مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

كورونا كشفت أخلاقنا وأدوارنا

حصحصت كورونا الناس، وظهر كل شخص مع تداعيات الجائحة حسب مخزونه الأخلاقي. ودائماً المواقف العصيبة تبين معادن الناس. وسنتناول بعضاً مما رشح من الأجواء الكورونية من أخلاق وأدوار إنسانية من قبل الحكومات والشعوب:
1 - الحكومات
 تحركت الحكومات من منطلق أخلاقياتها، فسارعت بمد يد المساعدة لمواطنيها والدول المحتاجة. وممن سارع بقوة واقتدار لهذه الجائحة، المملكة العربية السعودية، حيث وضعت سلامة المواطن والمقيم بالمقام الأول. وأمرت باحتواء وإيواء السعوديين بالخارج. ومساعدة الدول الشقيقة. وهذا المسلك الإنساني سلكته دول مثل الصين المتصدرة للمشهد الكوروني من حيث الخبرة وقدرة التصنيع للأجهزة وغيرها.
 ونعرف مقدار هذه الأخلاقيات، حينما تخبرنا الأخبار تخلي بعض الدول عن مواطنيها وتركهم يصارعون الموت. والأكثر غرابة حينما تخلت بعض الدول عن دورها الأخلاقي وتحولت إلى عصابات قرصنة بهدف الاستيلاء على الأجهزة التي أرسلتها الصين إلى إيطاليا وغيرها، حتى أن المملكة المغربية نقلت معداتها من الصين بطائراتها خوفاً من القرصنة.
2 - الكوادر الطبية
 أثبت الأطباء والطبيبات، دورهم الريادي وتفانيهم وإخلاصهم، كونهم يقفون بالصف الأول لمحاربة كورونا. هذا الجهاد والجهد لتحقيق الأمن الصحي وضعهم في المراتب العليا إنسانياً ووطنياً واجتماعياً. يضاف لذلك تضحيتهم بأنفسهم مع شدة شراسة كورونا، بدلالة بعضهم لقي حتفه.  ويجب علينا مع هذه التضحيات المبذولة، مساعدة أنفسنا ومساعدتهم، بالالتزام بتوجيهات (خليك بالبيت) وترك التحايل للخروج، والتقيد بأنظمة الوقاية.
3 - رجال الأمن
 المواقف تظهر مكامن الرجال، وهذه الجائحة كشفت رجال الأمن، بصفتهم صمام الأمان، فنراهم في كل دول العالم يسهرون الليالي لأداء الواجب وتطبيق أنظمة الحظر وحماية الأرواح والممتلكات في غياب أصحابها.
 وعلى ذلك تقديرهم وتثمين دورهم، واجب يفرضه العقل والإحساس بالمسؤولية (كلنا مسؤول). وكما كشفت كورونا أخلاق وتربية رجال الأمن، في ذات الوقت كشفت بعض الأفراد الذين يخترقون الأنظمة ولا يقدرون المسؤولية.
4 - العلماء
 يبذل العلماء النفس والنفيس، ويقومون بأبحاث ودراسات واختراعات إزاء الكوارث والأمراض. لهذا ما إن بدأت كورونا، إلا والعلماء يشمرون عن سواعدهم لاكتشاف العلاج. ومن جهة ثانية يبذل العلماء الجهود للتخفيف من الآثار المترتبة على كورونا، من ذلك عندما اخترع سعود نور الطبيب الباكستاني، جهازاً للتنفس الصناعي يستخدمه سبعة من المصابين بوقت واحد، ليسهم في الإنقاذ والتغلب على نقص الأجهزة. لهذا قام الأهالي بولايته بتنظيم احتفال لشكره وتقديره.
