار، في كثير من الأحيان، لا يعملون في فراغ، فهم أنفسهم تحت تأثير الرأي العام، ومن واجبهم تنوير هذا الرأي العام بما يستجد من قرارات، والأسباب الموجبة لإقرار السياسات. إذ إن الوصول إلى الرأي العام، واستصحاب اتجاهاته؛ يعني أنه يجب شحذ الهمة لإحسان التصرف مع وسائل الإعلام، والعمل مع المنظمات غير الحكومية، وغيرها من جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، كل هذا بالطبع هو عين ما يجب على السياسي أن يسترشده، والدبلوماسي أن يفعله.
ولهذا، على عكس الدبلوماسي في القرن الماضي، الذي كان بإمكانه أن يحصر انتباهه بشكل دائم إلى نظيره الأجنبي؛ يجب على الدبلوماسي الحالي أن يكون على تماس دائم مع الواقع المحلي، وعلى اتصال مستمر مع الصحافة، ومع وسائل الإعلام الإلكترونية، للتأثير على صناع القرار في الداخل لخدمة (الأجندة الوطنية) في الخارج، بحيث يتم اتخاذ قرارات السياسة الخارجية المناسبة، وعدم اتخاذ مواقف تناقض توجهات الرأي العام. الأمر الذي يعني أن الدبلوماسية يتم تحويلها في الحاضر إلى عملية تشاركية عالمية، من خلال أدوات وسائل الإعلام الجديدة والجمهور المفوض بإمكانات التواصل الحديثة. إذ لم يحدث من قبل أن حدث هذا الترابط، لكن تطور الدبلوماسية بوتيرة سريعة جعلها تحتل مركز الصدارة في تكييف السياسات العامة، الداخلية منها والخارجية، حيث يسعى الدبلوماسيون للوصول والتأثير على جماهير أكثر إلماماً وحزماً من أي شخص في الماضي بالشؤون الدولية.

الخاتمة
في الواقع، لقد استخدم العالم الدبلوماسية عبر تاريخ التجربة البشرية الطويل، وكانت لها من المرونة بحيث استجابت لكل المراحل والتحولات، التي ميزت تطور العلاقات الإنسانية. وكلما نعتها حادثات التقدم التكنولوجي في مجال الاتصالات، نهضت مستوعبة للمستحدثات التقنية، وجعلتها إضافة لآلياتها وأدواتها، وتقدمت إلى الأمام كضرورة إنسانية، ووظيفة أخلاقية لا غنى عنها. ففي تحليل دقيق وثاقب، يوضح فيليب سيب، أحد كبار خبراء الإعلام والسياسة الخارجية في العالم، كيف تحول تركيز الممارسة الدبلوماسية عن مفاوضات الماضي المغلقة ذات المستوى العالي إلى الانفتاح على الرأي العام بكل مطلوباته. إن الدبلوماسيين اليوم ملزمون بالاستجابة الفورية للأزمة الأخيرة التي يغذيها مقطع فيديو على (يوتيوب)، أو منشور على (فيسبوك)، أو خبر في (واتساب). وقد أدى ذلك إلى ظهور نهج أكثر انفتاحاً وتفاعلاً في حل المشكلات العالمية مع عواقب يصعب التنبؤ بها في مستقبل الدبلوماسية في عالمنا المترابط للغاية، حيث تستخدم بشكل إستراتيجي وسائل الإعلام الجديدة بشكل متزايد، إلى جانب عمليات الدبلوماسية التقليدية لإدارة العلاقات المعقدة بين الدول، والجهات السياسية الجديدة غير الحكومية في القرن الحادي والعشرين.

* دبلوماسي سوداني، الأمين العام السابق لمنتدى الفكر العربي

ذو صلة
التعليقات