مجلة شهرية - العدد (528)  | سبتمبر 2020 م- محرم 1442 هـ

الصور في التجوري

مرّ الإنسان السعودي، الذكر أولاً ومن ثم الأنثى، في علاقته الفردية مع الصورة ثم في علاقته الجماعية معها كعائلة مكونة من أفراد مجتمعين في صورة واحدة في أطوار نفسية شتى، وذلك منذ أن دخلت هذه التقنية إلى مجتمعنا النامي مع بدايات تكوّن الدولة الحديثة حيث ضرورة استخراج التابعية أي وثيقة الانتماء إلى الوطن الجديد الموحّد المسمى المملكة العربية السعودية والتي تتطلب أن يكون في دفترها ذي الورقات المحدودة مكاناً مخصصاً للصورة الشخصية، والتي أخذتْ آن ذاك مسمى العكس، أي عكس صورة الإنسان، وقد حُرّم ذلك قطعياً على الأنثى في ذلك الوقت، وظلّتْ تابعاً للذكر في تابعيته دون صورة حياً كان أو ميتاً، وقد كان بعضهم يضحك كثيراً عندما يرى عكسه (صورته) لأول مرة، إذا لم يكن قد رأى نفسه من قبل في مرآة، وبعضهم كان يستاء من خلقته إذا حوى وجهُه علامات فارقة كبثور الجدري الكثيرة أو الحَوَل أو العور في العين.
وقد كان لنفر من الإخوة اليمنيين الذين قدموا إلى المملكة في بدايات العهد السعودي الزاهر، وأظنّهم ممن كان يُعرف وقتذاك باليمن الجنوبي، سابق معرفة بفنّ التصوير من خلال الأستوديو الذي فتحه، فقد قام أستوديو الزهرة وحده -مثلاً- بتصوير أجيال من تلاميذ المدارس كلهم في مناطق سكانية كبيرة كالأحساء، إذ إنه صوّر الفرد في سن السادسة عند دخوله المدرسة، وصوّره ثانية في سن الثانية عشرة عند إتمامه شهادة السادس الابتدائي، وصوره مرة ثالثة في سن الخامسة عشرة عند إتمامه شهادة الكفاءة المتوسطة، وقد احتاج الشاب عند بلوغه سن السابعة عشرة إلى وجود أو مرافقة (المشخّص) وهو الصديق أو القريب الذي يكون مسؤولاً عن زينة المرء عند التقاط الصورة الشخصية له في التابعية، وذلك حين يرتدي الزي الوطني السعودي (الثوب/ الغترة أو الشماغ/ العقال).
 وقد كان بعض علمائنا الأجلاء رحمهم الله يرفض رفضاً قاطعاً أخذ صورة له، ويرون أن ذلك من الشر الذي يجب تركه والابتعاد عنه، وكانوا مصيبين في نظرتهم ولهم رؤيتهم المستقبلية التي توجب الشكر والتقدير. فقد ظهرت علامات الشرّ في أواخر السبعينات الميلادية من القرن الماضي ومع بداية الثمانينات منه، عندما جاء جيل الكاميرات الشخصية الفورية الملونة (Kodak وPolaroid) إذ قام نفر من أصحاب الممارسات السلوكية الخاطئة (الشيطانيون الآثمون) بممارسة سلوك الابتزاز والتهديد لمن صوروهم عنوة أو بالرضا عندما شاركوا معهم الجرم، وسُكّ في ذلك الوقت بين الناس مصطلح (ماسك صور عليه أو عليها). وقد كانت مثل تلك الجرائم تحدث في الأوساط الاجتماعية الشعبية، وفي الأوساط الدينية المحافظة في الأرياف والقرى والمدن، فدبّ الرعب والقلق في نفوس الآباء والأمهات فصارت الصور العائلية للمناسبات كالأعراس وغيرها تحفظ في الخزائن المالية المخصصة للأموال والأوراق المهمة (الصكوك) والذهب، والتي تسمى بالتجوري.
وما كان بعد نظر العلماء عبثاً، فقد تبيّن في مطلع الألفية الجديدة استخدام السحرة للصور الشخصية، ولم يكن وضع الصور في التجوري مضحكاً، فقد كان الخوف من تسرّب الصور وضياعها ووقوعها في أيدي شياطين الإنس وحفظها في ذلك المكان من الحكمة.
على أنه من الطريف الذي يوجب الذكر أن بعض الفتيات إذا ما طلب منها حبيبها صورة لها كانت تقصّ صورتها بالمقصّ من النصف وتعطيه نصف الصورة كتذكار.
أما في الوقت الراهن فقد بات موضوع الصور في ظل وجود الهواتف الذكية وبرامج التواصل الاجتماعي من الصعب جداً السيطرة عليها.
أخيراً، تبقى علاقة الإنسان السعودي بالصورة موضوعاً يستحق الدرس في النقد الثقافي.

ذو صلة
التعليقات