مجلة شهرية - العدد (556)  | يناير 2023 م- جمادى الثانية 1444 هـ

ثمار من دوح الإنسانية

(وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا)
القيم والأخلاق هي الدين الإسلامي والأهل والعائلة، لأنها تجمع كل الفضائل التي يقوم على أساسها المجتمع، وترتكز على نهجه ثقافة الحياة الاجتماعية والأسرية، فهم القدوة الأولى للإنسان، فالإنسان الذي يطبق القيم الإنسانية يكون شخصاً صالحاً لنفسه ولأسرته ومجتمعه، لأن للقيم دوراً مهماً في حياة الأمم والشعوب، فالمجتمعات الإنسانية مجتمعات تحكمها معايير في تعاملهم وعلاقاتهم مع الآخرين، بل هي الضابط والمحدد للسلوك الفردي والجماعي.

ويعد القرآن والسنة هما المصدران الأساسيان للقيم، إذ جاء في آيات القرآن الكريم الحث على القيم بكل أنواعها، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (النحل: 90). أما في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، لذلك احتلت القيم أهمية كبيرة في حياة المسلمين، في معاملاتهم وعباداتهم وفي كل مجالات الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. وغيرها.
لكن يتميز العصر الحاضر بالتغير الاجتماعي الذي عمل على تقويم بعض العادات والقيم وحولها بطريقة تتماشى مع نمط الحياة الحالي، وبخاصة في ظل التنوع السكاني والهجرة والتعرف إلى الثقافات الأخرى وارتفاع مستوى التعليم لدى البعض، إضافة إلى البرامج التلفزيونية والقنوات الفضائية التي جعلت العالم قرية صغيرة. وعلى الرغم من الإيجابية للتغيير إلا إنه عمل على إحداث تغيير هائل في القيم وبعض العادات والتقاليد غير المرغوبة والتي تتعارض مع ما هو متبع منذ العصور في المجتمعات، الأمر الذي أدى إلى تأثر بعض الأفراد بهذا المسار المتبع، وهو مخالف للقيم وللدين أحياناً، فأصبحت المجتمعات تتلقى الكثير من القيم من خلال التواصل الثقافي مع مجتمعات أخرى، مما أدى إلى وجود نوع من المشاكل في النسق القيمي داخل هذه المجتمعات، لذلك بدأت تتعالى أصوات المهتمين بالقيم ومكارمها، من حكام وعلماء ومفكرين ورجال تربية، تنادي بالعودة إلى القيم والأخلاق وإعادة النظر في تربية العنصر البشري بما ينسجم مع عاداته وتقاليده. وتعزى هذه المشاكل التي أثرت في القيم والأخلاق إلى عدة أسباب منها: غياب دور الأسرة في تربية الطفل، وضعف عملية التنشئة الاجتماعية، وظاهرة التفكك الأسري، وتحاشي الأفراد التصدي لبعض الظواهر والآفات الاجتماعية، مثل المخدرات والسرقة والعنف، كذلك قد تؤدي العوامل السيكولوجية إلى رغبة الأفراد في التغير الاجتماعي خصوصاً بسبب الوعي الاجتماعي والتعليم الذي أدى إلى تغير في التفكير ووجهات النظر، هذا بالإضافة إلى ظهور الكثير من المشكلات التي تواجهها الدول الإسلامية، سواء كانت سياسية أم اجتماعية أو اقتصادية، أيضاً التوجه السلبي لبعض وسائل الإعلام، وضعف التمسك بالدين الإسلامي، والغزو الثقافي والعولمة التي أصبحت تهدد الثقافة المحلية للشعوب، نتيجة ما يبث خلالها من ثقافات مختلفة تحمل في داخلها الكثير من القيم والأفكار المتباينة. والشباب هم أكثر عرضة لهذا التغير، ويتبعون كثيراً الموضة، كما تتأثر القيم الأخلاقية والقيم التقليدية في ظل هذا التغير، فيجرون وراء المادة والمنفعة الشخصية، ولا يقبلون العادات القديمة، كما أن الدين لا يؤثر في سلوكياتهم في ظل الدعوات المتعالية لفصله عن الحياة الاجتماعية، فيعيشون بدون قيود تحكم تصرفاتهم وعاداتهم وتقاليدهم ويحبذون الحرية المطلقة.
وهذا النوع من المجتمعات تمثلها المجتمعات الغربية، فالغرب يسعى إلى عولمة القيم الاجتماعية وفرضها على الدول بشتى الطرق، ويبدو ذلك جلياً في مواثيق تمت عولمتها باسم الأمم المتحدة، وقد ذكر عمارة محمد في مقاله بمجلة العروبة من هذه المواثيق (وثيقة عمل مؤتمر السكان والتنمية الذي عقد بالقاهرة في سبتمبر 1994)، في تلك الوثيقة ما يكفي لتجسيد معنى عولمة القيم الغربية وفرضها على الأمم المختلفة والحضارات والثقافات، وهي مجتمعات عزفت عن الزواج واستبدلته بالرفقة، وكان من نتائج ذلك أن 40 % من الأطفال ولدوا خارج الأسر الشرعية، أي عن طريق الزنا، و50 % من هؤلاء الأطفال يعيشون مع رفيق الأم أو رفيقة الأب، وقد عمل هذا المؤتمرعلى إضفاء أكبر قدر من الشرعية والحماية لمثل هذه العلاقات الشاذة والاعتراف بها، كذلك عمل على تعزيز المصطلحات المستخدمة في هذا النوع من الدراسات لمسح القيم التي تمثل خصوصية المجتمع والتي هي نابعة من الإسلام، والإتيان بأخرى بديلة، لها مقاصد مختلفة، كما تأثر بعض شباب المجتمعات الإسلامية بهذا المبدأ المسمى (الحرية الشخصية) مما جعلهم يدافعون عنها متناسين ما دعت إليه قيمهم الإسلامية التي تقدس حياة الفرد والأسرة وتحافظ على خصوصيتها وترعى حقوقها، حتى لا يتحول المجتمع إلى مجتمع متفكك، فما قيمة المجتمع إذا انتزعت منه القيم، وأصبح على المصالح الفردية البعيدة عن قيم التكافل الاجتماعي التي كفلتها الشريعة الإسلامية، مثل: التعاون، ومشاركة الآخرين في أفراحهم وأحزانهم، وطاعة الوالدين، والتسامح، ورفض قيم الأنانية والانتهازية، ونبذ العنف، ورفع قيم الحياء والحشمة والكرم والصدق والأخوة والصداقة الحقة والضيافة والإحسان للآخرين.

ذو صلة
التعليقات