5 - الإعلام
 لعب الإعلام دوراً كبيراً فيما يتعلق بالجائحة، وإيصال رسائل الاطمئنان والتعليمات، وطرق الوقاية، وإظهار دور الدول في كبح كورونا. وتعزيز الثقافة بإجراء المقابلات والحوارات مع المتصدين للجائحة. هذا الدور يستحق الإشادة سواء كان رسمياً أو من الفاعلين في (السوشيال ميديا).
 لهذا يسود التفاؤل والأمل بسبب الإعلام الإيجابي، فتجذير الأمل يسهم في انتعاش الناس وراحتهم. من هنا وضعت العقوبات الصارمة بحق من يؤجج الذعر والفزع، وتهويل الأمور.
6 - التعليم
 تجلى دور التعليم بصورة أوضح وقت الحظر، عندها شعر الناس بالمعلم وقيمته. فالأبناء يقضون ثلث يومهم بالدراسة وهذا الوقت يقوم المعلم والمعلمات بدورهم التعليمي، ويخفف من أعباء الأبناء ومشاكلهم. بالنسبة لأسرهم لهذا يكتسب من يعمل بالسلك التعليمي الحلم والصبر، ولاسيما أن الفصل الدراسي فيه مختلف البيئات. وفي الحظر ضاق الأهالي ذرعاً من أبنائهم، وتيقنوا بما يبذله المعلمون والمعلمات من جهد. وجدير ذكره أنه حتى في الحظر لم تتخل المدارس عن دورها وأصبح التعليم عن بعد، بما في ذلك التعليم العالي.
 إذن يتضح أنه لا يمكن الاستغناء عن التعليم، بينما كل الأصوات التي تعالت بصلافة على المعلمين حسداً وحنقاً وجهلاً، وقت الأزمات لا دور ولا وجود لهم، وقد غاب غثاؤهم أدراج الرياح.
7 - الأثرياء
 تبرع الملياردير بيل غيتس بمبلغ 100 مليون دولار أمريكي. وكذلك الملياردير الصيني (جاك ما) صاحب (شركة علي بابا) بسخاء بأجهزة وأدوات طبية ومبالغ مالية، ولم يقتصر تبرعه للصين، وإنما شمل دولاً أخرى، من ذلك دعمه المملكة الأردنية بكل ما تحتاجه للتصدي للجائحة. وأيضاً تبرع رجل الأعمال السعودي عصام المهيدب ببناء مستشفى بالمدينة المنورة خلال 70 يوماً. وغير ذلك من التبرعات السخية. وأغلب الأثرياء بالخليج العربي وغيره، وقفوا موقفاً مشرفاً فيما يتعلق بالتغاضي عن الإيجارات للمعارض والمحلات.
وهذه الأزمة فرصة لن تتكرر للأثرياء لاستثمار المشاركة في فك الاختناقات والضائقات المترتبة على الجائحة عن طريق مد يد العون للأسر المتعففة والمحتاجين والمساكين ومن انقطع مصدر رزقهم واغتنامهم هذه الفرصة السانحة لوجه الله تعالى، وفي ميزان أعمالهم وتخليداً لموقفهم وصيتهم في هذه الجائحة.
8 - التجار
 يتاجر بعض التجار مع الله تعالى، من ذلك تبرع أحد تجار العراق بجميع ما يملكه في مخازنه الغذائية للأسر المتعففة، حيث جعل كل حصة غذائية تكفي مدة قرابة الشهر للأسرة، ورفض بشدة ذكر اسمه إعلامياً. وكذلك تجد أمثال هذا السخي في جميع الدول وكل بقدره، وللنساء نصيب في التبرع فقد تبرعت سيدة الأعمال مريم المطيري من القصيم بسخاء، وعليه تم تكريمها من أمير القصيم. إضافة إلى ذلك تجد كثيراً من التجار خفض من أسعاره، مشاركة في هذه الجائحة أمثال (مزارع عبدالغني السالم وأبناؤه للرز الحساوي) وغيره.
