مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

مرجعية القيم في المجتمع

يُنقل عن الحديث الذي دار بين ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي جو بايدن في لقاء القمة في جدة وسط شهر يوليو 2022 أنه نبه إلى أنه ليس بالضرورة أن تتطابق قيم المجتمعات، وعلى الجميع احترام قيم بعضهما والتعايش فيما بينها، وبالتالي فإن فرض (قيم) بعينها على الآخر سواء اجتماعية أو سياسية أو غيرها على أي مجتمع مختلف في ظروفه العامة هي ضد الطبيعة الإنسانية.

تلك حقيقة من المتوقع أن يعيها الرئيس الأمريكي ومساعدوه، فهو بالتأكيد يعرف وغيره أيضاً أن القيم في المجتمع خاضعة لجملة من العناصر المختلفة منها الثقافة العامة والقيم الدينية ووسائل الإنتاج الاقتصادي وبل حتى الطبيعة واختلاف الزمن، وإن التوظيف هو (توظيف سياسي) لا أكثر ولا أقل. هناك عدد من الشواهد التي يعرفها أي مهتم بالشأن العام بأن اختلاف القيم هي من ثوابت المجتمعات. يحكى أن الرئيس جورج الأب كان في زيارة رسمية إلى نيوزلندا، فأراد مضيفوه أن يكرموه بحفل يقيمه أهل نيوزيلندا من السكان الأصليين، وعند قدوم الرئيس إلى الحفل أطل على الجميع رافعاً يده بعلامة النصر V تحية منه لهم، فانفض الجميع بسرعة وانسحبوا من الحفل، تبين لاحقاً أن تلك الإشارة تعني شتيمة في ثقافتهم! ومما يحكى في هذا الأمر أن إحدى قنصليات أمريكا في الشرق الأوسط كانت تقدم خدمة الفيزا للسفر إلى الولايات المتحدة، وجد المسؤولون أن أحد الموظفين المواطنين يقدم في أسبقية الطلبات للبعض من الأشخاص، فصار الاعتقاد أنه شخص مرتشٍ، وعند التحقيق معه تبين أن الرجل ينتمي إلى قبيلة ما، فكان يقدم طلبات من هم من قبيلته فقط، معتقداً أن ذلك واجب عليه تحتمه قيم القبيلة! ولم يكن بأي حال شخصاً مرتشياً، هنا أيضاً تظهر فروق القيم في المجتمعات. وحتى الكلمات والتعابير لها معنى مختلف من مجتمع إلى آخر، وحتى في مجتمعاتنا العربية بين المشرق والمغرب! فـ(الله يعطيك العافية) في المشرق تعني دعوة إيجابية وفي مكان آخر قريبة إلى السلبية!
القيم في معظمها نسبية تخضع لعدد من العوامل المتعددة، منها قيم ثابتة نسبياً ومنها قيم متغيرة حسب الظروف العامة في المجتمع. في مجتمعات ما يقدم إلى الضيف من الطعام يتوجب أن يؤكل كله، وأي فائض منه يعني أن الضيف لم يقم بواجب الشكر للمضيف.
هناك قيم كثيرة يمكن أن تتبنى من المجتمعات إن كان لذلك ضرورة، فأهلنا في السابق مثلاً كانوا يطبخون على الحطب بعد ذلك أصبح الغاز، فلا ضير من ذلك كما في فرق ركوب الجمل وركوب السيارة أو الطائرة، فهناك سلوكيات تفرضها تغير في الثقافة أو تغير في الحاجات أو حتى مرور الزمن، ومن يرى أن ربط القيم بشكل عام بثوابت اجتماعية هو بالتأكيد مخطئ لأن الزمن يتغير وحاجات الناس تتغير أيضاً.
في الغرب قيم جميلة كالشفافية في أنظمة الإدارة أو ضبط الأعمال بقوانين وغيرها التي يمكن أن يتبناها المجتمع الآخر لأنها تخدم أغراضه في التقدم ومسايرة العالم، ولكن أيضاً هناك قيم لا تقبلها مجتمعات أخرى، مثل إشاعة المثلية التي هي (مقززة) للإنسان العربي والمسلم، فهي بالتأكيد ليست من القيم المرحب بها في المجتمع. يدخل في ذلك الكثير من الشعارات التي يرى البعض في الغرب أنه يتوجب أن تسود وهي ليست من أولويات المجتمعات الأخرى. قيمة الكرم على سبيل المثال فرضتها طبيعة أساليب الإنتاج للثورة في المجتمع العربي، فالعربي يميل إلى الكرم، أما الغربي فهو يرى أن على كل من يطلب خدمة أن يدفع، وليس غريباً أن تشاهد مجموعة من الأصدقاء في مطعم بعد الانتهاء من الوجبة كل يخرج من جيبه (حصته) من الشراكة في الوجبة، في حين ترى طاولة أخرى عليها نفر من العرب تقوم بينهم شبه مشاجرة لمن يريد أن يدفع عن الكل! والقيم كما أسلفنا لها علاقة بالزمن، فكثير مما هو مستحب في الزمن القديم يمكن أن يصلح للزمن الحديث، سواء في السلوك أو التعامل أو حتى في الملابس الشخصية. كما أنه ليس من الضرورة أن يوصف المجتمع أنه (مجتمع مسلم) حتى تتماثل فيه السلوكيات في بعض مظاهرها، فالمجتمع الأفغاني الحالي لا شك مسلم ولكنه ينظر إلى المرأة نظرة خاصة وضيقة، ليس بالضرورة هي نفسها التي تنظر إليها المجتمعات الأخرى مثلاً في المغرب أو إندونيسيا! فهناك يتاح للمرأة العمل والدراسة وذلك يمنع في أفغانستان، تلك قيم مجتمعية وعادات وتقاليد وليست (إسلاماً). فالتعميم ووضع الجميع في بوتقة واحدة وأخذ المجموع بجريرة الأقلية هو افتراق عن الحكمة وجهل بالثقافات المختلفة وخلط الديني بالتقاليد والعادات وهو خطيئة منهجية لا يجوز للنخب الوقوع فيها.
لذلك فإن الفكرة الرئيسة التي قدمها الأمير محمد بن سلمان لضيفه هي فكرة صائبة ومتعارف عليها في العقل الإنساني الراجح، وأولى أن ينظر إليها بعمق وبتؤدة من أجل تخليص ما هو سياسي وأيديولوجي من الإنساني والعلمي. المؤسف أن بعض دوائر الغرب ما انفكت تنظر إلى بعض القيم الممارسة في مجتمعات أخرى على أنها (متخلفة) من وجهة نظرهم، وذلك ضيق أفق تجاوزته الدراسات الحديثة، فهناك مساق واسع في علم الاجتماع له عنوان متفرد هو (الأنثروبولوجيا) وهو مساق يدرس الاختلاف في قيم البشر وطريقة تعاملهم مع الآخرين أو المشكلات التي تواجههم.
فرض قيم حتى بالنسبة للغرب تعتبر عليا (مثل الديمقراطية) ليست بالضرورة شكلها أو أدواتها متماثلة، حتى في الغرب نجد أن الديمقراطية (الجفرسونية) الأمريكية مختلفة عن الديمقراطية (الوست منسترية) البريطانية، وقد يعجب البعض أن علو كعب ما يعرف بالدستور (أبو القوانين) ليس له وجود في الممارسة البريطانية والتي تعتمد على السوابق في ممارستها، وقد لا يعلم كثيرون أن حقوق المرأة في المشاركة السياسة طبقت في تركيا المسلمة قبل ألمانيا الغربية المتقدمة!
هنا بالطبع هامش من التسامح بين القيم المختلفة، وهناك ما يمكن أن يسمى خطوط حمراء أيضاً، ولكن هامش التسامح اليوم مع تقدم المواصلات والاتصالات أصبح أوسع من الخطوط الحمراء التي بدأت تضيق بين المجتمعات. إلا أن القاعدة الأساس احترام متبادل بين الثقافات وتعايشها ذلك ما تم في الحضارات المختلفة وهي التي يتوجب أن تسود في حضارتها المادية الاستهلاكية المتسارعة.

ذو صلة
التعليقات