وتكمن أخلاقيات هؤلاء التجار ودورهم الجميل، حينما نعلم أن بعض التجار رفع الأسعار، ومنهم من احتكر مخزون (البصل) والخضراوات حتى يقل العرض وبالتالي ارتفاع أسعاره، لكن يقظة الجهات المختصة وقفت لهم بالمرصاد.
9 - النساء
 صمدت النساء في الجائحة، وزادت مسؤوليتهن في الحظر، من خلال وجود الأطفال في المنازل في وقت يفترض فيه مكوثهم بالمدارس. إضافة إلى أعباء المذاكرة على أساس أن المعلم عطاؤه عبر الأثير. كل هذا مع معرفتنا بغياب الترويح عن النفس. زد على ذلك المكابدة بإعداد وجبات الطعام لثلاث وجبات، كل هذا مع حسن التدبير بالمصاريف نتيجة توقف العمل لدى بعض الآباء، وعدم الذهاب للجمعيات الخيرية من باب الإباء.
10 - الشباب
 يسطر الشباب في كل الأزمان مواقف مشرفة، لهذا أول المؤمنين والداعمين للأنبياء الشباب، لأن نفسياتهم فتية ولم تلوث بكدورات الحياة، من هنا نرى دور الشباب واضحاً ومقدراً في أدوارهم التطوعية. وقد ضرب الشاب آفي شيفمان ذو17 ربيعاً مثالاً رائعاً للأخلاق، حيث أنشأ موقعاً إلكترونياً لتتبع كورونا منذ بدايتها، وقد نجح موقعه وفاق عدد متابعيه 35 مليوناً، وقد عرضت عليه مبالغ خيالية للإعلانات من ضمنها 8 ملايين من الدولارات، ورفضها لأسباب إنسانية، وقال: (ليس من أولوياتي تكديس ثروة فاحشة...).
 وحينما نرى هذا النموذج والتربية الفائقة، حري بالشباب الاقتداء به واستثمار أوقاتهم الثمينة في هذه الجائحة، بدلاً من هدر الوقت، وربما التسبب في تفشي الجائحة.
11 - الجمعيات الخيرية
 الإنسان سجيته الخير، من هنا تتكون الجمعيات الخيرية، أهلية كانت أم حكومية، ومن يلتحق بها يستحق الشكر والتقدير والدعم، فكل الأعضاء لسان حالهم عملنا: لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً).
والجائحة كثفت تضحياتهم بوقتهم وجهدهم ودعمهم. لذا الجمعيات تستحق الدعم مالياً حتى تصل للفقراء والمعوزين ومن يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً).
 وأيضاً الجمعيات لها دور باستقبال التبرعات من المشائخ، وتعزيز دورهم الاجتماعي، ولاسيما بعد انحسار دورهم من المساجد والخطابة، وانكفائهم في منازلهم بوجاهة الحظر (مع قناعتنا بما يقدموه من مساعدة للفقراء بجهود ذاتية).
12 - المبادرون
 حجبت كورونا العلاقات الاجتماعية الإنسانية، فأصبح (السلام نظر) ولقاء الأقارب والأصدقاء والأحبة مسألة فيها نظر. بعدها تحجمت المناسبات وانقطعت اللقاءات وأضحى الجميع حبيساً في مسكنه. في خضم هذه الانقطاعات، يبادر من يملك دماثة الأخلاق بتفقد وتردد الاتصال على الأحبة بغية الاطمئنان والامتنان.
الفكرة:
 تختلف ردود الفعل من قبل الناس إزاء الحوادث والكوارث والأزمات، فبعضهم يجدها فرصة للمساعدة، بينما آخرون يستغلونها للجشع، والسرقة. وفي الجائحة استشعر العالم قيمة العلماء في مجال الطب والصيدلة والتعليم والتجارة والأمن. والجميع يدعو الله تعالى أن يزيح هذه الغمة، ونأمل أن يوفق العلماء باكتشاف علاج ولقاح لفايروس كورونا.

ذو صلة
التعليقات